في التاسع من أغسطس من كل عام، لا تمر ذكرى وفاة محمود درويش -توفي 2008- دون تدوينات ومرثيات لا حصر لها من سلالة درويش الشعرية في مصر وغيرها من البلدان العربية.
السلالة التي أحبَّت بصدق، وتورَّطت بصورة ما في قصيدة درويش الآسِرَة ومعجمه الفريد، حتى ليُعاني المتورطون فيها من أعراض انسحاب حال رغبتهم في الخروج من عباءته الشعرية، ليُصغوا لصوتهم الخاص.

لعل أول سطر شعري قرأته لمحمود درويش كان يقول “وحبوب سنبلةٍ تجفُّ ستملأ الوادي سنابل” من قصيدته “عن إنسان”، فكيف دارت السنوات، وكم جرى في النهر من ماء، لينتهي المطاف بالرجل الذي بدأ رحلته مفعماً بالأمل، وهو يصرخ في ختام التجربة: “من أنا لأخيّبَ ظنَّ العدم؟!”.

بتفكيك القصائد عبر الطريقة التقليدية إلى أفكار وعواطف ومفردات، يتلبَّسُني يقينٌ أن اللغة هي البطل في تجربة محمود درويش، ولا أعني باللغةِ الجزالةَ والفصاحةَ، ولا حتى النبش في بطون القواميس واستيراد المفردات ذوات الجذور المتقاربة وتضفيرها كما في تجارب شعراء معاصرين كُثُر، أو بمعنى إحياء الميت من اللغة عبر ضَخّ الشعرية فيه، أو حتى بطولة اللغة اليومية (لغة الشارع) في النص التفعيلي الحديث عند رواد هذا الاتجاه، لكنها في ظني أبسط من ذلك كله.. هي بطولة المجاوَرَة بين اللفظين الأكثر مناسبةً لبعضهما، على وجه غير متوقَّع، لا تملك معه غير أن تفغَرَ فاك!

هذه هي بطولة اللغة عند درويش، والتي تتجلى -عندي- أشد التجلي في قصيدته “الحوار الأخير في باريس”، على سبيل المثال عندما يقول “ولكنهم أوقفونيَ في اللحظةِ.. الساجِدَةْ!”، أو “ذهبنا إلى بَرَدَى وسألناهُ: هل أنت نهرٌ أَم امرأةٌ زاهدةْ؟!”.

نعم، نجح محمود درويش في ابتكار قاموسه الشخصي، والذي راح يتطور بتطوّر مراحل ورؤى محمود الشعرية. كانت هذه الحساسية اللغوية الاستثنائية، والقدرة على انتقاء المفرَدَة بمهارة بستانيٍّ ينتقي الأزهار، هي جوهر الموهبة، وهي في اللحظة نفسها بوابة الهلاك!

لا توجد في حضارتنا العربية تجربة ثقافية أو فكرية حفرت في اللغة، وأنجزت معجمها الخاص المغاير، بقدر ما فعل ذلك شعراء الصوفية وفلاسفتهم، والذين اختمرت مواجيدهم ورؤاهم في الخلوات ابتداءً، وفي طقوس تأملية شديدة النأي عن صخب المجتمعات، ثم خرجوا إليها بفتوحاتهم، والأمثلة في هذا وفيرة، من الحسين الحلاج، للنفّري، لابن الفارض، لابن عربي… إلى آخر هذا الطابور الطويل.

أولئك هم سادة التجريب اللغوي من خلال تجاربهم الخاصة بكل منهم على حدة، ولك أن تُسَمّي هذا فتحاً أو موهبةً أو ما تحب، غير أن هذا لا يأتي بالدُّربة أو القصديَّة أبداً، ما لم تتوافر للشخص سماتٌ نفسيةٌ ومَلَكاتٌ خاصة تحفِّزه للتجريب الجمالي، أو لنقل يجب أن يتوافر للشخص نوع خاص من القلق الإبداعي/الفكري، يحثُّه دائماً على السير في براري اللغة وأحراشها، بحثاً عن اللسان المفقود.

