انتربولوجيا الوجوه:
ظهرت النسخة الأولى من كتاب الوجوه عام 1992، وقد مرت عشرون سنة على هذه الطبعة، وخلالها استجدت كثير من القضايا التي جعلت المُؤلف دافيد لوبروتون يُصدر طبعة ثانية منقحة من هذا العمل عن أنثروبولوجيا جزء من الجسد، مع إغنائه بإضافات مهمة تستكمل جوانب سابقة. أحد العوامل التي شجعت المؤلف على إصدار طبعة منقحة ومزيدة تغيُّر ملامح وجهه، إذ اكتسته تجاعيد الشيخوخة، وامتلأ رأسه شيبا. كما أن الاستخدام الشائع للأقنعة في مختلف بقاع العالم خلال مرحلة انتشار كوفيد 19 كان عاملا آخر مُحفزا، بالإضافة إلى تنامي عمليات زرع الوجه. هذه الوجوه الاصطناعية الجديدة حظيت بالاعتراف الآن، وأصبح لها مكان ضمن النسخة الجديدة من كتاب أنتربولوجيا الوجوه التي صدرت سنة 2022م، وهي نسخة تختلف كثيراً عن الإصدار الأول، بالنظر إلى أنها تضمنت إضافات ومباحث أخرى مُستجدة.
يواصل عالم الاجتماع لوبروتون في كتابهِ هذا تحقيقه في تكامل الجسم البشري وعلاقته بالمجتمع من خلال رسم إطار لدراسته عن الوجوه، ويدعونا في هذا العمل إلى مقاربة الوجه باعتباره شكلا فريدًا لمظهرنا كأشخاص وبالنّظر إلى أهمّيتهِِِِ في علاقتنا بالآخرين. كل وجه هو فريد من نوعه، ويحمل الثقافي والاجتماعي الذي يستمد منه سلطته، وهو مضطر للتماهي، ذلك أن: “الإنسان ليس وحده الذي يسكن ملامحه، بل وجوه الآخرين موجودة أيضا وحاضرة على الدوام”.
في التسلسل الهرمي الأخلاقي لجغرافية الجسد يُشكِّلُ الوجه القيمة العُليا ويحظى بالأهمية القصوى. فأي إصابة تحدث له تسبب ضررا أكبر من أي مكان آخر في الجسم. نتكلم هنا عن التشوه الخطير الذي يُغير ملامح الوجه، ونحن نعلم أنه لا يوجد ما يُعادل تشوه هذا العضو، لأنه يُميز إنسانيتنا. فأي تشوه للملامح يُغير الجانب الاجتماعي للفرد وقد يتحول في نظر الآخرين إلى مجرد وحش.
في مجتمعاتنا المعاصرة يُمثل الوجه مكان الاعتراف المتبادل. فالوجه المكشوف هو من يحدد سماتنا ومكانتنا، ومن خلاله يتم التعرف علينا وتسميتنا. إنه علامة على الذات في علاقتها بالعالم الخارجي وبالآخرين، والجميع بدون استثناء بحاجة إلى الوجه باعتباره هوية تميز الفرد وتحدد خصوصيته، فتفرد الوجه هو من يخلق معنى وقيمة وجود الفرد.
إن معرفة الآخرين تعني السماح لهم برؤية وفهم الوجه المغذي للمعنى والقيمة، والمعاملة بالمثل في التبادلات ضمن الرابطة الاجتماعية تعني ضمناً التماهي والاعتراف المتبادل بالوجوه، وهوالأمر الذي يدعم بشكل أساسي فكرة استمرارية التواصل بين الناس.
يعد الوجه مع كل ما سبق ذكرهُ لغزا حقيقيا، فكل واحد منا ينفرد بخصوصية عدم رؤية وجهه الذي هو متاح للجميع. نحن نرى أنفسنا فقط من خلال المرآة والصور والفيديوهات، أي من خلال الوسائط. لن يتمكن أي مِنّا من رؤية وجهه مباشرة، وقبل اختراع المرآة لم يتعرف أحد على وجهِهِ.
من خلال وجوه القرون الماضية المبثوثة في اللوحات والرسومات الطينية والكتابات المخطوطة، يقودنا لوبروتون في رحلة شيقة عبر تاريخ الوجوه. هذه الأمكنة المركزية لتواصلنا، والتي تعرفنا عليها أول مرة عبر المرآة، ثم من خلال التصوير الفوتوغرافي، يستكشفها الأنتربولوجي المتخصص الذي يغوص بنا في مفارقات الوجوه من خلال قضايا الشبه والجمال والقبح والحجاب والسفور والنقاب والقناع .
