أنتربولوجيا الألم

أولت العلوم الاجتماعية والإنسانية في الغرب اهتماما كبيرا للظواهر الفردية المرتبطة بالحياة اليومية للأفراد، ومنها مواضيع المرض والموت والانتحار والحب والغضب والجسد والضجيج والصمت والحواس. هذه المجالات كما لاحظ فريد الزاهي في تقديمه لكتاب تجربة الألم -لمؤلفه الفرنسي دافيد لوبروطون- غير مطروقة في الثقافة العربية، إذ نادرا ما يتم الانتباه إليها، ومن هنا تأتي أهمية ترجمته للكتاب السابق الذكر، والصادر عن دار توبقال.
يتناول لوبروطون المتخصص في علم الاجتماع الألم من منظور أنتربولوجي، ويحلل بعمق كبير العلاقة التي تربطه بالإنسان، ويضعه في النسيج الاجتماعي والثقافي المحيط به.
يشكل مؤلَّفُ تجربة الألم فصلاً آخر في أنثروبولوجيا الجسد الذي يُعتبر موضوعا أساسيا في أبحاث هذا السوسيولوجي، حيث يجعل من الألم المدخل لفهم الأبعاد الرمزية للعلاقة التي تجمع الإنسان بجسده، وهو من الكتابات المؤثرة في مشاعر القراء، فكثير منهم لم يستطيعوا إتمام قرائته.
لا يقدم لنا الكاتب الألم كحقيقة بيولوجية وفيسيولوجية، بل باعتباره قبل كل شيء حقيقة وجودية. فليس الجسد هو الذي يعاني لوحده في صمت، بل الفرد المصاب الذي له انتماء اجتماعي وثقافي ونفسية خاصة به. فالألم ليس مجرد أمر خاص مرتبط بالجهاز العصبي، وليس كائنًا طبيعيًا يمكن عزله عن الذات، إنه مجازيا أشبه بحلول جسد العالم داخل جسد الإنسان.
يقدم كتاب تجربة الألم للقاريء الطريقة التي تتم بها معايشته، والكيفية التي يتم التعبير بها عنه من قبل الأفراد، والكتاب هو امتداد لأنتربولوجيا الألم الذي نشره لوبروطون عام 1995، والذي لامس فيه البعدين الثقافي والاجتماعي في التجربة.
يبرز السوسيولوجي المتخصص في مؤلفه الجديد عن تجارب الألم العلاقات المتداخلة بين الألم والعذاب. (لا وجود لألم من دون عذاب): هذا هو العنوان الذي اختاره لوبروطون لمقدمة كتابه، وفيه ميز بين أشكال مختلفة منه. فهناك الآلام المرتبطة بقسوة المعاناة، وهناك الآلام الخالية من العذاب والمرتبطة باللذة وتحقيق الذات كتلك التي يحسها الرياضيون المشاركون في المسابقات، ولهذا يصبرون على الآلام الناتجة عن الجهد البدني في حده الأقصى باعتباره أمرا ضروريا لتحقيق التتويج، حيث يمتزج كبح الآلام بالمتعة.
واستحضر في نفس السياق تجارب الزهاد ممن يُعرضون أنفسهم لمختلف أنواع الحرمان والقسوة، فهُم يعيشونها بشكل مختلف عن الآخرين، وينظرون إليها بمنظور مغاير، لاعتقادهم أن المحن والشدائد هي الطريق الموصلة إلى الله.
ثم هناك الألم الملتبس المرتبط بتجربة الوضع، فبعض النساء يعشن تجربة ألم الولادة باعتبارها قطعة عذاب لا تُحتمل، وهناك نسوة يعشنها كتجربة مؤلمة لكنها ممتعة وغير قابلة للنسيان، حتى أنهن يرفضن التخدير الموضعي، وترتبط المسألة -دون شك-بالاستعداد للولادة والتربية وظروف الوضع وثقافة المجتمع، ولهذا فتجربة الوضع المحدودة في الزمن تُعاش بأحاسيس متباينة من امرأة لأخرى.
