هل أصبحت الكتابة تثير الدهشة ؟؟
بقلم الاستاذ إبراهيم جزار
لطالما تردد في الأذهان الناشئة أن فِكرة أن الوصاية بإسم القلم هي مُجرد تمثيلية و أمور لا تمت لواقع الحال بصلة، وبُعيد هذا التصور المبدئي يتصادف المرء مع فكرة معاكسة مفادها أن القلم ذو وصاية إذا ما أتقن المُرسل التصويب والسبك، ويكفي لأي مُنصف أو متتبع جاد ملاحظة مقالات صحفية ساخرة وأخرى جادة هزت مضاجع المسؤولين وإستنفرت السلطات وأخرى أنهت المهام وبعضها جددها…
لعل المقام هنا ليس للكلام عن تأثير القلم من زاوية تحليل الخطاب أو من زاوية الجمهرة وتحليل فعل التلقي، ما نود طرحه في هذا السياق هو سؤال وجودي أعمق يتعلق بجدوى فعل الكتابة في زمن الوسائط الجديدة والتلوث الذوقي الحاد لدى الأوساط الشابة ؟؟
لا يُنكر أبسط مُتابع للشأن القلمي أن فِعل الكتابة قبل عِقد إلى عقدين من الزمن كان ذو سلطان وسطوة على المشهد المُجتمعي، فالكُتاب كمجتمع فلكلوري يضم مهن ونِحل الخطباء، المحررين الصحفيين ، السياسيين والمفكرين وغيرهم ظل لردح من الزمن بمثابة الموجه الأول للجماهير وقائدا للرأي العام، فهو يُحلل الأحداث ويُأولها لأي قالب يشاء (راجع نظرية الأجندة سيتيتنج) لكن مع الإنفجار المعلوماتي في تكنلوجيا الإعلام والإتصال وظهور الوسائط الجديدة ودمقرطة المعلومة فظهور (مشاعية الكتابة) أضحت القواعد الصارمة أكثر مرونة وميوعة، ففن التحرير إتجه للإختزال بدل الإطالة وتدحرج المحتوى من قصره العاجي (اللغة الفصحى) إلى المتداخل من لغة وثقافة الجماهير (اللهجات العامية) وتولدت أشكال جديدة من ملوك الكلمة وفنونها وأشكالها.
وتبعا لهذا التغير الطارئ الذي افرزته التكنلوجيا ووفق ملاحظة نتوغرافية* للمشهد الإفتراضي إستغرقت ردحا من الزمن، يتبين لجمع أهل القلم واللسان أن فِعل الكتابة بعيدا عن حوامله الكلاسيكية لا زال يُثير الدهشة ويصنعها، إذ أن الميكانيزم واحد بإختلاف الوسيط، كما أن البلاغة الرمزية هي المؤشر الأعلى في بورصة قوة الرسالة وتوغلها في أذهان المُتلقين، وأفضت الحوادث الأخيرة (موجة كورونا والتباعد الإجتماعي) لإعادة إزدهار فن الكلمة والخطاب بعد أن جزم الوسائطيون (فصيل من الباحثين في الوسائط الجديدة) بإنتهائه في وقت مضى لصالح الرسائل البصرية والمؤثرات السمعية-البصرية.
ما يُلحظ أيضا على الجيل الصاعد -عموما- أنه يشتغل بقوة على الكلم والنصوص ويبحث بطرق مقصودة أو عفوية على تطوير بلاغته لإيصال صوته وإعتقاداته، وهذا لا يتأتى من عدم، بل مبني على عملية تلقي قبلية وإقتناع بحجج معينة وإعادة إنتاج وتكوين الرأي الشخصي فنشره سواءا كتابيا أو في رسائل مُدمجة عبر الوسائط (فيديوهات الريلز والمقاطع اللغوية المُضمنة) ما يفتح حقلا بحثيا مُهما وشاغرا بإمكان “أهل اللسان” الإشتغال عليه والإستثمار فيه، وهو أمر بإمكانه تطعيم الإجابة أعلى هذا العمود بالإيجاب، والكرة في مرمى عشيرة الكتاب …