من يتذكّــر الروائية والطبيبة النفسانية الجزائرية يمينة مشاكرة ؟

في 19 مايو من كل سنة، تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المتخصصة في الأمراض العقلية. اشتهرت خاصة بروايتها: المغارة المتفجرة  la Grotte éclatée ، التي كتبتها باللغة الفرنسية، وصدرت طبعتها الأولى سنة 1979، عن المؤسسة الوطنية للكتاب في الجزائر. كان يجب انتظار عشر سنوات بعد ذلك أي في حدود سنة 1989، لتصدر ترجمتها إلى اللغة العربية عن نفس الدار، تحت عنوان : “المغارة المتفجرة”، وقد تصدّت لترجمتها الكاتبة والمترجمة اللبنانية عايدة أديب بامية. 

ورغم أن ابنة الأوراس أصدرت بعد ذلك، عملاً روائيا ثانيًّا، تحت عنوان “أريس” عن دار المرسى سنة 2000، غير أنّ هذا العمل لم يحظ بنفس اهتمام وشهرة روايتها الأولى”المغارة المتفجرة”، ويعود ذلك فيما يبدو إلى المقدّمة التي خصّها بها الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين (1929-1989)، والذي لم يكتف بإشادته الرواية وتقنيات كتابتها، معتبرًا إيّاها قصيدة طويلة نثرية، تُقرأ كرواية، بل تجاوز ذلك، إلى دعوة الجميع لقراءتها ذلك لأنّ “المرأة التي تكتب في الوقت الحاضر في بلدنا، تساوي ثقلها باروداً” كما كتب يقول صاحب رواية “نجمة”. 

في كتابه الموسوم “يمينة مشاكرة، حوارات وقراءات”، الصادر عن منشورات الشهاب (الجزائر 2014 ) والتي ترجمت مقتطفات منه إلى اللغة العربية الشاعرة والمترجمة الجزائرية لميس سعيدي، يحاور الكاتب والإعلامي رشيد مختاري، الكاتبة يمينة مشاكرة، التي ستكشف تفاصيل لقائها مع صاحب رواية “نجمة”، يوم انتهت من انجاز مخطوط روايتها. هكذا نصحها بعض من أصدقائها بالتقرّب من كاتب ياسين، باعتباره الكاتب الوحيد الذي بإمكانه أن يفهمها: “كانت المرّة الأولى التي أسمع فيها باسم كاتب ياسين”. تقول يمينة مشاكرة، التي تضيف: “بعدها ببضعة أيام جاء لزيارتي في المدرسة الداخلية، واطّلع على مخطوط “المغارة المتفجِّرة”، قرأ باهتمام الصّفحة الأولى، أذكر أنّه كان يدخّن والرماد يتساقط على أوراق المخطوط، مخلّفا فوقها أثار حروق، أخذ قلماً وشرع في تدوين بعض الملاحظات، كان يقرأ دون أن تظهر على ملامحه أيّة ردّة فعل.  ثمّ قال: “بعد شهر سأعود لزيارتكِ”.  ثم تمضي  قائلة: ” كنتُ طالبة شابّة في كلّيّة الطبّ، وكان كاتب ياسين، يبلغ من العمر 43 سنة. كان رجلا وسيمًا جدّا غير أنّني لم أدرك ذلك حينها. سرح بأفكاره قليلا، خاصة أنّه كان قليل الكلام، ثمّ قال بحماس: “كتبتِ كتابًا جميلا جدًّا. ألم تسمعي بي من قبل؟”، “لا!” قلتُ. ثمّ أضاف مبتسما: “ستكونين علامة فارقة في جيلك”. ثمّ وقف، حيّاني وانصرف.