وأخيرا هناك الألم الشاذ، ومن أبرز تمثلاته حركة السادومازوشيين، حيث يصبح الألم أحد المكونات التي تؤدي إلى النشوة. فعبر التعذيب الجسدي والإذلال والتقييد والضرب تتحقق المتعة.
يتوقف لوبروطون طويلا عند حالة أيوب الذي كان في البدء رجلا سعيدا، فأراد الله أن يختبر إيمانه. فقد ذريته وثروته وابتلي بعدد من الأمراض والمصائب في جسده. صام عن الكلام أسبوعا (الصمت) وانطوى على نفسه، ودخل في نوبة ألم حاد. لم يتألم أيوب بسبب جراحه فقط، وإنما لعجزه عن فهم معنى محنته، إذ لم يعثر في نظرته الأخلاقية عن خطيئة ارتكبها تبرر له محنته، فهو لم يقترف ذنبا يستحق عليه العقاب والعذاب الأليم، ولهذا خرج يتذمر من محنته ويتحدث عن عذابه أمام الآخرين. لا يعود ألم أيوب إلى ما حل به، بل لعدم فهمه سر المحن التي نزلت عليه وهو المخلص لله، فلكي يصبح الألم متحملا يجب أن يكون له معنى، ذلك أن الثقافة الدينية آنذاك ربطت الألم بالعقاب المستحق عن ذنب أو خطيئة تم ارتكابها، فلم يكن رجال الدين والمومنون يستوعبون وقوع عذاب غير مبرر، ولذلك لم يصدق رجال الدين أيوب حين دافع عن براءته، لأنهم استبعدوا فكرة العذاب بدون إثم، ففي نظرهم لا بد أن أيوب قد ارتكب ذنبا أو إثما استحق عليه العقاب، وهذا مازاد من غمه وألمه للحدود القصوى. لم يكن أيوب ذلك الرجل الصبور كما تصوره التفسيرات المسيحية، بل احتج على محنته، فسِفر أيوب كله قصة عصيان وأسئلة عالقة، لكنه احتمل مع ذلك آلامه، وفي النهاية كوفيء بالعودة إلى ما كان عليه في سالف أمره، فاستعاد ثقته مجددا في نفسه دون أن يعرف سببا منطقيا لتجربة الآلام التي عاشها. لماذا أنا بالذات؟ هذا السؤال المؤرق والحارق يشكل عذابا إضافيا للمصابين، فالألم بدون معنى يضاعف العذاب، وحين يمنح له معنى أخلاقيا أو دينيا يجعله أخف وطأً على المرء، ولطالما ارتبط العذاب بالعقاب أو باختبار إيمان الفرد، وفي هذا الإطار تحضر عبارات دلالية من قبيل: التطهير، البلاء، الجزاء، العقاب، العذاب، والقاموس هنا يحيل على مسارين: مسار العقاب الدنيوي للمذنب المخالف للتعاليم الإلهية، ومسار الابتلاء والخلاص، حيث يغدو العذاب هنا شرطا للاكتمال الأخلاقي كما هو الأمر بالنسبة لحالة يسوع في المسيحية والذي يمثل الخلاص للبشر من خلال الآلام على الصليب، فقد اتجه جانب تغليب الألم حين التعبير عن التفاني في حب المسيح، حيث انتقل المسيحيون من تصويره منتصرا تغلب على الموت إلى تقديمه متألما كما افترض جاك لوغوف، وبناء على ذلك اختفت صورة المسيح البطل وحلت مكانها صورة تمزج بين البعدين الرمزي والحقيقي، وهي صورة المسيح الذي يتأوه من شدة الألم، واستتبع ذلك أن فتحت هذه الصورة الباب أمام شيوع ظاهرة التدبر في المعاناة.
