من مظاهر الخلل في إصداراتنا، غياب القواميس والمعاجم؛ إذ من النادر جدا أن تعثر على قاموس بين الإصدارات الجديدة، التي تستحوذ فيها الرواية على كل شيء أو تكاد.
فكرت في الأمر وأنا أقرأ كتابا في غاية الأهمية صدر منذ سنوات، عنوانه: “معجم العامية الدزيرية، بلسان جزائري مبين”، أنجزه الباحث والإعلامي الصديق مهدي برّاشد، وهو عمل في غاية الأهمية العلمية والمعرفية والتاريخية، يتناول بالدراسة والتحليل واقع العامية الدزيرية (الجزائر العاصمة) تأريخها، سياقاتها، تأثرها وتأثيرها.
تعتبر اللهجة الدزيرية واحدة من أكثر اللهجات الجزائرية اقترابا من اللغة العربية الفصيحة، يبدو ذلك جليا من خلال الأغنية العاصمية الشعبية، وقصائدها التي لا تتضمن كلمات فرنسية على عكس أغاني مناطق أخرى في البلاد. كما يؤكد مهدي براشد في حوار أجراه معه الكاتب والإعلامي الصديق الخير شوار، ويضيف في حسرة: “العاصمة لم “تُفَرْنَس” أيام الاستعمار الفرنسي الذي عجز على مدى 132 سنة عن إدخال لغته إلى البيت الجزائري والحي الجزائري، فيما استطاع الاستقلال أن يفعل ذلك وببراعة في أقل من خمسين سنة”.
القواميس والمعاجم، ضرورية ومهمة جدا في المحافظة على تراثنا، في البلدان الغربية تحظى باهتمام واسع، للأسف أهملناها ولم نعد نهتم بها، وبالغنا في الاهتمام بالرواية وبشكل مفرط . بينما لا تتوقف مطابع البلدان الغربية، عن إصدار القواميس والمعاجم، التي تهتم بلغاتها ولهجاتها، كما أنها تقوم بتحيينها كل سنة، بإدخال كلمات جديدة.
في منطقتي، وبالمثل العديد من مناطق البلاد، هناك كلمات ومفردات وتعابير كثيرة جدا لم تعد متداولة بين الناس الآن، بل انقرضت تماما، وبالتالي تحتاج إلى باحثين يجمعونها في قاموس، يشرحون معانيها وسياقاتها، بوصفها جزءا لا يتجزأ من تراثنا. أتساءل ونحن على أبواب عيد الأضحى المبارك، من يستعمل كلمة “الڤرم” -على أهمية دلالاتها- والتي تعني شدة الرغبة في أكل اللحم؟ هناك تسمية “الحراڤ”، التي تعني الماعز، وصفات تطبع أنواع الغنم على غرار: الدغمة، البرڤية، الصرندية، الصڤعة، الحرشة..

بقلم الأستاذ بوداود عميّر