– دراسة أدبية :
الأدبية و الباحثة / نجلاء احمد حسن – مصر
لوحة تجريدية
للكاتب عبد السلام خليفة
الصادر عن دار الأمير بفرنسا
يطل لينا المبدع والكاتب عبد السلام خليفة بتحفته الأدبية الجديدة التي تظهر شغفه الشديد بحالته الفنية التشكيلية وانه رغم انشغاله بالكتابة لايمكنك الانفصال عنها وهو ما تظهره عتبة النص العنوان وهو لوحة تجريدية
مفهوم اللوحة هي سطح املس يرسم عليه الفنان مشروعة الفني ويجسد من خلال ادواته الفنية تجربته الانسانية متحركا بين الضوء والعتمة وبين الفراغ والكتلة من خلال الالوان
ولكن هل كانت لوحة المبدع عبد السلام خليفة ملساء هادئة ام انه قام بتطويعها وتحويلها إلى فراغ يمكنه ان يرسم بافكاره والفاظه ؟ بل ويجسد لنا تلك اللوحة التجريدية وتلك التجربة الشعورية راسما بالكلمات مجموعة من اللوحات تتجمع سويا عبر قرائتها لتلك النصوص النثرية إلى لوحة أكثر رحابة واكثر تفصيلا
والتجريد abstraction، هو عملية الفصل بين ما هو رئيسي مسيطرا ، وما هو ثانوي وهامشي عارض ومتغير. و التجريد عملية ، تساعد على الانتقال من المستوى الحسّي التراكمي، ومن التعامل مع خليط الخبرة، وتداخل عناصرها ومكوناتها حسّية، حركية، إدراكية، مشخّصة، مجرّدة، تنبع من الداخل الى العالم الخارجي ومن وإلى المستوى المعرفي النظري، القائم على إدراك ما هو مشترك بين أنواع الخبرة الانسانية، أي المستوى الذي يشتمل من حيث التكوين والبناء على مفاهيم ومبادئ وقواعد وقوانين ونظريات.
والتجريد بالمعنى الفلسفي يشير ويوجه الفكر إلى «الجانب الإدراكي، وهو ما حاول المبدع عبد السلام خليفة ان ينقلنا اليه عبر كلماته بغزِل الحالة الشعرية عقلياً ولتجسيد خصائص موضوعه الفلسفي ، عن أي موضوع آخر محللا عناصره من جوانبه ، وعزلها من مكوناتها الأساسية، وتحليلها من نواحيها المتعددة، واظهار صورتها الخالصة وهي تجربته الشعورية
نصوص نثرية لعبد السلام خليفة وهي الوان من طعوم الغربة بين ثنايا الزمن
ففي مقدمتها للنص لخص المبدع عبد السلام خليفة نظرته التجريدية فقد بداء بالعموم وهو رصيف الحياة واختياره لكلمة رصيف توحي بان التجربة قد تكون نظرة عامة نحو الشارع العام وهو الحياة بشكلها المطلق ، وحركة الأجساد المثقلة المنهكة والصابرة على تغيرات الزمن ما بين حرية تحلق أجنحة الحمام وحالة السلام ولكنها قد تكون مخادعة فلا فرحة تحركنا كاجنحة الحمام بل يجثم الحزن ويخون اللسان باحاديث الصمت الشارد
ويمدها عبد السلام خليفة بمفتاح الخلاص من كل تلك التعقيدات وهي ان تصبح الكتابة واقعا ملونة سعيدا يعيننا على الحياة الواقعية المثقلة
القصيدة الاولى سفر في القصيد السفر هو الاغتراب حتى وان كان للمتعة والاستخدام ويعود الى فكرة مسيطرة عبر النصوص وهي الحنين للوطن
تبدا التجربة الشعرية بنتيجة الفعل وهو الحفظ الذي لا يتاتى الا بجهد الاعادة والتكرار والتجربة والتعلم على مدار الزمن الذي هو أغلى القيم التي لا تعوض
وعلى رغم التجارب يظهر عنصر الزمن في ألفاظ المبدع عبد السلام خليفة مثل امان يداعبها الوقت ،ووعد بذمة الاجل … واستخدم الوان للعطور فاختار الاسود واختار الضوء مستترا في كلمة القمر فقط ليطعم من صبر القمر ومرار ه ليعيش الأمل
تلك حالة معقدة من الشكل التركيبي لاستخدام القمر بأنه صابرا مقيدا في مداراته الحركية حول الارض فلا فكاك من وظيفته ولا قدرة له للابتعاد فلا يمكنه ان يصبح نجما صغيرا ولا يستطيع أن يتحول شمسا حاكمة ولا يمكنه تبادل الأدوار مع معشوقته الارض هو يتلقى الامر ويشع نورا ليس من صنعه ،هو مرآة للاقدار .
