قراءة سريعة في رواية
“عباس” للروائي سليم عبادو

بعد روايته الأولى “الكناس” ينشر سليم عبادو رواية ثانية تحمل عنوان “عباس”، و إن كان النص الأول قد تناول موضوعا اجتماعيا، فإن النص الثاني يتعرض لموضوع تاريخي من خلال التطرق إلى سيرة أحد أبطال الثورة التحريرية، وهو الشهيد “عباس لغرور” قائد المنطقة الشرقية أثناء ثورة التحرير و أحد مفجريها في منطقة الأوراس الشامخة. والروائي بهذا النص قد خاض مغامرة الجمع بين التاريخ و الكتابة الأدبية، و هو موضوع يثير الجدل كثيرا في الجزائر و في بلدان أخرى كذلك، لكون التمييز بين المجالين، أي التاريخ و الادب، ليس بسيطا، لأنه يطرح مسألة الواقع الحقيقي كما تمت روايته من قبل المؤرخين و الشهود التي عاصروا تلك المرحلة التاريخية و عايشوا الشخصيات الفاعلة في تلك الأحداث، و بسبب أيضا أن طابع التقديس يلاحق الكثير من الشخصيات التاريخية، ولعل الخروج عن ذلك بذكر بعض المواقف أو الممارسات التي قد تبدو مسيئة لهذه الشخصيات، مع أنه من الناحية الموضوعية، كل شخصية لها وعليها، هي قوية في الكثير من المواقف و ضعيفة أحيانا، لأن الشخصية التاريخية هي قبل كل شيء هي إنسان يخطئ و يصيب، يقوى و يضعف. و يبدو أن هذا النص قد لا يثير الجدل من هذه الناحية، لأن صاحبه تعامل مع البنية الدرامية لنصه بذكاء، لم يتوقف كثيرا عند نقاط ضعف الشهيد “عباس لغرور” فقد ضع الجوانب النيرة و الإيجابية لهذه الشخصية في المقدمة و قدمها بلغة بسيطة و واضحة دون تزويق أدبي أو تنميق لغوي، أو تلاعب فني كبير. و ضمن هذا السياق، أي ضمن تقديم صورة المجاهدين المقاومين، قام الروائي بتصوير الشخصية في أقوى مواقفها بالتركيز كثيرا على المعارك و القتال العسكري في مواجهة أفراد الجيش الفرنسي، و هو بهذا تجاوز فخ الجوانب الذاتية للمقاوم التي قد تجعله يبتعد عن الهدف من كتابةل هذا النص ألا و هو التذكير بمناقب الرجل و جعل القراء و بخاصة منهم الشباب الذين لا يعرفون الكثير عن رجال ثورة نوفمبر، يتعرفون عليهم ويعتزون بهم و بمواقفهم النبيلة و تضحياتهم الجسيمة، فعلوا ذلك و قدموا العزيز و النفيس لكي ينعم البقية، ممن بقيوا على قيد الحياة، بالكرامة و الحرية في ظل استقلال وطني غالي و نفيس. تبدأ الرواية بالنهاية، أي وجود “عباس” و رفيق سلاحه “تيجاني” بالعاصمة التونسية، حيث يقضيان أياما للراحة و للاطمئنان، بعد عدة معارك ضارية و صعبة تكبدا فيها الكثير من الخسائر و بخاصة المعركة الأخيرة “معركة الجرف الكبرى” التي أعدت لها القوات الفرنسية الأسلحة المتطورة و الفتاكة، و جندت لها الآلاف من عساكرها، و أحكمت الحصار الشديد على المجاهدين المقاومين للآلة الجهنمية التي توفرت للجيش الاستعماري، فما كان من “عباس” و من رفاقه ممن نجوا بانفسهم سوى البحث عن الخلاص من هذه الأجواء المرعبة، لكن قبل ذلك فقد كبدوا العدو الخسائر تلو الخسائر في العدة و العتاد و في الأرواح، في أكثر من معركة. يعود بنا الروائي-قبل ذلك- إلى طفولة “عباس” و التحاقه بالتعليم و الدراسة و بالعمل، لكن في كل مرة كان بصطدم مع الفرنسيين الذين حاولوا اذلاله و جعله من العبيد الذين يخضعون لهم في جميع المواقف و حسب رغباتهم و إرادتهم، كان “عباس” منذ صغره قوي الشخصية، متمرد و عنيد لا يرضى بأنصاف الحلول، و هي الجوانب الذاتية التي دفعته إلى الانخراط في النضال السياسي بتوزيع المناشير السياسية التي كان يطبعها أعضاء الحزب الوطني المطالب بالاستقلال في البداية، ثم بالمشاركة في المسيرات فيتعرض للاعتقال و للسؤال، إلى أن دقت ساعة الكفاح المسلح، فيشارك في هذا العمل البطولي، بكل عنفوان و صدق، بعد تدريب قاس جعل منه قائدا لثلة من المجاهدين المقاومين، فابلى بلاء حسنا. و يبقى أن الروائي عرف كيف يبني نصه، و بخاصة في تصويره للمعارك و لفضاءاتها الشاهدة على ضراوة القتال، مع أنه ركز فقط على هذه الشخصية التاريخية، دون الإشارة الى شخصيات أخرى في الحركة الوطنية الواسعة و مواقفها من العمل المسلح، واكتفى بالإشارة فقط إلى بعض الشخصيات التاريخية مثل “الزعيم” الذي قاد الحركة السياسية في البدايات. ويمكن القول أن سليم عبادو من الأقلام الواعدة التي يجب متابعتها و الاهتمام بما تكتب.


قراءة للباحث والنّاقد والمترجم الأستاذ الفاضل
محمّد داود من جامعة وهران – الجزائر