جاك بيرك المفكر الفرنسي، الذي أحبّ الجزائر ومدينة فرندة مسقط رأسه
وتبرّع لها بآلاف الكتب والمخطوطات من مكتبته الثمينة
في 27 جوان 1995 رحل الباحث وعالم الاجتماع الفرنسي الشهير جاك بيرك، وهو الكاتب المتخصّص في الحضارة العربية الإسلامية. قبل وفاته، ترك وصيّةً، يهدي بموجبها جميع مخطوطاته وكُتبه التي ألّفها، وكذلك مكتبته الزاخرة بأمّهات الكتب، والمقدّرة بـحوالي ثلاثين ألف كتاب، إلى مسقط رأسه، مدينة فرندة في ولاية تيارت، المدينة التي وُلد وترعرع فيها. وقد حرصت أرملته جوليا بيرك، حرصًا شديدًا على تنفيذ وصيّته، التي كادت ألاّ تتحقق، نتيجة لعراقيل بيروقراطية. ثلاث سنوات بعد رحيله، تم تدشين مكتبة جاك بيرك بمدينة فرندة، بوصفها ملحقة تابعة للمكتبة الوطنية، صارت تضمّ آلاف الكتب القيّمة، مهداة من طرف صديق الجزائر- جاك بيرك
وُلد جاك بيرك، بتاريخ 4 جوان 1910، في مدينة فرندة، ولاية تيارت، شمال غرب الجزائر. تابع تعليمه الابتدائي والمتوسط في مدارسها، قبل أن يلتحق بجامعة الجزائر، لاستكمال دراسته، لينتقل بعد ذلك إلى جامعة السوربون بفرنسا، أين نال شهادة دكتوراه الدولة سنة 1955م. وقد عاش محتكًّا بين أهالي فرندة، ردحا من طفولته وصباه، تمكّن إثرها من تعلّم اللغة العربية، والتعرّف على الدين الإسلامي، والاطلاع عن قرب على عادات وتقاليد سكّان المدينة. فليس غريبا أن يكرّس كل اهتمامه العلمي، وإنتاجه الفكري، طيلة مسار حياته، في الدفاع عن الحضارة العربية الإسلامية، ومحاولة إضفاء صورة مشرقة لها، من خلال عشرات الكتب التي ألّفها، والتي تجاوزت الثلاثين كتابا، تناول في معظمها، قضايا واهتمامات العرب والمسلمين، في كافة المجالات الدينية، السياسية والاجتماعية
يُعتبر جاك بيرك، كاتبا غزير الإنتاج، من أبرز مؤلفاته: تحرير العالم، مصر والامبريالية والثورة، العرب بين الأمس والغد، الشرق الثاني، مذكرات الضفتين، إلى جانب ترجمته للقرآن الكريم. لم يكن يستسغ إطلاق صفة “المستشرق” عليه، حتى وهو يكرّس حياته العلمية كلها، في تصدّيه لهموم العرب والمسلمين، ماضيا
وحاضرا، كان يعتبر نفسه كاتبا فحسب، سمحت له الظروف أن يتعرّف عن قرب على المجتمعات العربية الإسلامية، ويتناول ثقافتها بمنظور إنساني، بواسطة تطبيق مناهج العلوم الإنسانية، بعيدا عن “شبهات” الاستشراق
زار مصر في الخمسينيات، وقضى فيها ما يربو عن ثلاث سنوات، بوصفه خبيرًا دوليًّا لصالح منظمة اليونسكو، وهناك توطّدت علاقته مع كثير من الكتّاب والمثقفين، من بينهم عميد الأدب العربي طه حسين، الذي أنجز عنه دراسة معمّقة، منوّها فيها بجرأته، وسداد رأيه، مشيدًا بتطابق الرأي بينهما، في نظرتهما، حول أهميّة مدّ جسور التعاون والحوار، بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. إضافة إلى استقباله من طرف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وانتخابه عضوًا مراسلاً في أكاديمية القاهرة، وقد هيّأت له فترة إقامته في مصر، تأليف مجموعة مُعتبرة من الكُتب من بينها : «التاريخ الاجتماعي لقرية مصرية في القرن العشرين»، و«مصر بين الإمبريالية والثورة». كما يسّرت له التعرّف أكثر على قضايا التحرّر العربي، وخاصة القضيتين الجزائرية والفلسطينية، أين صار يدعو علنًا، متجاوزًا تحفظ بقيّة المثقفين الفرنسيين، إلى منح الجزائر استقلالها، وتجلّت مناصرته أيضا، من خلال عديد المقالات التي كان يكتبها في كبريات الصّحف الفرنسية، أو أثناء مشاركته في تجمّع المثقفين بباريس، نهاية الخمسينيات، المندّد بالتعذيب والقمع الممارس على الجزائريين. ورغم ما حظي به جاك بيرك، من ترحيب في جلّ الدول العربية التي زارها، لم يتوانَ في التعبير عن خيبته، إزاء موقف بعض دوّل المغرب العربي، التي لم تتفهّم مواقفه المندّدة باعتقال واغتيال مجموعة من السياسيين المعارضين، على غرار ما حدث للرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلّة، والمناضل المغربي المهدي بن بركة