في نص ومضة والومضة هي نقطة الضوء السريعة الكاشفة ثم تعاود الاختفاء ثم الظهور ،في هذه القصيد يتجدد المبدع خليفة ليصل بنا إلى السفر عبر الموسيقى التي تطير بمحبيها إلى آفاق الكون محلقة رغم تجاعيد الزمن عبر الألحان والمقاسات لاصنع خالة عالية من المتعة السمعية ،ململما اهات الذكريات الحيرى لتظهر لنا حالة التغير التي تصنعها صراعات الحياة النتغيرة .
وفي نص على حافتين ،تناقش صراع الصورة الذهنية وما هو بالواقع وهي حالة ناقشها كبار الشعراء لاستعادة الحنين للماضي وما هو كائن
نص الحصار ، الحلم والواقع وحصار الدهشة وفخ الايام المتغيرة
صيرورة متكررة وهي واقع الحياة اليوم هو ابن الامس وجد بعد غد
نص الشهيد ،لوحة الحان القدر ومثلثات الزمن بين الامس واليوم وغد والسفر بينهم في رحلات قدرية جعلت من الزمن الغريب شهيد بلا وطن .وفي نص الا انت الحنين الى البيئة الاولى واغاني الأمهات الشعبية، الحنين الحاضر لكل مفردات البيئة والتراث الذي يمثل الهوية ولكن ما قيمة كل ما حضر بلا روح الغائبين هي تلك الكريمة السخية التى تنتهي بغيابها الأشياء وان حضرت حضر كل الامنيات السعيدة
نص انتصر القصيدة مأوى المحبين ودارهم سنلتقي ولو بعد حين
من دلالات الزمن (الحين )الصمت زمن وحقبة وتظهر الحرية في القصيدة “فلا وقت للزمان حرر من خيالي ذكراك ولقن لفظ اسمي لذكراي “
مازال المبدع عبد السلام خليفة يتحرك في فكرة الزمن الذي قد يمنح اللقاء او يمنح العناق او الغياب ويختم ” حين علمونا منذ الولادة فقط طرق الوفاة “
نص الغريبان ،يبداها بالإفاقة التي تعقب الصحوة من الغفوة ناقش فكرة المراة التي استهوت الشعراء فكيف يرى نفسه غريبا يرسل اغاني قديمة من زمن قديم رغم وجوده في بعد الزمن الحالي شرود من الصورة الواقعية وصراع الصور بين ما هيتها بالعقل وبين واقع المرأة
تغير الزمن
وفي نصوص ( واقع) و(توأمان ) (اولى الاغنيات ) مازال الصراع مستمرا،توأمان اغتراب الشاعر وصورته تؤامان شريان في التجربة ،بفوهة اغنية ثملة الألحان تسوقها الامسيات لتبصر حذفها عن كثب حين يراقبها الحنين يزداد هذا الغروب غروبا
تلك مستهل القصيدة التي يمهد عبد السلام خليفة لفكرة الاغتراب من جديد فاولى الاغنيات يتلقاها الانسان في مستهل حياته بوطنه وبها تتبلور الأهواء والهوية قبل أن يصبح مغتربا عن هويته عن محيطه الذي ينتمي اليه ويجد نفسه غريبا يشارك على الغروب كشمس تبحث عن قمرها لتمنحه النور والأمل
تستوقفني كلمات عبد السلام واتسائل كيف تصبح النجمات وحيدات في ملكوت الأشياء الطويل ؛وعن من يانس في سمائهن واي قمر هذا الذي يفارق نجماته لتشعرن بالوحدة صورة فلسفية جديدة تنقلنا الى حالة العزلة والوحدة والفقد والحنين وحمى السهر
نصوص (من وحي الهزيمة )( لم اك)