يقودنا الكتاب إلى التفكير أيضا في إحدى خصائص الإقصاء والعنف الرمزي الذي تمارسه العنصرية عبر التاريخ، ويتجلى بالأساس في إنكار وجه الآخرين. إن رفض الآخر ينطوي على تشويهه التام. فهو محروم من الوجه، وأحيانا نعطيه وجوها أخرى فنقول: وجه الفأر” أو “وجه القرد” أو “وجه الشيطان”، وذلك للدلالة على القُبح والشر والبهيمية، وما إلى ذلك.
إن تمثيل الفرد وتشبيهه بالبهيمة يهدف إلى حرمانه من إنسانيته، بدءاً من حرمانه من وجهه. فحين نتحدث عن الفرد باعتباره حشرة أو مُجرّد فأر نحن عمليا نقوم بنفي الإنسانية عنه، ولا يعود هناك ما يُعيق تعذيبه أو حتى قتله.
يمكن تعريف العنصرية من خلال هذا النفي، حيث تبدأ التصفية الرمزية بدايةً بنفي وجود وجه الآخر. وهنا يظهر الجانب المقدس للوجه واستخدامه لأغراض عنصرية وتبريرية لأنواع من الجرائم التي قد تتحول إلى إبادات جماعية. فحين نقوم بحرمانه من وجهه نحاصره ونخنقه وننفيه فعليًا وبعد ذلك جسديًا. وبهذا نتوقع القتل التدميري بعد هذا الإجراء الرمزي المميت.
هذا الرفض والإقصاء للآخر نجده بالخصوص في العصر النازي، وقد استخدم دافيد لوبروتون السينما لإبراز فكرته، مُستندا على فيلم جوزيف لوسي عن السيد كلاين. إنه يتتبع المشهد الذي يتم فيه قياس وجه المرأة وتصنيفه “كشيء بسيط من قبل طبيب يُخضعها لفحص أنثروبيومتري بهدف تقييم درجة يهوديتها. بالنسبة للأخيرة، فهي ليست امرأة تتمتع بشخصية أو بهوية فريدة يرمز إليها بوجه واسم وقصة، ولكنها من النوع الأدنى مقابل النوع الأسمى. كما يختم لوبروتون حديثه عن معسكرات الاعتقال النازي الشهيرة. بالتأكيد نلاحظ التركيز على هذه الحالات، مع تجاهل النماذج الأخرى في التاريخ وهي كثيرة جدا. فكثير من المؤسسات في بقاع وفترات أخرى أضفت الشرعية على تفوق عرق على آخر وجنس على آخر، وإلى تقليص العالم إلى واحد، من خلال ضغط الآخر ومحوه من الوجود تماما. ولا يتم محو الإنسان إلا من خلال تدمير وجهه.
من المؤكد أن هناك طرق مختلفة لتجريد الوجه من إنسانيته أو إبعاده عن المجتمع. فعندما يتعلق الأمر بالرغبة في إزالة الفرد وحرمانه من تفرده وتميزه يتم رفض منحه كرامة الوجه. ولا شك أن التعبيرات الشائعة من قبيل فقدان ماء الوجه تكشف عن هذا المعنى.
إن الرغبة في قمع جنس مخصوص تمر عبر كسر العلامة التي تجعله ينتمي إلى نوعنا البشري، ونقصد الوجه. ومن هنا يأتي التهميش الناتج عن التشويه، فالشخص المشوه لا يتعرف على نفسه ولا يُريد ذلك، ولهذا يمكن اعتبار التشوه بمثابة قتل رمزي ومحو للوجه من الوجود.
الصورة التي تعكسها المرآة أو نظرة الآخرين تكون مؤثرة جدا، ومن المؤكد أن هناك حالات كثيرة مؤلمة، ومنها الحالات الأكثر إيلاما حين يتعلق الأمر بالأطفال. يروي المؤلف تجربة طفل يبلغ من العمر أربع سنوات ونصف، وهو ضحية حروق خطيرة. عاش هذا الطفل دائمًا على الهامش حتى في دائرة الأسرة. كان عليه أن يتواصل مع العالم الخارجي في روضة الأطفال، لكن وصوله كان يُثير الرعب لدى الأطفال الآخرين.