تتناول رواية “المغارة المتفجرة”، في ضوء التحليل النفسي لشخصياتها، الاضطرابات النفسية والتشوّهات الجسدية، التي تعرّض لها الجزائريون زمن الحرب. هكذا تقتفي أثر فتاة يتيمة الأبوين، التحقت بالثورة الجزائرية، على الحدود التونسية، كممرّضة تتكفل بعلاج جرحى الحرب. ستقيم داخل مغارة جبليّة، يستخدمها الثوّار كمستشفى ميداني، يسمح باستقبال الجرحى ومعطوبي الحرب. “بعثوني حيث تدقّ طبول الحرب بدون توقف، فتعلمت كيف أموت وكيف أحبّ الناس. وكيف لا أحبّ الناس وقد غمست أصابعي في دمائهم، ولملمت أمعاءهم، وتنشقت رائحتهم العفنة، وتلقيت آخر نفس لهم. كانت وجوه الجرحى الجانبية النحيلة، ترقص من شعلات الشموع، الموضوعة على حافات المغارة، فتتشكل على حجمها وتصير ضخمة جدًا”، تقول الممرضة بطلة الرواية. 

ستصغي لبوح الجرحى والمعطوبين، وتسجّل تفاصيل اعترافاتهم عبر توالي فصول الرواية. معتمدةً على الملاحظة وطرح الأسئلة. ستقع في حبّ أحد الثوّار الجرحى، ليتوّج حُبّهما بزواج باهت وسط عتمة المغارة، بلا بهرج أو احتفالات. وسرعان ما يتعرّض الموقع إلى قصف جوي مدمّر، لم يلبث أن تفقد زوجها، ويصاب طفلهما بتشوّه في رجليه ويفقد بصره، هكذا وأمام هول ما عاشته ستصاب بما يشبه الجنون.

ترسم البطلة الممرضة،عبر لوحات استردادية، ملامح تلك المعاناة، وتحرص على ربطها بأحداث تاريخية معيّنة، موزّعة على 24 لوحة ، تبدأ بلوحة أول نوفمبر 1955، تاريخ انطلاق الثورة الجزائرية، وتنتهي باستقلال الجزائر في 05 جويلية 1962. 

يرى الكاتب الجزائري الراحل مرزاق بقطاش، الذي كان يعرف يمينة مشاكرة حقّ المعرفة، أنها كانت قادرة على كتابة أشياء عديدة، لأنها كانت تعرف وضعية المرأة الجزائرية، وأنها “كانت تعاني ضغوطا نفسية، دفعتها إلى أن تركز جهودها كلها، على الحالة الانثربولوجية للإنسان الجزائري ليس من أجل فهمه فحسب، بل من أجل إيجاد حلول للمشاكل والعقد النفسية، التي ورثها من الاستعمار الفرنسي، والمتولّدة من الإرث التاريخي الثقيل في نطاق العلاقات بين الفرد والفرد، وبين الفرد والمجتمع كله”. 

رحلت يمينة مشاكرة عن عمر يناهز الـ64 سنة، في صمت، بعد معاناة طويلة مع المرض. لكنها ستسقط في سنواتها الأخيرة فريسة الاضطرابات النفسية وهي الطبيبة المتخصصة، داخل إحدى المصحّات النفسية في الجزائر العاصمة التي كانت تعالج فيها. ذلك أنها ستعيش أهوالاً أخرى، غير تلك التي كتبت عن تفاصيلها داخل المغارة أثناء الاستعمار الفرنسي. ستعيشها بعد استقلال بلدها، سنوات التسعينيات، بكل مآسيها. وسيحيل الغُبن والتهميش الذي تعرّضت له أثناء حياتها، دون أن تثري الساحة الأدبية بأعمال أدبية أخرى، اكتشف المهتمون بالأدب الجزائري المعاصر، متأخّرين، قيمتها التاريخية والجمالية. في بلدنا كتب ياسمينة خضرا يقول : “الموهبة لا تشعّ نورًا، بل تُحرق. لقد نسيها الجميع. هكذا عاشت يمينة مشاكرة في أواخر حياتها شاهدة على غرق سفينة، حاول أن يلوذ بها أصحاب الضمائر والمخلصين في هذا الوطن. اليوم تقبع يمينة جاثمة على ذاكرتنا المنكوبة”. 