إن تحمل الألم من أجل الرب هو طريقة فعالة للتخفيف من العذاب وتأنيب الضمير، فكثيرون يسلمون أمرهم لله ويعتبرون المرض العضال محنة لاختبارهم في الدنيا وتطهيرا لهم من الآثام، وواجب عليهم الصبر والمجاهدة، ومهما كانت قسوة آلامهم فهم مقتنعون أنهم سيجدون في الآخرة الجزاء لمصابهم.تتطرق الفصول الأولى من الكتاب لآلام الذات الناتجة عن عذاب المرض أو مخلفات الحوادث وما يترتب عنها من عذاب نفسي وجسدي، وهي القضية المركزية والأكثر حضورا بين ثنايا السطور.
يحل الألم يوميا بأجساد الناس لكننا لا نعرف عنه الكثير باعتباره تجربة ذاتية يصعب الإمساك بها أو ملاحظتها أو التعبير عنها، وإن كنا نتفق أن ظاهرة الألم تعيشها كل المجتمعات، بيد أنه قلما يتم الالتفات إليها. ومن هنا تأتي أهمية كتاب لوبروطون.
تغوص الفصول اللاحقة من الكتاب في تجارب الآلام المتعددة، من خلال مدخل أنثروبولوجيا التجربة، إذ ينغمس القاريء في قارة الألم المزمن كما اختبرها الممثلون وكما عايشها المصابون، وتصل ذروة الآلام في حالة التعذيب، فهذا الألم التعسفي يترك آثارا لا تندمل، لأنه يبتر جزءا من الهوية لا يمكن نسيانه، ولهذا يعتبر وجع التعذيب أسوء أنواع الألم على الإطلاق، فهو ممارسة ذاتٍ تفرض عنفا مطلقاً ضِدَّ ذاتٍ أخرى من خلال المزج بين التعذيب المادي والنفسي (الحرمان من النوم- الجلد والحرق- الاغتصاب- الإغراق- الوقوف عاريا- التجويع- الوشم..)، ويكون الضحية خلالها خاضعا وعاجزا عن المدافعة، فهو تحت رحمة جلاده الذي يتحول إلى آلية لتحطيم الشخص من خلال تهديم دقيق لهويته. التعذيب الوحشي غير محتمل، وحين يدوم طويلا يكسر قناعات الانسان ويدفع به للجنون والانهيار واختيار الموت الطوعي للإفلات من جلاديه.
لا أحد بمعزل عن الإحساس بالألم، ولا يمكن تصور حياة دنيوية بدون آلام. من حيث المبدأ محكوم على الألم بالزوال. في البداية عندما يحدث لا أحد يتخيل أنه سيستمر لفترة طويلة، لأن موارد مقاومة الفرد للألم الذي يصبح راسخًا ومزمنًا متعذرة.
يتسلط الألم على المرء إما بشكل عابر أو بشكل مزمن، والغالب أنه لا يدوم إلا مدة وجيزة، حيث نمر جميعا بفترات توعك ونُصاب بآلام نتيجة لها، غير أننا نتشافى منها وننسى أمرها بمرور الوقت. الألم خاصية مشتركة بين البشر لكنه حين يصيبنا نحس وكأن غريبا عن الذات حل بنا، فهو ألم لم نكن نتصوره قبل أن يحل بأجسادنا، وحين يكون الألم في مستوياته الدنيا -وبالرغم من كونه إحساس مكروه- يظل في نطاق التحمل، وأحيانا قد يكون الألم إيجابيا حين يستبق معلنا عن مرض عضال نعاني منه فنكتشفه مبكرا، مما يسمح لنا بالتدارك والخضوع للعلاج الفعال. لكنه يصبح ألما هداما حين يغدو مزمنا، يسحق أجسادنا ويجعلنا ننسحب من حياتنا اليومية ومشاركاتنا، فحين تشتد الآلام يصبح العالم الخارجي غير مُهِمّا للمصابين، إذ ينصب الاهتمام على مكان الألم ومصدره، وهو انشغال يتزايد بتزايد العذاب والإنهاك الذي يسببه الألم للأجسام، وكلما كان العذاب حادا كلما أفقر علاقة الفرد بالمحيط، فالألم الحاد يؤدي للتحول، ويستطيع تغيير الفرد بشكل عميق نحو الأسوء غالبا، ففي سياق مرض عضال (الايدز مثلا) أو حادثة نتجت عنها عاهة أو بتر عضو أو عجز ما يتغير الفرد فلا يعود كما كان، إذ هويته الذاتية تحطمت والأواصر التي تربطه بوسطه العائلي والمهني لم تعد هي نفسها العلاقات السابقة. يدخل الفرد في حالة الهامش دون أن يكون لديه جسور للتواصل مع الآخرين بشكل واضح، ذلك أن التسامح الاجتماعي لتعليق المسؤوليات محدود بالوقت، ولذلك تبدأ عقبها فترة الانسحاب، وإذا استمرت، تثير في النهاية شكوكًا بعدم الرضا عن الذات، ويغدو الارتباك والشك في كل الذين يحيطون به سواء في المنزل أو العمل، وهذا ما استطاعت رواية موت ايفانوفتش لتولستوي تصويره، حيث نقف فيها على ضعف الإنسان أمام الألم العضال وانتظار الموت المحقق، ونتعرف على الكيفية التي غدا فيها القاضي إيفان صاحب السلطة والجاه منبوذا من الجميع -لا سيما من الزوجة والابنة- حين أصابه المرض المزمن الذي أنهكه، وأصبحت صرخاته وشكاويه وأنَّاتِه لا تطاق حتى من أقربائه.
