ترجمه إلى اللّغة العربية: سليم عبادو / الجزائر
مسرحية “الزّيتونة” هي إحدى مسرحيتين كتبهما الشّاعر والكاتب المسرحي محمّد بودية في زنزانته وهو في سجن “فران” قرب باريس ما بين عام 1958 وعام 1961، بغية إضفاء حركة ثقافية ونشاط في حياة السّجناء الذين كان أغلبهم من شمال أفريقيا، وقد ساهمت هذه المسرحية في تعميق الوعي وفي انخراط الكثيرين منهم في القضية الوطنية للجزائر، التي كانت تئنّ تحت وطأة الاستعمار الفرنسي. وقد تحصّل هذا النّص على موافقة جبهة التّحرير الوطني من أجل نشره بسبب محتواه الهادف والدّاعم للثّورة، فتمّ ذلك ولأوّل مرّة وبلغته الأصلية –الفرنسية- من طرف النّاشر السويدي “فريدي نيل آندرسون” الذي كان يملك دار نشر في لوزان بسويسرا، قبل أن يتمّ طرده منها سنة 1966 بسبب نشره لعدّة كتابات مساندة للثّورة التّحريرية بالجزائر في الأساس، ثمّ للثّورة الفيتنامية وفتحه مجال النّشر بأوروبا للأفكار الشيوعية ومنها أفكار “ماو تسي تونغ” حيث كان “نيل آندرسون” أوّل من نشرها بالفرنسية. وقد ظهر نصّ مسرحية الزيتونة مرّة أخرى وبلغته الأصلية أيضا –الفرنسية- في الكتاب الموسوم: محمّد بودية –أعمال، كتابات سياسية، مسرح، شعر، وقصص قصيرة- الذي أصدرته مجموعة من الكتّاب -أصدقاء الشّهيد محمّد بودية بالإضافة إلى ابنه رشيد- عن “منشورات الصّباحات الأولى لنوفمبر “، وتُعتبر هذه أوّل ترجمة تُنشَر لمقطع مهمّ من مسرحية “الزّيتونة” باللّغة العربية:
“الشّخصيات: عيسى ستَّ عشرة سنة، زينب ثلاث عشرة سنة، سي قدّور خمسون سنة، المُحارب ثلاثون سنة.
قبل رفع الستار، نسمع أصوات قنابل، رشّاشات، منازلٍ تُدمَّر، كلّ ما يوحي بقصفٍ. يتبع ذلك صمتٌ، ثمّ صوت مُميتٌ لطائرة تُطلق رسالة حربٍ مقتضبة: هنا السّنونو.. هنا السّنونو.. ساحل سبعة-اثنين-اثنين تمّ تدميره.. انتهت المهمّة. صمتٌ آخر ثمّ يُرفَع الستار على ديكور كابوس: كوخٌ بدون سقف، الجدران أغلبها مُدمّرٌ، صخور وأكوامٌ من التُّراب في المُحيط، وعلى الجانب زيتونة مُتفحِّمة، أشياء مختلفة منثورة في كلّ المكان، يبدو أنّ قوّة الانفجارات قد أتت بها.
عيسى، ولدٌ ذو ستّ عشرة سنة، قويّ البنية، يرتدي عباءة قديمة وبنطلونًا مُمزّقًا، يُغادر الكوخ الذي كان يختبئ به، ووجهه مُلطّخٌ بالدّماء وبالقُشور الجافّة، يفحص السّماء بخوفٍ ويبحث بنظره في كلّ ما حوله.
-عيسى: لقد مات الجميع، كلّ منازل القرية خانت قدَرها وأصبحت قبورًا. لم يعد هناك أشجار، ولا أعشاب، ولا خِرفان، ولا ماعِز، ولا كِلاب، ولا أطفال ولا شيُوخ.. فقط خلاءٌ من صخور وأطلال! خلاءٌ لا يُمكن لشيء أن يجعله دافئ.. لقد جاء رجال حربِ العصابات منذ أيّامٍ إلى هنا، فجلبوا معهم الحياة، أسلحتهم لم تكن تبدو مُخيفةً بل كانت أشكالا للأمل. كانوا يُخبّئون في أكياسهم السّعادة المُستقبلية. الجميع يُحيّيهم، البعض بالضّحكات وآخرون بالدّموع، وآخرون بالأيدي المُعبّأة بالخبز، وكان لكلّ هذا نفس المصدر. لقد جعلونا لا نرى سوى الأشياء الجديدة! أصغرهم سنًّا علّمني كيف يولَد النّور، ولماذا هناك الكسوف. استعجله حبّه لنا على الرّحيل هو ورفاقه قبل أن أتمكّن من مطالبته بالمزيد. المزيد.. رغم أنّه أعطى كلّ شيء. أخذهم الجبل من جديد، وستتذكّر القرية إلى الأبد ابتساماتهم المملوءة بالألوان.
