إشكاليات الخطاب النقدي

العربي المعاصر

يبدو إن الإشتغالات النقدية ،والمراجعة الفكرية في واقعنا العربي بدأت تتسع ،وتشكل ظاهرة بارزة ، من خلال الدراسات المُعمقة ،والجوهريّة في الفكر وجوهر اللاهوت والنقد مابعد الحداثوي ، لعلّ تلك المخاضات والصيرورة الحضارية تنتشل الواقع العربي المأزوم سياسياً بسبب الطغاة ،وعدم وجود الإستراتيجيّات البنيويّة لحلحلة التصدعات الإجتماعية التي تواجه العرب برمتهم ،فمراحل الإستعمار ثم الإستقلال وبعدها حكم العسكر في أكثر من بلد عربي ،وبعدها ثورات مايسمى الربيع العربيّ ،وظهور الشرخ الطائفي المُسوق والمُصنع والمُعلب في دهاليز السياسة الغربيّة والمدعوم من إسرائيل ،لإشغال الأمة بأزماتها من خلال الحرب بين الضد النوعي ،وتصنيع الحروب الطائفية ، فضلاً عن محاولات عديدة من المفكرين، والباحثين ،والمنظريّن ومن خلال الترجمة والتأثر بالآخر والمُنتج الوافد لساحتنا من مدارس غربية بطرائقها الفلسفية ..والنقدية وتعاطيها مع واقعنا وبيئتنا وفكرنا ومنتجنا الأدبي ، وإسقاطات تلك المقارباتها وتجلياتها على واقعنا الثقافي والنقدي ؛وبالأخص الإجتراحات التنظيرية خلال ال 30 عاماً الأخيرة ..في موضوعات النقد الأدبي وتطبيقاتها على النصوص لتفكيك بنيتها وأنساقها وثيمتها الجوهرية .. من هنا درّس وأسس الدكتور علي حسين يوسف في كتابه المعرفيّ والجماليّ والتنويريّ (إشكالات الخطاب النقدي العربي المعاصر ) عن دار الروسم / 2015/ط1 ب470 صفحة وهو دراسة في نقد النقد حصل على الدكتوراه بإمتياز من كلية التربيةجامعة كربلاء بمناقشتها في 2013.. تناول بفصول وابواب تحليله المنطقي والعلمي ورؤيته للكيفية للإرتقاء بفكرنا وثقافتنا وأدبنا وفق رؤية نقدية عربية تنبثق وتنبجس من رحم الثقافة العربية ،فالمقولات الغربيةحسب رأيالمؤلف لاتنفع لوحدها دون الرجوع بمزجها بإرثنا النقدي الأصيل ،فمعرفة الذات هو الطريق لمعرفة الآخر ، وفي عصر العولمة والتواصل ينبغي التنسيق لتخطي الأزمات ، وعرض المقولات النقدية العربية بطريقة ينتفع منها المُتلقي العربيّ. يتم الإرتقاء بالثقافة ،وإضاءة العتمة ، بحزمة وبسيل من الإشراقات الفكريّة والنقديّة ومن مناهل ومدارس عالجت المشكلة الفلسفية وناقشت المنتج الأدبي وفق سياقات طرحتها نظريات غاصت بأبعاد الجمال والمعرفة والتأصيل المنهجي الذي سعى له دعلي حسين يوسف ،يذكر بمقدمته ص14 ((….أن ثمة إشكاليات بارزة كونت بمجموعها ملمحاً بارزاً من ملامح النقد العربي في المرحلة موضوع الدراسة لايمكن ان تفهم ما لم تدرس مجتمعة ثم إنها لم تحظ إلى الآن بدراسة أكاديمية مستقله ،هذه الإشكاليات تتمثل في : المثقافة النقدية ، والمنهج النقدي ،والإجراء ، وتتفرع إلى إشكاليات أدق منها : (الترجمة ،والمصطلح ،والإنتقائية ، وغياب المنهجية ،والخلط المنهجي ،والتعميم ،والنزعة الإيديولوجية ،وتغليب التنظير ،والغموض ….) في هذا الجهد التنظيري والتاسيسي في دراسة نقد النقد وإجراء بالتطبيق تمكن المؤلفمناقشة دقيقة لتأهيل المُتلقي لفك الإشتباك بين المفاهيم والمصطلحات والمقولات والشروحات الوافدة ، بفصل من خلال البحث في الإشكالية ، والخطاب النقدي الغربي الإصول والمقولات ،مروراً بإطروحات النقد العربي المعاصر لرؤى وأفكار النقد العربي ،أما بالفصل الثاني تعمق بعرض وتحليل لإشاكلية المنهج النقدي وفيه ثلاثة مباحث تطرق إلى :الغياب المنهجي ،وقضايا الإجتهاد النقدي ،والأحكام النقدية .