قضية خلافية في ميزان النقد




القصيدة العربية المعاصرة بين سلطة جذور، وتطور محسوب على تلاقح مع ثقافات أجنبية
قصيدة النثر الحداثية في الميزان
أَولاً- طرح إشكالية القضية

قصيدة النثر الحداثية هي قصيدة المرحلة، هي قصيدة الدهشة، قصيدة تكسير جدار صمت… وكل الجدران
هذه القصيدة الصدمة، هل تقطع كل الوشائج مع جذور القصيدة العربية في نسختها التقليدية قطيعة جذرية؟
هل تنفصل عن مسار تطور تاريخي مشهود للقصيدة العربية منذ نشأتها إلى اليوم؟
هل قصيدة النثر الحداثية ابنة غير شرعية من زواج غير مشروع مع قصيدة غربية؟
هل القصيدة النثرية الحداثية نغمة نشاز في سمفونية القصيدة العربية؟
وبالتالي، هل حد الشعر يقصي قصيدة النثر الحداثية من خندقه المحصن بأسوار جاهلية؟
تلكم هي التساؤلات التي تفرض نفسها اليوم، وإن كانت قد طرحت بشكل أو بآخر منذ مدة
وكل ادعاء بأن الشعر شعر، والنثر نثر، فهما يمان بينهما برزخ لا يبغيان هو قول مدعو لنقاش
والحجة بالحجة تدفع
ثانياً-أطروحة، وحجاج

قصيدة النثر الحداثية هي قصيدة المرحلة
إن كل ادعاء بأن قصيدة النثر الحداثية تقف موقف النقيض الجذري للقصيدة العربية، من باب توهم صراع بين نموذجين من نماذج الشعر العربي، هو في أصله ادعاء هروبي، يضع العربة أمام الحصان للتشويش المقصود على الطرح الحقيقي للقضية
وإن كل ادعاء بأن قصيدة النثر الحداثية تفتقد الشرعية البيئية، بادعاء أنها منجز غربي مستورد، هو ادعاء باطل يقع خارج دائرة تطور حتمي تفرضه قوانين التلاقح الحضاري بين الأمم والشعوب والثقافات، وهذا ما يشهد التاريخ بحدوثه منذ عصور
وإن ادعاء أن قصيدة النثر الحداثية العربية المعاصرة هي مجرد موجة عابرة في الزمان والمكان سيخبو لمعانها مع الوقت، هو مجرد تخمين هارب من واقع شاخص
بناء عليه،
نحن نقول بأن الشعر العربي كائن حي يتطور
تطور الشعر العربي في صورته / القصيدة لم يعرف السكونية والجمود والتحجر إلا في أذهان بعض منزلقين مع وهم اختزال الشعر في وزن وقافية وروي… لا يتحرر من قضبان قفص عروض خليلي ناسَبَ قولاً من الشعر في زمانه، وقعّد موازينه الإيقاعية من المنجز الشعري المتوفر آنذاك
القصيدة العربية مضمون وشكل، معنى ولفظ… على حد قول قدماء نقادهم
وما استقرت في ذاك وذاك على حال في زمان.
مضموناً، تطورت مضامين / موضوعات / تيمات قصيد عربي عبر التاريخ
اندثرت عديد أغراض جاهلية، وانحسرت موضوعات أموية وعباسية… وبرزت توجهات رومانسية وواقعية…
شكلاً، ما جمد قصيد في قفص من حديد
تكسرت بنية ثلاثية أغراض، تضاءلت شحنةُ بيتية، وحلت وحدة موضوعية، ووحدة عضوية
وما المعجم الشعري في ذاك غائب،
المعجم وعاء حامل لمضامين… وما ظل، وليس من المقبول أن يظل مطلاً علينا بغريب لفظ وميته من عصور وقوف على أطلال في زمن عولمة — مهما كان موقفنا منها — ووقوف على تقنيات رقمية
وما الصورة الشعرية البيانية من تشبيه ومجاز واستعارة — وهي الوسيط المعبر عن دلالة منزاحة عن مقتضى ظاهر — بغافلين عن تطوراتها.
نامت الصورة في خدرها معززة مكرمة، وحفلت ساحات قصيد برمز وأسطورة وانزياحات وتكثيف وغموض دلالي، وبنيات إيقاع جديد.د
ومن الإيقاع كان تكسير رتابة قفص خارجي، وانفجر بركان إيقاع داخلي.د
خلاصة القول،
من جذور تاريخ قصيد عربي تنتقل بنيات، وتنهار بنيات، بين ثابت ومتحول.د
والتاريخ حتمية
أما القول بأن قصيدة النثر الحداثية مولود غير شرعي، فهو مردود دون عناء بحجة واحدة… هل عاشت العرب مقطوعة عن تواصل مع حضارات مجاورة وبعيدة؟
كيف ينكرون على نوع شعري أن يعبر الحدود مسافراً من مضانه إلى تربة أخرى وطّنته وعبرت به عن كل همومها الذاتية والموضوعية في زمن خيبة وانكسار وسحق.د
لقد تجذر وأعطى أكله عربياً خالصاً، حاملاً هموم إنسان عربي مقهور… الآن وهنا، وبجماليات تعبير حداثية
وللطرح امتدادات

عبد الرحمن بوطيب- المغرب