عندما اختفوا.. بعد أسبوع.. ظهر الآخرون في السّماء بصوتِ الرّعد، مُخيفٌ أكثر من الرّعد الحقيقي. كلماتهم من الحديد تنفجر فوق هذه الأرض البريئة، تُحطِّم الصدور وتقطع رؤوس الأطفال، وتجعل الصّخر يصرخ. إيقاع الرّصاص الكئيب يجزّ الهاربين أسفل التّلال، ويرمي بالجثث الدّامية في الجدول الذي أصبح فجأةً محفوفًا بشظايا الفخّار.
صرخة طويلة تأتي من خلفِ الكواليس، بين صُراخِ الدّواب وصُراخِ البشر..
ينظر عيسى بتمعّنٍ اتّجاه المكان الذي تأتي منه، تدخل زينب ذات الثلاث عشرة سنة، مُنهكةٌ، العينان يملؤهما الرُّعب، فستانُها من القطن المُزركش مُتّسخٌ ومُمزَّقٌ، شعرُها مُبعثرٌ، وممسوكٌ بقطعة قُماشٍ –مَحرُمة-، مِرفقاها، ركبتاها وقدماها العاريتان تنزفان، وعند رؤية عيسى تُصدِر صرخةً أخرى ثمّ تُحاول الهرب. لكنّه يُمسِك بها.
عيسى: زينب، أنتِ على قيد الحياة! أين كنتِ؟
تنظر إليه وهي مرعوبة
لا تخشيْ شيئًا، أنا عيسى، هل تتذكّرينني؟ الذي يعزف على المِزمار على قمّة الصّخرة هناك، عندما تضع النّساء الأطفال الصّغار في الفراش وقت النّوم، وعندما يجتمع الرّجال في مكان مُنعشٍ لِيتحدّثوا عن الذين صعدوا إلى الجبال من أجل قِتال فرنسا..
هل يُخيفكِ هذا الدّم الذي جفّ على وجهي؟ لم أستطِع تنظيفه، ولا أظنّ أنّه سيختفي الآن، ولا أريد أن أُزيله..
كم أردتُ أن أتحصّل على الماء من أجل غسل جراحِكِ، لكنّ البئر مسدودةٌ والجدول مملوءٌ بالجثث، أنا خائفٌ وأنتِ؟.. لا تُريدين على ما أظنّ أن أتكلّم في الأمر..
بينما هما كذلك، يلوح ظلُّ طائرٍ كبير على مكان العرض، تصرخ زينب وترتمي وتتمرّغ على الأرض.
يقول لها عيسى: لا تخافي، إنّه مُجرّد طائر، كبير لكنّه من لحم، ولا يُسقِط الموت على الرؤوس، وهي تُصيبه، مثلنا تمامًا.
يُساعدها عيسى على النّهوض، ثمّ يجلسان جنبًا إلى جنب، ويضع عيسى يده على كتِفها في إشارة إلى حمايتها.
يظهر سي قدّور –رجلٌ تعدّى الخمسين من عمره، يضع شاربًا ولحيةً، يرتدي بنطلونًا عسكريًّا مُمزّقًا وسُترة مُتّسخة
-سي قدّور: ماذا تفعلون هنا؟ مَن الذي سمح لكم بالتّواجد على حدود ملكيتي؟
-عيسى: أنتَ أيضًا نجوتَ؟
-سي قدّور: نجوتُ؟ نجوتُ من ماذا؟ انظُر إلى كوخي: حفرةٌ دون حياة كباقي الحُفر، لقد كان يأويني إلى وقتٍ قريب. لكنّ ذلك ليس مُبرّرًا لِتظنّ أنّني ميّتٌ وتأتي لتستقرّ أمامه..
-عيسى: القصف هو مَن أتى بنا، قوّة الانفجارات رمت بنا إلى هنا. وصحيح أنّي ظننتُ أنّنا ناجيان اثنان فقط، وتساءلتُ ما الذي يُمكنني فعله مع بنت الجيران الجريحة والمصدومة.. فهي لا تستطيع التّفكير، لكن أنا وأنتَ نستطيع..
-سي قدّور: التّفكير؟ في ماذا؟ ألا تفهم بأنّ كوخي الآن هو هذه الكومة من الحجارة؟ بدون سقف، وأنّ نفس النسغ كان يجري فِيَّ أنا وهذا الجذع، بالأمس على قيد الحياة، واليوم فحم؟ يُفكّر المرء فيما يملكه، في مشاكله، وأنا لم أعُد كذلك.. هل تستطيع أن تقول لي لماذا؟ أنا لم يكن لديّ أعداء لأعرف من أين أتى هذا، ولكنّي تمنّيتُ دومًا السّعادة للجيران، وأخرجتُ الزّكاة يوم عاشوراء، وفي العيد ضحّيتُ بالكبش البريء.. لماذا إذًا يحصل لي هذا
-عيسى: لا أستطيع شرح ذلك، أظنّ بكلّ بساطة بأنّ كوخَك كان في المكان الذي سقطت فيه قنبلة..