لِيغوص ويستخرج لنا الآليء والجواهر بفصله الثالث بدراسة إشكاليات الإجراء النقدي في مبحثين للإحاطة بفحوى سيادة التنظير على الممارسة وغموض اللغة النقدية ، تلك الدراسة المنهجية المُحكمة من جذر المصطلح اللغوي ومفاهيمه ومصاديقه وتصريفاته وتصنيافته ودلالاته مع مقاربات لغوية بين المصطلح بلغته وعند ترجمته والإعتماد على هوامش ومفاتيح لكل الأفكار التي عرضها بهذا المُصنف الفكريّ والمعرفيّ والجماليّ من تعريف الخطاب النقدي ص23 : (يعرَف الخطاب النقدي عامة بأنه (( كل نص يعلق أو يحلل عناصر العمل الادبي وفق معايير أو مقاييس بنيوية او شكلية او نفسية او اجتماعية )) أما الخطاب النقدي فهو الخطاب الذي يفصح عن نفسه من خلال مايسجله الناقد من نص أو مجموعة نصوص أو ممارسة وضعت لمساءلة موضوع بعينه انطلاقا من قراءة معينة ،وقد يكون الخطاب النقدي منجزا فرديا أو منجزا جماعيا ، يمثل حقبة زمنية بوصفه خلاصة مقومات مشتركة تجلت في خطابات تدور حول موضوع أو جنس نقديين .) وقد أبحر تاريخياً بالعودة للخطاب النقدي الى التراث الاغريقي صعوداً الى المعاصر ماراً بمعظم المدارس التاريخية عبر الحقب التاريخيّة .. إن التلاقح الحضاري بين الشعوب ومنتجها الفكريّ والثقافيّ عبر الترجمة له أهميته القصوى في التعريف ونقل العلم والادب من اللغات المكتوب فيها إلى القاريء العربي ،رغم بعض الإخفاق كما يرى ديوسف في ص68 : (وكثيراً ماوصفت الترجمة بأنها عملية مريبة لأنها تضفي طابعاً محليا على النص الأجنبي المترجم ،فتغرس فيه القيم الثقافية واللغوية المحلية بدءاً من اختيار النص للترجمة واستبعاد النصوص الأخرى وانتهاءً بإختيار قيم محلية معينة وأستبعاد أخرى….) وقد بذل الباحث جهداً واضحاً في إستعراض طروحات أهداف النقد الثقافي الذي شغل الحيز في التادول النقدي ،كما في سبر أغوار النص والقراءة والتلقي وفك أسرار النص ، كما ورد في ص 211: ( بعد أن أمات الغذامي النقد الأدبي شغل نفسه إجرائيا بطرح (منهجه) النقدي مبتدءا بذاكره المصطلح والمصطلحات المجاورة له وخيوط التشابك بينهما ….) لقد أحسن الدكتور علي حسين يوسف في التوطئة لكل فصل بمقدمات تتجلى به تلك الأفكار والمقولات والشروحات لِتمهد لما آمن به في دراسته في نقد النقد ،ولاتخلو تلك المغامرة الشاقة من صعوبات في تبويب الآراء لنقاد عرب أثروا الساحة العربية، بالطبع الظلال الغربية تُلقي بحمولاتها على المنتج النقدي العربي فيؤكد في ص 282 : (يبدو ان النقد الغربي الحديث القى بثقله على النقاد والمفكرين العرب الى حد الذي اصبح معه هذا النقد نموذجا يحتذى على مستوى التنظير خصوصا ،مما وصمه بالتجريد والابتعاد عن الواقع ،ولنا في هذا المجال اكثر من نموذج عربي اقتصر على التنظير لمقولات النقد الغربي،……).لا ريب إن هذا الإشتغال الواسع والعميق للرؤى والأفكار والمقولات والنظريات النقدية العالمية ،والسعي العربي لتوظيفها على المنتج العربي يجعل الحراك الثقافي يتنامى ولا يقف عند السكون تجاه مايُقدم في الوسط الثقافي.

الأستاذ صباح محسن كاظم من كتابه_فنارات في الثقافة العراقية والعربية ج4_