في السّنوات الأخيرة، التي سبقت رحيله، انكبّ جاك بيرك، على ترجمة القرآن الكريم، إلى اللغة الفرنسية، معتمدًا في تصدّيه للترجمة، على منهجية حديثة، في محاولته قراءة النصّ القرآني، وقد حمل الكتاب عنوان «إعادة قراءة القرآن الكريم». أثار غداة صدوره، بعد ترجمته إلى اللغة العربية، جدلاً واسعًا، واتهامات من مؤسسة الأزهر، التي أصدرت آنذاك، بيانًا شديد اللهجة، يقضي بعدم صلاحية الترجمة، بل وطالبت بحظر الكتاب من التداول؛ وهو الأمر الذي أثّر تأثيرًا شديدًا على نفسية جاك بيرك، وأصابه ما يشبه الإحباط. وفي هذا الصدد، يذكر صديقه سعيد اللاوندي، أثناء إقامته في باريس، أنه وجده شديد التأثر بالضجة الكبرى التي أحدثتها ترجمته للقرآن الكريم -آلمني كثيرا أن أرى شيخًا كحاله في الثمانين، يكاد يبكي، لم أجد شيئا أفعله سوى أن أستمع إليه، وهو يحدّثني بصوت جريح قائلا : إنني لم أزعم في يوم من الأيام، أنني أو غيري، قادر على ترجمة النص القرآني، وإنما قصارى أمري، أنّي اجتهدت في ترجمة معاني هذا الكتاب المجيد… وقد سلخت من عمري أكثر من عشرين سنة، في ترجمة معاني ومدلولات النصّ القرآني المقدّس، لأنني أؤمن أنه يشتمل على حكمة الأوّلين والآخرين، ومن حقّ شعوب الأرض أن تعرفها وتهتدي بها
ولعله كان ينوي بعد أن انتهى من ترجمة معاني القرآن الكريم، تكريس كل وقته لدراسة علم الحديث، من منظور عصري، كما صرّح: «أعتزم عمل دراسة، إذا أمهلني العمر، حول الأحاديث النبوية الشريفة، لإبراز ما تتضمنه من معان ومدلولات، خصوصًا، أنني أحبّ هذه الأحاديث، وأرى أنها تجمع إلى جانب الصّبغة الدينية، الصّبغة الإنسانية التي يجد فيها المسلم والمسيحي على السواء، المعاني الرفيعة، التي تغذي الرّوح وتسمو بالعقل والوجدان». غير أنّ الضجّة التي أحدثها كتابه «إعادة قراءة القرآن الكريم»، وما تعرّض له من نقد لاذع، حال دون مواصلته لمسعاه الفكري، في تقديم صورة مشرقة عن العرب والمسلمين، من خلال تثمين دورهم التاريخي، في بناء الحضارة الإنسانية
الإعلامي الجزائري سعدي بزيان، كان قد أجرى عدة لقاءات صحفية مع جاك بيرك، ونشرها في كتاب صدر مطلع الثمانينيات، ضمن سلسلة كتب أطلق عليه اسم “المكتبة الشعبية”. سأله: قلتم في أحد أحاديثكم أنكم أسّستم علاقتكم مع العالم العربي على الصراحة والإخلاص للهوية الفرنسية، وقلتم بهذا الصدد: أن هويتكم فرنسية، ولا بد أن تحترم هذه الهوية، وقلتم أيضا: أن أصدقاءكم الجزائريين قالوا لكم بهذا الصدد: “نحن في حاجة إلى أصدقاء ولسنا في حاجة إلى متواطئين، كيف تشعرون اليوم بهذه العلاقة مع العرب”؟ أجاب جاك بيرك: صحيح أنني لا أنتمي إلى المازوشية، التي تدافع عن الغير وتحارب الذات. فلست صديقا للعرب على أساس أنني معادي أو كاره للفرنسيين .. فهذا قيل في شأن أحد المفكرين الفرنسيين الكبار، ولا أذكر اسمه، بل أدعو لنفسي بالأصالة التي أدعو بها للعرب، والحقيقة يجب أن تقال، هو أنّ العرب ما طلبوا مني يوما سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أن أتنازل عن مقوّماتي، وعقائدي الشخصية، لإرضائهم وهذا في اعتقادي ما يجعل علاقتي مع العرب، علاقة طيبة وقائمة على أساس تفاهم الطرفين، وهذا هو شرط التعاون السليم
توفي جاك بيرك في 27 جوان 1995، للأسف تمرّ ذكراه في الجزائر، دون أي اهتمام يليق بقيمته ومقامه، وتعلقه ببلد عاش وترعرع بين أحضانه، ارتباط عميق تجسّد في توصيته بإهداء مكتبته الخاصة لمسقط رأسه، وأيضًا في مواقفه المناهضة للاستعمار. بمقابل ذلك، تحتفي دوّل عربية أخرى بمنجزاته. في مصر مثلاً، أين تقام ندوات وملتقيات عنه في ذكراه باستمرار، وفي المغرب تقام ملتقيات علمية، وتؤلف عنه كتبًا ودراسات جادة، كما تم إنشاء مركز للأبحاث باسمه يسمّى : مركز جاك بيرك للأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ويقع مقرّه في الرباط العاصمة المغربية
بقلم الأستاذ بوداود عميـّـر- الجزائر


