الرِّواية الجزائرية نشأت مُتَّصلة بواقع سياسي مضطرب
اللغة العربية، الرواية العربية، والنقد الأدبي.. في الجزائر: عين على الماضي والحاضر والمستقبل.
يستعرض الناقد الإعلامي والأستاذ بجامعة الشهيدة حسيبة بن بوعلي بالشلف الأستاذ إبراهيم الخليل بن عزة في حواره مع مجلة “ومضات أمل” جملة من الأراء والتصورات التي تطبع الرواية المُعربة في الساحة الأدبية الجزائرية، ويُسهم المحاور في تقديم عدد من التحليلات التي تتراوح بين الدراسات السياقية والتاريخانية وكذا المنظور الإعلامي للمنتوج الثقافي في حوار شيق ومثير.
حاوره الاستاذ  إبراهيم جزار


س 1/
بدايةً، إحتفت اللغة العربية منذ ديسمبر الفارط بعيدِها العالمي وسط نقاشات عِدّة حول قضاياها الرَّاهنة، ماذا تضيفون حول ذلك؟
  
 ج/  فعلاً، لقد تم إقرار الثّامن عشر من شهر ديسمبر كيوم عالمي للغة العربية، ذلك أنه اليوم الذي أُدخلت فيه إلى الأمم المتحدة وانظمت إلى اللغات العالمية المعتمدة، وقد جرى ذلك في الجمعية العامة ولجانها الرّئيسية عام 1973، في الجلسة العامة رقم (2206)، والتي أشادت بلغة الضاد: “إن الجمعية العامة، تدرك ما للغة العربية من دور هام، في حفظ ونشر حضارة الإنسان وثقافته”. ولاشك أن اللغة العربية من أكثرِ لغات العالم ثراءاً، وقد صارت لغة عالميةً بعد مجهودات حثيثة من علماء ولغويين ونحويين ومصنِّفين كبار في الفترة مابين القرنين الثَّامن والثَّالث عشر ميلادي، أما الآن فيبلغ عدد المتكلِّمين بها أكثر من 400 مليون شخص بِحسب إحصائية رسمية للأمم المتحدة عام 2019، لتُنصّب نفسها كإحدى أكثر اللُّغات إستخداماً وانتشاراً في اليوم محتلةً المركز الرّابع عالمياً بعد الإنجليزية، والصِّينية، والهندية. كما كانت اللغة العربية مصدر إشعاع ثقافي عابر للقارات، وجسر عبور العلم والفلسفة والفنون والآداب إلى قارة أوروبا في عصر النهضة، فضلاً عن أنها تركت إرثا أدبيا ثريا لا يزال يُتَرجم إلى مختلف لغات العالم، وقد شهِد لها العلماء والمؤسسات الرَّسمية العالمية بالجِدَّة والأصالة والإبداع، وذلك ما أكدت عليه منظمة الأمم المتحدة: “إن اللٌغة العربية أبدعت بمختلف أشكالها وأساليبها الشَّفهية منها والمكتوبة، الفصيحة والعامية، وبمختلف الفنون كالشِّعر والنَّثر، كما أن التصنيف بالعربية الذي كان لقرون مضت، ميدان صراع بين دول وكيانات وأفراد، للحصول على النُّسخ الأصلية التي عادةً ما يتمٌ اكتشافَها في عواصم الغرب الكبرى، كبرلين وباريس ومدريد..” .

س 2/
 وماذا عن واقع اللغة العربية في الجزائر راهنا؟


  ج/في بلادنا الجزائر، لم تستطع اللٌغة العربية منذ الإستعمار الفرنسي وإلى غاية يومِنا الرَّاهن الإنعتاقَ من الصِّراعات الٱيديولوجية السَّائرة في فلكِها، نقول ذلك ونحن نفكر في الصِّراع بين اللغة العربية واللُغة الفرنسية، وكذلك الصِّراع الثَّاني المتمثِّل في إزدواجية الفصحى والعامية، وقد انعكست هذه الصِّراعات بالسَّلب على لغة الضاد في بلد المليون ونصف المليون شهيد. والحاصل راهنا هو صراع آيديولوجي دفعت اللغة العربية بسببه الكثير، في ظل انتهاج خطابين مختلفين تجاه هذه المسألة! خطاب رسمي يُقــرُّ بترسيمِ اللغة العربية وتعميمها، وخطاب فعلي واقعي يُهمِّشها، وهو أفرز خطابا آيديولوجياً مُعارضاً للُّغة العربية تبنَّاه التَّيار الفرنكوفوني المتنفِّذ في الإعلام والإدارة، فنادى إلى التعدّد اللغوي الرسمي، أو العودة إلى الأصالة اللغوية -حسبه- وهي إحياء اللهجات المحلية، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك معتبرا اللغة العربية سبباً من أسباب تخلُّف المدرسة وتدهور المستوى التعليمي.. تلك الأسباب وأخرى فتحت المجال لتثبيت مكانة اللُّغة الفرنسية في الأُطر الرَّسمية، كما سمح كذلك للَّهجات العامية لتنالَ اهتماماً إضافياً على حساب اللغة العربية الفصحى، ويبقى الوضعُ على ماهو عليه إلى وقتِنا الرَّاهن .