إن الألم المزمن ليس حالة عضوية فحسب، بل هو قبل كل شيء حالة اجتماعية، لأن له تأثيرًا قويًا على شبكة العلاقات مع الآخرين، فما هو مؤلم أكثر هو فقد المرء لمركزه ومكانته السابقة، عمله، حياته المهنية، لحظات المتعة والاستجمام. لا يمتلك الفرد بسبب ألم الذات المزمن الطاقة ولا القوة التي تجعله يهتم بما كان يثيره سابقا، فيصبح على الهامش، في التخوم، ينسحب تدريجيا من الأنشطة التشاركية وينصرف عن اهتماماته المعتادة فيفقد معنى الحياة. وقد يؤدي به الأمر إلى السقوط في الاكتئاب الحاد والحزن الشديد خاصة إذا غابت الاستجابة من المحيطين به، ليعيش بذلك أحاسيس مأساوية تؤدي به إلى الانهيار التام والاستسلام، ولا تعود له القدرة على تحمل الألم كما في البداية ولا الإمكانية للتعايش معه، فيترجى الموت الرحيم ويتمنى الموت، وقد يلجأ إلى الانتحار للتخلص من آلامه الجسدية والنفسية التي غدت لا تطاق.
يتغلغل الألم رويد رويدا وينتهي بالفرد في النهاية إلى أن يصبح دخيلًا على وجوده، ويتم طرده من شخصه بواسطة قوة سلبية استولت عليه، والتي تزداد تدميراً لهويته مع مرور الوقت، وقوته على التصرف والتحكم تنزلق بعيدا عنه. يؤثر الألم على الجسم، بل إنه يهز الفرد ويغير مجرى حياته اليومية وعلاقاته بالآخرين، وتخفت الرغبة في الحياة لديه.
ينطوي الألم على المعاناة حتى ولو أصاب جزءا من الجسم في البداية، يبدأ الألم في منطقة ما ثم ينتشر إلى ما بعده، ويتغلغل تدريجيا في الإيماءات والأفكار، إنه يلوث علاقة الفرد بأكملها مع العالم. يعاني الفرد في عمق كيانه من الألم الشديد حتى لا يكاد يتعرف على نفسه، ويتأكد لأولئك الذين من حوله أنه لم يعد هو الشخص نفسه. إن الألم الذي يستمر لأشهر وأحيانًا لسنوات يعد عائقًا شديدًا للحياة، ويؤدي في غالب الأحيان إلى التخلي عن الأمل في الشفاء، أو على الأقل تقليل احتمالية العودة إلى الأوقات السعيدة الماضية، حيث يفقد الفرد المصاب السيطرة على جزء كبير من جدول حياته الزوجية والعائلية والاجتماعية والمهنية، ويغدو تحت رحمة العذاب وسجين جسد لا يتعرف فيه على نفسه.