كيف تصبح الهزيمة اختيارات سجل بطولة من رحم الهزيمة كلها صور تجسد فكر الوقت والزمن والتوقيت لتصنع تاريخ القصائد الجريحة فقد نجا من بعد الهزيمة باعجوبة بسؤال قل :هل حي انا؟؟؟ وهل وقتك السابق الذي يمثل تاريخك مازال حيا ام ماضيك فيك حقا مات
حيث يحكي بحالة الحزن العميقة التي تقتل فيك حتى التاريخ وهو احد اضلع الهوية اللغة والتاريخ والدين فايهم مات في مخيلة الشاعر
فإن ضاع التاريخ ومات اندثرت ثلث الهوية وان مات الدين هو ثلث اخر وان انتهت اللغة انتهت باقى الهوية فكيف يعيش الانسان بلا هوية فلا يدري من هو ومن أين أتى ولمن ينتمي جذوره … هو صراع الصبغة الجديدة التى لا ينتمي اليها وتجربه وبين ما يحمله من جينات بالفطرة والحلقة والميلاد
قضية المزامنة والموافقة بين المكان الذي تنكره كلمات القصيدة وبين الزمن الذي مازال يسرد خطواته بأنه موجودا ويشغل الزمكان حتى وان انكر عبد السلام وجوده منذ بداية القصيدة
من نص مذنبون “كم نحن مذنبون وسذج حين جعلنا للحب فقط يوما”
ليخلص مقاساتها فصلا
“مذنبين حتى الثمالة حين قدسنا حجرا ولم ندرس بتمعن في كتب الحقيقة
ان الهوية سيدة ليست ذكرا والأم وطنا ”
حقا صدقت فقد اصبت كبد الحقيقة وقلبها فلا تزال الهوية وستظل معاني الانسانية سيدة المعاني
***من نص انا بقصدتي و (ظل الحجر )
تساؤلات فلسفية يعيشها المبدع طوال الوقت يبحث عن مفردات سعيدة تدل على هويته الحقيقية التي يواجه بها العالم مابين الانتظار الذى يسطرها الحبر الاسود بين تجاويف الزمكان وبين تلك الحالة التي يرفضها طوال الوقت ضياع ونسيان وخذلان
وياس يحاصره على الارض
“كل منا بطل في قصته وجميلا ونذلا في قصة الاخر “
الفراغ حالة ياس بين الانسان وذاته هي احدى مفردات الاكتئاب رغم ارتباكات الأمل الضال ومن نص (ولادة من الخاصرة)
هي ولادة غير طبيعية نابعه من الاضطرار والألم فقط لتنجو بوليد جاء في مخاض صعب يملؤه الاضطرار وعدم الراحة والصراع الدائم فقط من أجل النجاة ومن نص مذكرات على ناصية الطريق
“تتداعي الذكريات تختلط الأصوات نحو الحنين”
“صدى جرس الارتباك”
من نصوص( اللاشيء )(اسم ومسمى )( لحن الأثر) (حروف متمردة)(شعوب الياسمين الحجر )
الوهم واحلام تحقيق المستحيل كلها اطلال التجويف الفارغ بلا اي شيء بلا اي عواطف حالة الحجر اليائس من المطر واليائس من النور
أفواه صامته مازالت تتحدث عن الحزن والفقدان
ومازال عبد السلام خليفة يسير في طريق الفراغ تسكنه أشباح تنال من قلبه المنكسر الذي يعاني من الغربة القاتلة والإمارات حتى عن نفسه وهويته المفقودة في انشودة تلفظ أنفاسها معاناة الحجر