س 3/
نُعرّج الآن إلى موضوع آخر، يتعلق بفن الرواية العربية، حدثنا عن هذا الجنس الأدبي في السِّياقات الجزائرية ؟
 
 ج/من خلالِ دراسة التَّجربة الرِّوائية الجزائرية ومحاولة تتبع مسارها منذ بدايتِه، نلاحظُ أننا أمام تجربةٍ مُتفردةٍ استطاعت النَّجاح في ظرفٍ وجيز، صانعةً خصوصيتها من خلالِ أسئلتِها التي طرحتها وإشكالياتِها التّي عالجتها، والحقُّ لقد نَجحَ الخطاب الرِّوائي الجزائري في الإبداعِ رغم من حداثة التَّجربة الرِّوائية، نقولُ ذلك ونحن نُفكِّر في تجارب أخرى بالمشرقِ العربي وبعض دول المغرب الكبير على شاكلة مصر، سوريا، تونس والمغرب.. وقد تمخَّض عن هذه التجربةِ المتميِّزة مجموعة من كبار الرِّوائيين المُجددين، والذين أضافوا الكثير للرِّواية الجزائرية وادخلوها الأدب العالمي من أوسع أبواب الإبداع . 
 إذا تطرقنا إلى البدايات الأولى للرِّواية الجزائرية، نستحضر المؤرخ والباحث “جان ديجو” الذي يتخذ من سنة 1920 الإنطلاقة الحقيقية لهذا الجنس الأدبي الناشئ، مُعتبرًا كتاب “القايد بن الشريف” الموسوم بـ “أحمد بن مصطفى القومي” على أنّه أول رواية جزائرية باللغة الفرنسية، كما لايختلف إثنان بشأن أول رواية جزائرية باللغة العربية، إذ يجمع الباحثون والمتخصصون على أنَّ رواية “ريح الجنوب” للأديب والروائي “عبد الحميد بن هدوقة” سنة 1971 هي أول نص روائي جزائري يُكتب باللغة العربية، رغم وجود أعمال أخرى ناشئة من حيث بنائها الأُسلوبي والفني وموضوعاتها على شاكلة القصص المطولة “غادة أم القرى” لــ”أحمد رضا حوحو”1947، أو قصة “الطّالب المنكوب” لــ”عبد المجيد الشافعي” وغيرها.. لكن رواية بن هدوڨة كانت الإنطلاقة الحقيقية رغم الإنتقادات التي وُجِّهت لها من حيث مضمونها المُزكِّي للخطاب السِّياسي أنذاك المتشبِّع بالفكر السِّياسي الإشتراكي والإقتصاد الزراعي، ثم توالت الإبداعات الرِّوائية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية في سبعينيات القرن الماضي مع الطاهر وطار برواياته الشَّهيرة “اللاز” و “الزلزال” و “نهاية الأمس”،  و عبد المالك مرتاض برواية “نار ونور” وغيرها من الأعمال التي أسست للرواية الجزائرية، وساهمت بشكل كبير في تطوير الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية . 
أما في الثمانينيات، فقد شهدت الرواية الجزائرية تجديدا على مستوى النَّمط الأدبي، وذلك ببروز عدد من الروائيين المُبدعين أمثال واسيني الأعرج برواياته “وقع الأحذية الخشنة”، و “تغريبة صالح بن عامر الزوفري” و “إغاثة الأمة لكشف الغمة”.. وغيرها من الأعمال الرَّائعة التي بدأت معها الرواية الجزائرية تتَّجه نحو نظرة نقدية للتَّاريخ الرَّسمي ببلادنا، فضلاً عن رواية “الحبيب السَّايح” الشهيرة “زمن التَّمرد” والأعمال الرَّاقية للروائي “جيلالي خلاص” على غرار “رائحة الكلب” و “حمائم الشَّفق”، وروايتي “البزاق” و”عزوز الكابران” لــ”مرزاق بقطاش”، دون أن ننسى روائع رشيد بوجدرة “التفكك” و” المرث” و”ليليات إمرأة آرق” و “معركة الزقاق”، وكذلك الطاهر وطار مع الجزء الثاني من “اللاز” وكذلك روايتي “الحوات والقصر” و “تجربة في العشق”.. لقد كانت أعمالا راقية ومُؤسِّسة للتَّجديد على مستوى مضامين الرواية الجزائرية التي خرجت من النَّزعة (الثّوروية) إلى قضايا وإشكاليات الواقع الجزائري في تلك السِّياقات، فتَراوحَ التَّجديد بين الاشتغالِ المُكثَّف على اللُّغة والسَّرد على طريقة بوجدرة في روائعِه البديعة، وبين المضامين النَّقدية المُعالِجة للثَّورة من زوايا انحرافاتِها مع الطَّاهر وطار في نقدياتِه السِّياسية .     
  ثم جاء الجيلُ الجديدُ من الكُتَّاب الرِّوائيين مع منتصف التِّسعينات وبداية الألفية الجديدة، وهو جيل مختلف تمامًا ومواكب لمستجدات العصر الرَّاهن، لا يهمه سوى التَّعبير عن همومِه ومآسيه، جيل أكثر اقتراب من نفسه، وبِغضّ النَّظر عن ما له وما عليه، إلا أن أهم ما شَهِدَه هذا الجيلُ هو اصطدامِه بالجيل الذي سبقه، جيل الٱيديولوجيا وأقلامه الذين وصفوا كتابات الشَّباب بـ”الاستعجالية”، أو “كُتَّاب شهادات”، ومنذ ذلك الحينِ بدأت الصِّدامات وحرب الأجيال تُلقي بظلالِها على الرِّواية الجزائرية، أي بمعني آخر، منذ (الكتابات الإستعجالية) إلى غاية (زناة التَّاريخ) وما تزال كذلك .

