إلى روح الجواد

ألفنا عندما كنا صغار قطع الأوراق من كراريسنا قصد الرسم عليها أو صناعة مجسمات لطائرات وقوارب للعب بها في القسم، وكُنا حينها نقع في مشكلة وهي أنَّ الورقة المتصلة بتلك الممزقة لا تجد ما تستند عليه؛ فتصبح ضعيفة مهلهلة معرضة للانفصال عن الكراس في أي لحظة، هذا ما قد يعرضنا للعقاب من طرف الأولياء لو تم اكتشاف الأمر، ما يجعلنا مجبرين على تمزيقها لإخفاء أي أثر “للجريمة”؛ كذلك هو السند في الحياة تأخذه المشاغل؛ يأخذه أشخاص آخرون أو الموت أو الفقد..-أياً كان السبب- فإن ذلك يخلِقُ شعورا بالهشاشة والضعف ما يجعل الأمر كما لو أنك ضَيَعتَ الهدف وفقدت الشغف الذي يجعل حياتك ممكنة
تخيل حال من يُلازِمُهُ شعور الندم طوال حياته -أو كما يتوقع على الأقل-؛ ذلك الشعور الذي يجتاحه حال بزوغ الذكريات؛ عندما يقتحمه الفقد ويسطو على فراغ دواخله، شعورٌ كأنها دقة قلب خاطئة؛ خارج اللحن، كأنها خطوة في الفراغ ترميه إلى الهاوية..إنه الشغور..لأن داخله حينها لا فرق بين الشعور والشغور غير النقطة، عندما تضيع ساعات عمرك في طلب الصفح من ذلك المعلوم المجهول الذي لم تدفنه بل ما يزال يعيش مقبورا داخلك؛ وذلك القلب الذي لم ينبض وتلك العيون التي لم ترى سوى الظُلِم والظَلَام والتي لم تتخلى عنها الذاكرة طوال أربع سنوات، تلك الحياة المؤقتة التي وُعِد بها؛ ذلك الشعور الذي يشبه حب طفلة اتجاه دُميتها والتي ستتخلى عنها بمجرد حصولها على دمية جديدة، وكل تلك الأفكار والتي مهما طغت فإن للجوارح قناعاتها أيضا، وتلك الآمال والأحلام التي رُهِنَت على الجواد الخاسر، على جوادٍ لا ذنب له سوى أنه وصل إلى نهاية المضمار في السباق الخطأ؛ ليُجمِع الجلادون على نَحرِ الفائز؛ وينتهي الجواد كأطباق منوعة على مائدة حفلة بهيجة لا يَذكُرُه فيها سوى الإسطبل الشاغر.

بقلم الكاتب الصحفي محمد أمين عبوب /أبو نزار
أستاذ الإعلام والاتصال بالمعهد الوطني للتكوين العالي لإطارات الشباب – الجزائر