-سي قدّور: لماذا؟ لأنّنا مُخطئون، أتظنّ بأنّنا نستطيع أن نقتلع شجرة بسِكّين جيب؟ نُسقِط طائرة بِعصا؟ هذا ما نُحاول نحنُ فِعله. انتصار داود على جالوت كان حادثًا، أو مُعجِزةً أرادتها الآلهة، لا ينجح ذلك على مرّتين، خاصّة في زماننا هذا.
– سي قدّور: بعد السّماء، سيأتون عن طريق البرّ، سيقتلوننا..
-عيسى: اصمُت، وتعال معنا لنختبئ خلف جدار الكوخ
-سي قدّور: عليكَ باحترام الموتى
-عيسى: تعال أو سأجرّك إلى هناك
سي قدّور يمشي وعينيه على الأرض، كأنّه يخشى رؤية جدران كوخه المُنهار، يُساعد عيسى زينب على الوقوف ويختبئ ثلاثتهم في الكوخ. بعد وقتٍ قصير يدخل رجل بلباسٍ حربيّ، يبدو مرهقًا جدًّا، يحمِل سلاحًا بيده، إنّه مُقاتلٌ بجيش التّحرير الوطني.
-المُقاتل: آه، ليس هناك أحد، سأستريح قليلا، جُرحي يُؤلمني وأخشى أن يتعفّن. لقد رأيتُهم من بعيد وهم يُدمّرون هذه القرية، الطائرات تنقضُّ عليهم ثمّ تختفي من مجال رؤيتي لتظهر من جديد كأنّ شخصًا دفعها من الأرض، أصوات الـتّفجيرات كانت تصلني واضحة، أشكّ في أنّه هناك أشخاصٌ هنا، إمّا أنّ الجميع هرب، أو أنّهم قُتِلوا عن آخرهم. رأيتُ سابقًا قصف “مشاتي” لكنّ هذه محظوظة فقد بقيت بعض الجدران فيها قائمةً، ستكون مُفيدة لتُبيّن أمكنة ما تدمّر من أجل إعادة بنائه.
يجلس المُقاتل ويأخذ قنّينته ويشرب، ثمّ يقول:
-كنتُ آمل أن أجد شخصًا على قيد الحياة على الأقلّ ليُساعدني على التنقّل بهذه السّاق المُصابة
يخرج عيسى وسي قدّور من مخبئهم ويتقدّمان ببُطء، فلا يريا المُقاتل، فيقول عيسى:
-هذا واحدٌ مِنَّا
-سي قدّور: لا أحد مِنّا ولسنا مِن أحد، فلنبقَ مختبئين، سينتهي الأمر بمُغادرته، فرجلٌ مُسلّحٌ هو دائمًا شيءٌ غير جيّد..
-عيسى: أنتَ لا ترى بوضوح إذًا، هذا ليس رجلا مُسلّحًا شرّيرًا، هذا مُجاهدٌ
-سي قدّور: سلاحه هو الخطير إذًا
-عيسى: هل لاحظتً أنّه يخلج؟ سأُناديه..
-سي قدّور: الجنديّ يتخفّى بسهولة على هيئة رجل آخر في هذا البلد
-عيسى: ماذا تُريد أن تقول؟
-سي قدّور: يُمكن أن يكون مجاهدًا مُتخفٍّ في هيئة جندي فرنسي، أو جندي فرنسي متخفٍّ في هيئة مُجاهد
-عيسى: الجنود الفرنسيون لا يجرؤون على التّسكّع فردًا فردًا، أُكرّر لك إنّه أخٌ لنا
يصيح عيسى:
-أوووه .. من هنا، من هنا
وبينما هما ينظران من جهة حتّى يظهر المُقاتل من الجهة الأخرى ويُوجّه سلاحه إلى ظهريهما.
-المُقاتل: هل تسكنان في هذه القرية؟
-سي قدّور: أسكن بالضّبط في هذا الكوخ الذي تراه هنا، وهذه الشجرة مِلكي، أخذتهما منّي النيران..
-المُقاتل: وأين الآخرون؟
-عيسى: تحت الأنقاض أو تحوّلوا إلى أشلاء
-المُقاتل: هل بدأتُم في دفنِهم؟
-سي قدّور: لقد التفَّت عليهم الأرض بنفسِها، فالقنابل لا تقتُل فقط بل تَدفُن أيضًا”.