س 4/
   في معرض حديثِكم عن التَّجربة الرِّوائية (المُعرَّبة) ببلادنا وحداثتها، تطرقتم إلى الأسبقية الزمنية للرِّواية الجزائرية المفرنسة.. كناقد ثقافي وإعلامي، -ماهي في اعتقادكم- أهم العوامل التي ساهمت في ذلك؟
 
ج/ نعتقد أن أهم الأسباب التّي ساهمت في أسبقية الكتابة الرِّوائية باللغة الفرنسية على نظيرتِها العربية تتلخص في الخُصوصية الإستيطانية للإستعمار الفرنسي، والذي يركِّز على عنصر “الثَّقافة” في مستعمراتِه، ويحاولُ طمسَها بكلِّ ما أوتي من إمكانياتٍ ووسائل، ويتجلى ذلك محاولاتِه للقضاءِ على الهوية الجزائرية، والتي تُعتبر اللُّغة العربية إحدى أهم مُحدداتها، ما جعلها عُرضةً لمخططاتٍ الطّمس التي لازلنا ندفع ثمنَها إلى وقتنا الرَّاهن، وقد كان لذلك أثرٌ عظيمٌ على المستوى الثَّقافي بشكل عام، والذي أضحى مُشوًّها بفعل المخططات المتواصلة للتغريب ومحاولات الفَرنسة التي طالت المجتمع الجزائري، وقد أدى ذلك -في تلك الفترة- إلى ظهور أدب جزائري مُعَّرب لكنه ركيك التَّركيب والأسلوب، ومتميزٌ بـ”العجمة” في التّعبير، وأمام هذا الواقع الثقافي المُرّ لم يجد الكُتَّاب المُعربين خيارا سوى التَّوجه نحو أدب القصة القصيرة للتَّعبير عن الواقع والتَّكلم بلسان الأمة والمجتمع في تلك السِّياقات في غياب نماذج روائية جزائرية مُعربَّة ينسجون على منوالها، وفي ظل عُسر الاتصال بالرواية العربية أنذاك بسبب الظروف التي عاشتها الثَّقافة الجزائرية، وتركيز المشهد الثَّقافي الوطني على مقاومة الإستعمار الفرنسي والعمل وفق متطلبات الثَّورة، ما دفع أغلب المثقفين المعربين للإنحياز إلى الشِّعر بدل الرِّواية،  ذلك أنَّه وسيلة لبث روح الحماس والمقاومة في أوساط الشَّعب وصفوف الثّوار، ولابأس أن نذكر في هذا السِّياق شُعراء كبار ارتبطت أسماؤهم بتلك الحِقبة الزمنية أمثال “مفدي زكريا” و “محمد العيد آل خليفة”.. وغيرهم .
  أما الكتاب الجزائريين المُفرنسين، فَنسجوا على منوال رُواد الأدب الرِّوائي الفرنسي العريق والرَّائد أنذاك، وقد تَهيأت لهم فُرص وظروف الإطِّلاع على قامات الأدب الفرنسي منذ “أنطوان دي لاسالي” و “فرانسوا لابليه”، ومرورا بــ” جون بيار كامي” و” جون دو لافونتين” و “سيرانو دي برجراك” و “صموئيل شابوزيو” و “فرانسوا فنلون” و”كاثرين برنارد” و “نيكولا ماري”.. وكذلك استفادو أثناء دراستهم في المدارس الفرنسية من الإطلاع على أعمال أقطاب الأدب الفرنسي في القرن الثّامن عشر أمثال “أنطوان فرانسوا بريفو” و “برنارد دي سان بيير” و “بيير دي ماريفو” و “بيير شودرلو دي لاكلو” و “دنيس ديدرو” و “فرنسيس دي بوارنيه” و “فولتير” و “ماركيز دي ساد”.. ونظرائهم من أساطير القرن التّاسع عشر أمثال “ألكسندر دوما‏” و “أونوريه دي بلزاك‏” و “إميل زولا‏” و “جيل فيرن‏” و “ستندال‏” و “ڨي دو موباسان‏” و “فكتور هيغو‏” و “ماركيز دي ساد‏”.. أما رواد القرن العشرين، فقد عاصرو أغلبَهم وأهمهم “ألبير كامي” و “إميل زولا‏” و “جان بول سارتر‏” و”جيل فيرن‏” و “سيمون دي بوفوار‏” و “لويس فرديناند سيلين‏” و”مارسيل بروست‏” .
 لهذا دعني ألخص قولي بما قاله لرِّوائي  “جيلالي خلاص”: “الرِّواية الجزائرية نزلت متأخرة إلى عالم الإنسان وهمومه” .

س 5/
   بما أن علاقة الرِّواية بالٱيديولوجيا وثيقة، إذ أن الأدب وفنونه هو أحد أهم حقولها، كيف تجلى ذلك مع الرواية المُعرَّبة في السِّياقات الجزائرية ؟