هذا القلق ربما هو ما جعل محمود (الشاعر/العارف، فكل شاعرٍ عارفٌ بدرجةٍ ما، في رؤاه فضلاً عن طقس الكتابة) يتشبَّث بذيل جلباب قصيدته الأخيرة، ويعنونها “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، وكأنه يحيا (على قلقٍ) بشأن قصيدته التي لو استقر على صورةٍ نهائية لها فسيموت، حتى يتخذ القرار الحاسم بهَجْر الحياة قبل أن تهجره، مختاراً الموت الإكلينيكي، فيوصي بنزع أجهزة الإنعاش عنه إذا فشلت عملية القلب المفتوح الأخيرة ودخل في غيبوبة!

عاش محمود درويش حياةً قلقةً، وإن بدا في المجال العام أنيقاً يرتدي البذلات الراقية، ويسَرِّح شعره بطريقة أبطال السينما الرومانتيكيين، ويشرب النبيذ الفرنسي، ويسير على السجاجيد الحمراء، ويُحتفى به احتفاء رجال الدول.

رغم هذا كله، لا نكاد نعرف حياة اجتماعية مألوفة لدرويش، فلا زوجة ولا سلالة. كان صاحب قلقٍ لا يُلمَح إلا من طرفٍ خفيٍّ، وقلقه ناشئ من انحيازه -خارج القصيدة- للمادّيّ، على مستوى الأفكار والرغبات “صوفيةٌ مفرداتي .. وحسيَّةٌ رغباتي”، وأظن هذه الجملة في قصيدته “لاعب النرد” تصلح مفتاحًا لفهم تركيبته النفسية.
هل كان محمود بحاجةٍ لقسطٍ من الروحانية، كرموز شعراء الصوفية السابق ذكرهم، ليحجِّم قلقه الذي أهلكه؟!
أفكر في الأمر كثيراً، فيحتلّ تفكيري ربطٌ لازمٌ بين الحساسية اللغوية والإشباع الروحي، يقضي بحتمية التوازن بينهما للنجاة.
لعل الروحانية -لا أقصد طريقةً معينة في الدِّين- كانت لتُجدي نفعاً، وتطيل في عمر درويش قليلاً، أو على الأقل ليكون أكثر جسارةً على مواجهة غول “العدم”.

أوصي نفسي فأقول، على الكاتب -الكاتب الحقّ- أن يحظى بقسطٍ من الروحانية لينجوَ من فتنة اللغة، فتنة تجريبِهِ في روح اللغة، وتجريب اللغة في روحه.
إنَّ أفظع ما أكابده -كشخص يكتب الشعر- هو هاجس الوقوف يوماً على بوابة السّتّين من العمر كواحدٍ من ضحايا اللغة، كقربان على مذبَحِها، لم يصل إلى شيء.

فاللغة في استطاعتها، مع حظٍّ من الروحانية، أن تقود الخُطى إلى المُطْلَق بحقّ، كما هي الحال الأجلى مع محيي الدين بن عربي. وفي استطاعتها -أو قُلْ عادتها- مع الاستسلام للمادِّيّ، أن تُوقِعَ الخُطى في شَرَكِ العدم. وكم آسى على ضحايا نبلاء سقطوا -بفِعل اللغة في المقام الأول- في هذا الشَّرَك، وكان محمود الشاعر اللاعب بالنرد أبرزَهم.

وعلى هذا، فإمّا حصنٌ منيعٌ من إشراق الروح يكبح جماح اللغة فينا، ويُرشدنا في براريها المُوحِشَة، وإما أن ننجو بقدِّيسيّة آبائنا.. أولئك الخَلْق الطيبين البررة، رجالٌ لا يعرفون المعرّي ولا الحلّاج ولا آرثر رامبو.. لكنهم نجوا، وعايَنوا المطلق؛ بالعمل الدؤوب والضمير الخالص والمسؤولية الحقَّة.

محمود درويش .. واحدٌ من ضحايا اللغة!
نُشرت هذه المادة في منصة فلسطين الثقافية، أغسطس 2022.