لقد اختبر هذا الطفل نظرة اللاتسامح في عين الآخرين وفي ملامح وجوههم. شاهد نظرة التحقير والرفض والاستبعاد، وعانى من العنف والتنمر التي مارسه الأطفال في مثل سنه ضده، ولا شك أن هذا الاستبعاد سيحضر في علاقاته الاجتماعية لاحقا وبأشكال مختلفة. لحسن الحظ تطورت اليوم الجراحة الترميمية لاستعادة القليل من الكرامة للعديد من الوجوه المشوهة، والتي أصبحت بلا حياة، هي بالفعل جراحة تساعد على إخراج المُشوه من إطار الوصم الذي يكبل شخصه، لكن هذه الجراحات مُكلِّفة جدا وليست في متناول الجميع.
يخضع الوجه لتحولات مؤقتة أو نهائية نتيجة الأوضاع الثقافية والتفاعلات الاجتماعية. وفي الوقت الذي يعد فيه القناع رمزا من رموز التخفي، تحضر الجراحة التجميلية في مجتمع يعلي من قيمة الإغواء والإغراء والمظهر الخارجي، والهدف توخي الأشكال التي يعتبرها العالم جذابة. يبدأ عمل تصحيح “العيوب” عبر الطب التجميلي وخاصة تجميل الوجه وتعديله من التجاعيد والنواقص، ولعل النساء الشهيرات في عالم الغناء والتمثيل وتقديم البرامج هن الأكثر انسياقا نحو عمليات التجميل والتنميق، ذلك أن «الوجه -في مخيلتهن- لا يجوز للعامة أن يتصوروا شيئا من العيوب فيه.
يؤكد لوبروتون أن الوجه هو امتياز إنساني، إذ الله، في التقليد اليهودي المسيحي، وحتى الإسلامي (تنقصه الدّقة هنا لوجود مذاهب إسلامية تختلف في المسألة)، ليس له “وجه”. لأن الله، وهو كائن متعالٍ لا نهاية له، ولذا لا يمكن اختزاله في وجه واحد. ولهذا السبب تعارض التقاليد الدينية أي تمثيل لله أو تصوير لوجههِ.
يستحضر لوبروتون العصور الوسطى وعصر النهضة الأوروبية، ويناقش ولادة الصورة من خلال عملية التخصيص عندما يؤكد على أهمية الفرد والفردانية، وقوة “أنا” وتفردها، فمن المهم أن يجسد المرء اختلافه عن الآخرين من خلال الصورة. لم يعد الوجه جزءا بسيطًا من جسم الإنسان، بل أصبح وسيلة للتأكيد على المكانة الاجتماعية والرّمزية.
لم تعد الصورة وسيلة لمحاربة النسيان، بل أداة للسلطة والقوة والحضور، يصبح التفاوت الرمزي من خلال “امتياز بعض الرجال الذين تضعهم وظيفتهم فوق معاصريهم، ونقصد الملوك والباباوات وكبار الشخصيات في الكنيسة والممالك والدّول.
استفاد الرسم الأوروبي في العصور الوسطى بشكل كبير من ترسيخ فن البورتريه في الأعراف الاجتماعية، وقبلها كانت المِرآة، فهي- كما يقول لوبروتون- تستعيد الصورة الصادقة للوجه، لكونها “ناقل الاختيار لظهور الشعور بالذات”. كما أنها تتيح للمرء. ويشكل ظهور التصوير الفوتوغرافي، حسب رأيه، المرحلة الحاسمة في “دمقرطة الوجه” أو بالأحرى “تعميمه”.
بشكل عام، يُعتبر كتاب انتربولوجيا الوجوه دعوة لإعادة النظر في علاقتنا مع العالم باعتبارنا بشراً، ولأننا من جهة نحمل في سماتنا قيمنا الثقافية، ومن هذه الناحية فاستكشاف الوجوه هو بمثابة استكشاف للنماذج الاجتماعية والثقافية الحميمة والمختلفة التي تعبر عنها.
بدون شك للوجه قصص تمتد عبر القرون، وهي ليست متشابهة على الدّوام. يقوم دافيد لوبروتون بعمل أنثروبولوجيا لهذا الجزء من الجسم البشري الذي يعد المكان المركزي لاتصالاتنا. فهو لا يهمل الوجه وجهاً لوجه، ولا العين الشريرة، ولا الأقنعة، ولا التجهم، ولا الضحك، ولا رسم الخرائط الإجرامية، ولا اللوحات الفنية، ولا الكتابات على الجدران، ولا الصور الفوتوغرافية، فكل هذه الوسائط تشهد على تاريخ الوجوه، المشوه منها واللامع، الجميل والقبيح، المقبول وغير المحتمل.
إن أنثروبولوجيا الوجه تسلط الضوء على حقيقة أن لكل عصر ولكل ثقافة قراءة معينة لهذا الجزء من الجسم الهش والمكشوف على الدوام.
بقلم الاستاذ خليد طحطح