ج/فعلاً، يُعتبر الأدب إعادة إنتاج للٱيديولوجيا وليس نتاجًا لها، فهي موجودة قبله، ثم أن الكتابة هي عملية تحويل للغةٍ وتشكيلِها، ومن هذا المُنطلق تقوم بتنظيمِ الآيديولوجيا لتتشكل فيما يسمى بــ “النّص الأدبي”. وعن طريق التَّصوير الأدبي” لتصير مرئية على حد تعبير “عمار بلحسن”، فالرِّواية -بمعنى بسيط- هي تجسيدٌ لتمثّلاتِ وأفكار ومفاهيم النَّاس عن نشاطاتهم وممارستهم وأنماط عيشهم.. لكن يجب أن نُفرِّق بين الٱيديولوجيا في الرِّواية، والرِّواية كإيديولوجيا! ففي النَّوع الأول تَكُونُ الٱيديولوجيا مُكوِّناً جمالياً، وهو ما طغى على الخطاب الرِّوائي الجزائري وليس في ذلك عيبٌ ولا نقيصة، أما في النَّوع الثاني فتتحول الرواية إلى وعاءٍ للخطاب الٱيديولوجي لا غير، وهنا نجدُ شيئاً قليلاً من الأعمال الرِّوائية الرَّكيكة التي غالباً ما سَعى أصحابُها لبلوغ مراتب سلطة أو هيمنة وتشريف من بوابة الإبتذال والتَّسفيه .
 لكن،  بصفة عامة يُلاحظ أن معظم الرِّوايات الجزائرية التَّأسيسة كانت مرتبطة بالإيديولوجية الإشتراكية كرؤية فكرية لتوجيهِ الفن وربطه بالتَّحولات الإجتماعية، وهو ما جَعلَ معظمها مرافقة لتوجهاتِ السُّلطة نحو الإشتراكية، وحتى روايات التّسعينيات سارت بنفس الإتجاه رغم تحول الجزائر من النظام الإشتراكي بعد سقوطه، إلى (شيئٍ من اللّيبرالية) بعد أحداث أكتوبر 1988، رُبما بسبب ما شهدته تسعينيات الجزائر من (عنف) .
لا يُمكن الحديث عن الحضور الٱيديولوجي في الرِّواية الجزائرية دون فهم علاقة الأدب بالواقع، أي علاقة السُّوسيولوجي بالفني، فالرِّواية الجزائرية كانت بمثابة أعمال فنية تحملُ عناصرَ متَّصلة ببعضِها من خلال مواقف ٱيديولوجية سياقية قريبة من الحياة الاجتماعية، والخطاب الرِّوائي عندما يحملُ أبعادًا ٱديولوجية يُضفي عليها أبعادًا فنية وجمالية تخدمه في بناءه، وهو ما حدث مع الرِّواية الجزائرية التي نشأت مُتَّصلة بواقع سياسي مضطرب، وكان الموضوع الغالب عليها والمُتحكم في مضامينها هو السِّياسة وقضايا الإستعمار وما بعد الإستعمار، ويمكن القول أنَّه من المحتوم على الروائي في هكذا ظروف أن يتخذ موقفاً سياسياً ويتبناهُ في أعمالِه، وهذا ما