ورغم كل تلك الحالة يتمرد الشاعر عبد السلام على عقد الايام وتيمة الزمن الظالم لحالته الشعورية اصبحت الأسماء بلا معاني متجردة من الروح،بلا صفة او حضور كلها تحجى حالة قسوة الحجر الصلد الذي مازال جاثما على قلبه المضطر للحياة
من نصوص (على قارعة العدم)( لم امت) (من دون بطل)
مازال اللاشيء الصاخب بلا هدوء مرتقب مصاحبا للسعادة عقارب الساعة المميتة بسم الايام،ولا حيلة للصبر في ليل قلب الحجر الذي بحمل الخيبة مصاحبا للحياة بلا هدف المعاناة بلا هدف لا معنى لها ولاطائل منها، فقط القهر وعدم الشعور بالحياة بمعانيها المبهجة السعيدة هي الجراح وكفى والمرار المجهول الاسود
في نص مصارعة الوقت مجهزة ولا طائل منها لا هي واضحة ولاهي سعيدة الوهم يحاصر الخطى ،وكما كان زاريف ملعونا بالجسد للصعود للجبل يحمل حجرا ،يصبح اليوم التالي ليعود نفس الجهد ونفس الثقل ونفس المعاناة هي صيرورة اللعنة اليومية جهد بلا نتيجة وحياة بلا هدف تحت وطأة الضغوط اليومية ميراث الاجداد المتكرر للحياة بلا معنى
هي فلسفة لماذا اتينا ولمن نبذل الجهد الجهيد فقط مضطرين للحياة اضطرارا وكانها لعنة ومحنة بلا اي منح بل صراخ النفس ومعاناة لا احد بفهمها ولا احد يسمعها كيوت داخلي يشترك به جميع الأحياء
للوصول الى حالة التحول الى الموت الحقيقة الوحيدة للبشر
فلاصوت يسمع رغم الضجيج ، ارتطام الذاكرة بالزمن حالة الصدمة متى مر الوقت واين النقطة الحقيقة فقط هو الموت، لا احد استطاع اعتزال عقارب الساعة كل شيء غامض
في نصوص (أربعون خريفا ووباء) (على ناصية المكان )( قطار الحياة ) (انا لست هنا )
حالة الزيف الاغتراب وصراع الحنين والشوق يحمله الزمن الاغتراب عن الواقع والحنين للبيئة الاولى
انا لست هنا تجسد رغبة المبدع في الهروب من عالم الزيف إلى وطن الضمير وفي نص قطار الحياة احد أدوات السفر ركوب القطار يختلف عن الطائرة فالراكب يستغرق وقتا للانتقال مستمتعا بلوحات نوافذ الرحلة وفرصة جديدة للتخليص عن الماضي وبداية فكر جديد ونظرة جديدة للتجول بين عيون البشر وقد كانت عيون تلك الفتاة احد نوافذ الحياة عبر رحلة القطار
يختتم عبد السلام مجموعته بنص قداحتي متاملا تلك القديمة التي تلازم جيبه بصحبة سجائر
التي يحرقها فتخرج زفيره دخانا لعل الراحة تاتيه بعد انخماد الحريق
ولكن هيهات
استطاع عبد السلام خليفة التجول بنا في تلك اللوحة الشعورية راسما لوحته التجريدية معبرا عن حالة الانسان المغترب دوما عبر قطار الزمن يحمل عروبته وعاداته العربية في مجتمع فرنسا الذي يظهر من طيات نصوصه شعوره بالغربة رغما واحساس الحنين دوما إلى تلك الأيام الاولى من حياته وتلك الاغنيات السعيدة التي كونت وجدانه
بحثت في نصوصه الشعرية من عن نصا يحمل عنوان المجموعة ولكني صدمت بان النص هو اللوحة وان العنوان هو لوحة تجريدية تحكي قصة الزمن
بقلم نجلاء أحمد حسن – مصر