الألم هو في جوهره قوة تخريبية تعطل الذاتية، فحين يطول الألم ويتحول إلى معاناة يومية ومزمنة لا يصبح للحياة أي طعم ولا مذاق، ويستسلم المرء للحداد على نفسه. لا يتوقف الألم على الجسد فقط وإنما يشمل الذات، لذلك فهو دائمًا موجود في المعاناة، إنه منذ البداية عدوان شديد ويتحول للعذاب حين لا يستطيع الفرد تحمله ولا التحكم فيه، وكلما ازدادت حدة العذاب يغدو الألم غير متحمل فيدمر قدرات الفرد على المقاومة والصمود وهكذا تغدو الحياة لا تطاق، ويغدو الجسد عدوا ماكرا لصاحبه، يعيش في انفصال مع نفسه، محطما ومنهزما أمام هذا الساكن الأبدي الذي لا علاج له، هنا يصبح الألم كارثة تكره المرء على العيش تحت أطلال وجوده السابق، فيصبح في حداد مستمر على ماضيه وأنشطته السابقة التي لم تعد له القدرة ولا الإمكانية على القيام بها مجددا، ووحده تقاسم الألم والتضامن والإنصات والسند الصادق والمصاحبة قد تخفف بعضا من الآلام إلى جانب الأدوية المسكنة. ومن المفارقات أن الدواء قد يتحول أحيانا إلى أداة تعذيب وألم في حالة العلاج الكيماوي من السرطان. أما مرضى الإيدز فآلامهم متعددة. فهم من جهة يترقبون الموت الذي يغزو أجسادهم ببطء شديد، ويعانون من جهة أخرى خطر الإقصاء والقطيعة من الآخرين، لأنهم يحملون في دمهم ولعابهم ومنيهم فيروسا قاتلا للآخرين، تتغير حيات هؤلاء رأسا على عقب، فالتعب والسعال المزمن بسبب هشاشة المناعة تجعلهم قلقين، وإمكانية بناء أسرة والحصول على الشريك والأطفال غدت متعذرة. فلا يبقى للمصابين بداء فقدان المناعة المكتسب إلا الحداد على الأبوة والأمومة وعلى أنفسهم. حين يكتشف المرء إصابته بالإيدز يصاب بالفزع لأن كارثة مزلزلة لم تكن متوقعة حلت بجسده، وتتجاذبه الحيرة والألم النفسي بشأن الكشف من عدمه للآخرين عن مرضه، هل يحتفظ بالسر اتجاه من يتقاسم معهم حياته أم يصارح بما يمكن أن يكون سببا في الانفصال والهجر والانقطاع وربما الطرد والإبعاد.
الألم أو الوجع الشديد هو أحد الظواهر الوجدانية الأساسية، وهو ذلك الشعور المضاد للذة سواء أكان شعورا جسديا أو نفسيا، وهو لا يقبل البرهنة، بل يُعاش كتجربة، وقوة تأثيره تختلف من شخص لآخر، فهو محسوس وفقًا لشبكة تفسير خاصة بكل فرد، فمن يعاني من الألم يظل الوحيد الذي يعرف مدى شدة ألمه، ولا يمكن للآخرين مهما تظاهروا أن يتماهوا مع آلام الآخرين أو الإحساس بما يحسونه إلا إن كانوا في مكانهم، فالألم مخصوص بالإرادة الحميمية للشخص. تظل المعاناة الرنين الحميم للألم، مقياسه الذاتي. إنه ليس أبدًا امتدادًا بسيطًا لتغيير عضوي، ولكنه نشاط ذو معنى للشخص الذي يعاني منه.
ملاحظة: حين يتحدث لوبروطون عن المحرقة والتنكيل الجماعي بالأفراد يستحضر مرارا حالة اليهود وما تعرضوا له من عذابات على أيدي النازية. بينما يتجاهل الإبادات الجماعية الأخرى من قبيل المجازر التي تعرض لها الفلسطينيون في صبرا وشاتيلا، أو غيرها، فهل الألم تراتبيات والعذاب مستويات؟

بقلم الاستاذ خالد طحطح