أن يخصّ كاتب ياسين منجزها بمقدمة راقية في الثناء على العمل وتشجيعه، ليس بالأمر الهيّن، وليس بالأمر المُتاح من كاتب جزائري كبير، كان يعيش أوج شهرته الأدبية، ليس في الجزائر فحسب بل والعالم أيضا، بفضل عمله الروائي الكبير “نجمة”، علاوة على أعماله المسرحية ذائعة الصيت. وأن يتولى الفنان الجزائري الكبير محمد إسياخم أحد مؤسسي الفن التشكيلي المعاصر في الجزائر، رسم غلاف عملها “المغارة المتفجرة” ليس كذلك بالأمر الهيّن، وهو المعروف بإلمامه الشديد بالأدب الجزائري والعالمي وتذوّقه الشعر، وهو ما انعكس جليًا على اللوحات التي رسمها والتي حازت على شهرة عالمية. ثمة عنصر ثالث لم ينل للأسف أهميته، بل وتم تجاهله وحتى التعتيم عليه لسبب أو لآخر، يتعلق الأمر بالكاتبة التي تولت ترجمة العمل الذي صدر باللغة العربية سنة 1989، ويتعلق الأمر بالكاتبة اللبنانية عايدة أديب بامية، رغم أنها لم تكن غريبة على الوسط الأدبي الجزائري في سنوات الثمانينيات، كمدرّسة وككاتبة ومترجمة، فهي صاحبة الكِتاب المرجعي المهم “تطوّر الأدب القصصي في الجزائر 1925 و1967” عن ديوان المطبوعات الجامعية، إلاّ أنّ التجاهل غير المبرّر للمترجمة والكِتاب، وعدم إعادة طبعه، دفع إلى الاعتقاد أنّ الكِتاب لم يترجم إلى العربية، من هنا انطلقت أصوات تطالب بترجمة عمل يمينة مشاكرة، أو بالأحرى إعادة ترجمته، دون الإشارة عن عدم دراية أو عن سبق إصرار إلى الكاتبة اللبنانية، ولعل موقف التجاهل ذاته، وأحيانا حتى التحامل، تكرّر بمناسبة وغير مناسبة مع عدد من المترجمين العرب لأعمال جزائرية، مثل عبد الصبور شاهين مترجم أعمال مالك بن نبي، أو الكاتب السوري سامي الدروبي مترجم ثلاثية محمد ديب، أو ملكة أبيض مترجمة “نجمة” لكاتب ياسين، حتى وإن اقتصر هذه المرة على الإحاطة بمساوئ الترجمة والضرورة المُلحة لإعادة الترجمة. 

صدرت رواية “المغارة المتفجرة”، مترجمة إلى اللغة العربية عن المؤسسة الوطنية للكتاب سنة 1989، وهي من الحجم المتوسط، وتقع في 167 صفحة، وهي ترجمة جيّدة على العموم، بحيث حافظت على سِمات نص سردي يتقاطع في بلاغته مع الشعر، لا تحتاج في اعتقادي إلى إعادة ترجمة، تحتاج فقط إلى نفض الغبار عنها بعد نفاد طبعتها الأولى، ومن ثمّ إعادة طبعها من جديد؛ ليتسنّى للجيل الجديد الاطلاع على عمل أدبي رائع، والتعرف على كاتبة جزائرية كبيرة، عانت الأمرين: زمن الثورة وبعد الاستقلال، ولولا الظروف القاسية والصعبة لأنجزت كتبا عديدة، ولكانت واحدة من أبرز الكتّاب في الأدب الجزائري المعاصر.

بقلم الأستاذ بوداود عميّر