تذكّره روائي فرنسي بعد أن نسيه الجميع
بقلم الكاتب والمترجم: بوداود عمير / الجزائر
ساورت الكاتب الفرنسي فابريس كولان، فكرة روايته ” سراب الوافي” Le mirage El Ouafi الصادرة عن دار “أناموزا” الفرنسية سنة 2019، عندما قرأ مصادفة، ورقة تذكارية قصيرة، نشرتها جريدة “ليكيب” الصحيفة الرياضية الفرنسية، عن الرياضي الجزائري الأصل أحمد بوڨرة الوافي، الفائز بميدالية ذهبية في أولمبياد أمستردام سنة 1928؛ تفاجأ أنه لم يسمع بهذا الاسم من قبل، رغم أنه أنقذ الوفد الرياضي الفرنسي آنذاك من فشل ذريع، ومن عودة مخيّبة للديار الفرنسية، لولا الميدالية الذهبية الوحيدة التي أحرزها الوافي، لصالح الفريق الفرنسي في أولمبياد أمستردام، أمام دهشة الجميع، هؤلاء الذين لم يكن أحد فيهم يراهن على فوزه؛ وكانت تلك الميدالية الأولى في التاريخ، لبطل ينحدر من أصول افريقية وعربية في الاولمبياد.
هكذا عثر الكاتب الفرنسي فابريس كولان، على مادة مثيرة وجديرة بالبحث، مليئة بالأسرار، كما قال؛ بعد أن قضى فترة طويلة، في البحث والتنقيب في الأرشيف عن مسار هذا البطل الاولمبي الكبير؛ وقد أثارت الرواية التي تقع في 184 صفحة، غداة صدورها في فرنسا، اهتماما لافتا في الوسط الأدبي والإعلامي. وقد صرح كاتب الرواية، أنه زار منزله والأماكن التي كان يرتادها البطل في فرنسا؛ كما زار كل من الجزائر وهولندا، في محاولة كشف أسرار هذا الشاب الفقير، صاحب الجسم النحيف، والقادم من أولاد جلال ولاية بسكرة، مهاجرًا إلى فرنسا بحثا عن لقمة العيش؛ أين اشتغل عاملا مهنيا بسيطا في شركة السيارات الفرنسية رونو، رفقة العديد من المهاجرين من أبناء بلده.
المثير للدهشة أن الوافي تمكن من افتكاك الميدالية الذهبية في سباق الماراتون، في أكبر تجمع رياضي دولي، دون تحضير بدني، ودون مرافقة أو تدريبات خاصة، وليس له دراية ببروتوكولات الفوز؛ يذكر الروائي مثلاً، أنه مباشرة بعد فوزه في السباق، توجّه رأسا إلى غرفة تبديل الملابس، بينما في تلك الأثناء، كان العداء الشيلي صاحب المرتبة الثانية يقوم بجولة شرفية حول الملعب، رافعا علم بلاده، وكأنه الفائز. “وبينما استقبل العداء الشيلي من طرف رئيس بلده، الذي أهداه سيارة نظير تتويجه بالمرتبة الثانية” يقول الوافي في حسرة: “لم يكترث أحد بي”.
ولد أحمد بوڨرة الوافي بأولاد جلال ولاية بسكرة، في 15 أكتوبر 1898، وتوفي في 18 أكتوبر 1959 بسان دينيس في فرنسا؛ وقد سبق له التتويج بطلا لفرنسا في رياضة الماراتون سنتي 1924 و1928، كما احتلّ المرتبة السابعة في اولمبياد فرنسا سنة 1924، قبل أن يتوّج بطلا عالميا في اولمبياد هولندا أربع سنوات بعد ذلك. لكن رغم هذه النتيجة التاريخية المبهرة، ولأنّ الزمن زمن الاستعمار، لم يحظ بأي تكريم أو اهتمام، بل عاش فقيرا، ومات مقتولا في مقهى صغير كان يملكه في فرنسا، في جريمة تضاربت أسبابها وبقيت مجهولة؛ فلا فرنسا اهتمت به لأنه جزائري، ولا الجزائر اهتمت به لأنه فاز تحت الراية الفرنسية، هكذا عاش ضحية للتاريخ !أو كما قال الروائي الفرنسي، صاحب هذا العمل المشوّق: “أصبح الوافي رمزا للرياضي المنسي من التاريخ”.
حاول الروائي الفرنسي ملء فراغات التاريخ، باختياره الرواية نمطا للكتابة، ما لم يعثر عليه مدوّنا في الوثائق والأرشيف في سيرة هذا البطل الرياضي، عالجه بمخياله بعض تفاصيله مع حرصه على توافق ذلك مع سيرورة الزمن والأحداث “أن تقرأ هذه السيرة الروائية، تعرف أن القدر يشبه أحيانا سباقا طويلا على مراحل، هكذا هي الحياة عبارة عن ماراتون”؛ يكتب ناقد فرنسي في صحيفة “لوموند”، قرأ الرواية وأعجبته.
رواية ” سراب الوافي” للكاتب الفرنسي فابريس كولان، رواية مشوّقة، جديرة حقا بالقراءة، وتستحق الترجمة إلى اللغة العربية، لأنها لم تكتف بالتطرق للمسار الرياضي لهذا البطل الاولمبي الجزائري الأصل، وظروف حياته القاسية قبل وبعد التتويج العالمي، بل تجاوزت ذلك لملامسة مصير شخصيات مهمة بين الضفتين، صنعوا مسارا مختلفا في التاريخ والثقافة والحياة، لكنهم وقعوا رهينة وضع سائد زمن الاستعمار، ونسيّهم التاريخ أو يكاد.

