بين “الموج والحشيش”… غرباء يحيكون أحلامهم بزوارق الموت ..
عن رواية الموج والحشيش للكاتبة حياة قاصدي
كل فرح خارج الوطن، هو فرح مبتور. كل ضحكة نرسمها على ملامحنا المرهقة في أرض لا تشدنا جذورها ولا تربطنا بها أكثر من علاقة عمل هي فرحة ناقصة يشوبها الكثير من الحزن، ورغم ذلك نتشبث بالأمل، أمل العودة إلى أرضنا الأم، لنقلب بمحراث الشوق بذور حب يحصده أبناؤنا حتى وإن ولدوا بعيدا عن أرض الوطن. وحده نجاحنا هناك يعيد لنا بعضا من كرامتنا التي مزقتها الغربة، ذلك النجاح الذي كلما حققناه شعرنا أننا ننتصر للوطن، وأننا نهديه ما أثمر فينا بعد محاولات وعناء
بين – الموج والحشيش .. حكايات تولد وأخرى تموت، بين موج يركب أهواله ومخاطره أبناء الوطن هربا من الموت إلى الموت، وبين يابسة جفّت فيها حشائش الحياة والأمل، هناك بديار الغربة، أو هنا بأرض الوطن الأم، واحد هو الألم؛ ألم الحرمان، ألم وطن جريح ينزف أبناءه، وعلى الضفة الأخرى أرض لا يعنيها أبدا وجع هذا الغريب، ولا حضارته، إنها فرنسا “مدينة الغرباء الذين يحاولون إخفاء إخفاقاتهم خارج أسوار وطن لم يجدوا فيه وطنهم بدل الوطن الضائع -ص46
رواية -الموج والحشيش للكاتبة -حياة قاصدي الصادرة عن دار الأمير سنة 2021، تغوص بنا داخل بحر يراقص غضبه زوارق “الحراڤة”، فاغرا فاه لقتل آخر ما فروا به من أحلام، أو تجذف بنا على يابسة يتصارع خيّروها مع أشرارها، لتقف أسرة “نور الدين” التي أورثت ابنيها سفيان ونعيمة الإخلاص في حب الوطن، نعيمة المتشبعة بثقافة بلدها الجزائر شامخة حتى وهي بأرض الغربة، اللبؤة التي لا تتردد في نهش كرامة كل من حاول طمس هويتها بقوله “الجزائر فرنسية”. نعيمة التي ولدت في الجزائر، فرحة دخولها المدرسي كانت بأرضها التي تعشقها وتتشبث بجذورها، بينما سفيان فتح عينيه على أرض غير أرض أجداده، ولد بفرنسا وتربى فيها لكنه كان يدرك أن الوطن الحقيقي ليس ذلك الذي يسجل ميلادنا وإنما الذي يسجل انتماءنا، كان سفيان يعلم يقينا -أن الوطن الحقيقي هو أرض الأجداد وليست الأرض التي ولدتَ فيها لوحدك، ولغتها ليست هي التي يتحدث بها أهلك وأدرك أنه مجبر على وضع نفسه في الموقع المناسب. أدرك أن هناك بداخله وطنا لا يمكن أن نستبدله رغم ابتعادنا عنه ولا يمكن لوطن آخر وجدنا أنفسنا فيه أن يغير الخريطة الحقيقية لتموقعنا النفسي والوجداني الطبيعي. لكنه يتعطش لأصدقائه الذين نبتت روحه معهم. لا متعة توجد مع رفيق لم تعرفه في سنوات الطفولة الأولى. -ص54
على النقيض كانت شخصية “كمال” الحاقدة على الجزائر تثير غضبنا وجنوننا كما فعلت مع نعيمة أيضا، يقول في إحدى مداخلاته: “إن فرنسا دولة حرة. كان الأجدر بالجزائريين أن لا يعلنوا العصيان ضدها، يا لهم من أغبياء، ما فائدة استقلالهم وقد أقاموا حربا لا قيمة لها، مات الملايين بدون فائدة، كان على الجزائر أن تظل فرنسية إلى الأبد -ص81
“كمال عِيفة” مَثَل للخائن الذي يُكن عداوة لوطنه وأهله ممجدا عدوه، جعلته الروائية ينحدر من عائلة باعت الوطن أيام الاستعمار – الحركى – واختارت فرنسا بديلا لوطنها الأم. أوردت الكاتبة هذا الصراع الحاد بين شخصيتين منتميتين لنفس الوطن، مختلفتين في الرؤيا والتوجه. جزائريان من بلد وأصل واحد الأول يذوب في حب الوطن ويذود عنه، يتنفسه كل لحظة ويعيش لأجله رغم البعد، مثلته شخصية “نعيمة” الوفية، والثاني يكره وطنه ويسخر علنا منه، بل يرفض حتى الانتماء إليه، مثّلته شخصية “كمال” الحاقدة ولعل الروائية أرادت أن تقول بأن الخطر لا يكون دائما من الغرب والأجانب وإنما يمكن أن يكون من الداخل أيضا، من أبناء البلد وضد مصلحة البلد وهذا العدو أخطر من الآخر، في إشارة منها إلى أن سلالة الحركى لا تزال موجودة، ومن صفق لفرنسا أيام الاستعمار وغدر بأبناء وطنه من المجاهدين والشهداء، لا يزال إلى اليوم يبدي لفرنسا الطاعة والولاء. في النهاية يظل خائنا حتى وإن منحته فرنسا الجنسية ومنحته حقوقه كفرنسي، غير أنها لن تأتمنه على بلدها، لأن الخائن يظل خائنا حتى في نظر سيده مهما كان له خادما مطيعا
حرصت الكاتبة “حياة قاصدي” على أن تزين روايتها بكل ما هو جزائري أصيل، إذ أثثتها بالتراث الجزائري ليكون حاضرا في المناسبات وفي غيرها، نحن ندرك حبنا لتراثنا كلما افتقدناه، بل إننا نزداد تشبثا به كلما شعرنا أننا صرنا غرباء في وطن يفتقد عبق ذلك التراث، فلا نملك إلا أن ننصاع إلى أوامر الحنين الذي يزيدنا تمسكا بتقاليدنا وتراثنا، ولا شك أن نعيمة واحدة منهم، “تتذوق كل الأنغام وتعشق كل الزغاريد، إنها فعلا نشوة عبق الشرق. لهذا الوطن مخزونه الجميل ولا يمكن لأحد أن يرى هذا الجمال على حقيقته إلا من حرم منه. سيشهد الشوق على هذا السحر و يجعل الروح تتقن الاكتشاف في أعلى مراتبه -ص55، إن كل فرحة خارج الوطن وبعيدا عن الأهل هي فرحة ناقصة. ورغم ذلك يحاول المغتربون في الرواية أن يحيوا تقاليد بلادهم حتى وهم بأرض غير أرضم
رواية “الموج والحشيش”، حكاية غرباء فرقتهم الجغرافيا وتشعبت مسالكهم… لكن….ظل يجمعهم حب الوطن.

بقلم د/ بهيليل فضيلة- الجزائر