حدث لِجُلّ الرِّوائيين الجزائريين الذين حَمَلُوا على عاتقِهم مسؤوليةَ المُساهمة في مُعالجة قضايا الأمّة والمجتمع بواسطة فن الرِّواية، ما جَعلَنا في فترة الإستعمار وإلى غاية الثمانينات أمام نُصوص روائية تسيطر فيها المضامين على النُّصوص في ظل أنظمة سياسية توظِّف النَّص الأدبي لصالحِها. ثم بدأت بوادر الخطاب النَّقدي الذي زاد من تسييسِ الأدب الجزائري بٱيديولوجيات منها الوطني ومنها المستورد، ونتج عن ذلك تحوُّل النَّص الرِّوائي الجزائري إلى نصٍّ يرصد الصِّراع الٱيديولوجي الحاصل في المجتمع ليكتبه قبل أن يتفنن في التَّعبير عنه، وبلغ ذلك ذروته في بداية التِّسعينات إِذ أضحت الجوانب اللُّغوية والفنية مُغيَّبة تقريباً في الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، رغم أنها الأصل في عمل الرِّوائي، ثم تأتي القضايا والآيديولوجيات والهموم السِّياسية والإجتماعية. فالرِّواية الجزائرية منذ العشرية السَّوداء بدأت تهتم بالمضمون مُهملةً شكلها أيَّما إهمال، وذلك بجيلٍ جديدٍ أسيرٍ لهمومِه ومآسيه .

س 6/
من المؤكد أن النَّقد الأدبي يساهمُ في ترقية الأدب عموماً وفن الرِّواية على وجه الخصوص، كيف تُقيِّمون واقعَ هذا النّشاط الأدبي الهام ببلادنا راهناً؟


  ج/سؤال مهم جدا، والحق أنه يذكرني بفقرة قرأتها للرِّوائي والإعلامي والنَّاقد “حميد عبد القادر” في كتابه “الرّواية… مملكة هذا العصر” إِذ يقول: “كل رواية لا تنال نصيباً من النّقد، ولا يلتفت إليها الدارسون، فمصيرها النّسيان، ستظل تراوحّ مكانها، ولن تصيرَ نصاً جديراً بالاهتمام، كما لو أن النَّقد من ينفخ روحاً فيها، بالمقابل فإن النقد ليس سيداً، لم يشف من سقطاته، لم يتخفف من نرجسيتِه ومن خوفِه في السّير على أراضٍ جديدة، لذلك سيظل أشبه برجلٍ مريضٍ إذا لم يتحلى بما يكفي من جرأة. وفي القرابة بين الرّواية والنقد الجريء تكتملُ دائرة مُهمة من دوائر الأدب” .
 وتأسيسا على ذلك، دعنا نؤكد أن الجزائر كانت مع بداية القرن الماضي قِبلةً للمثقفين من شُعراء وكُتَّاب وفلاسفة ومفكرين وفنانين، لكنها لم تحافظ على تلك الأعراف ولم تَستفِد من تأثيرِ هؤلاء القامات على الواقع الثَّقافي بالجزائر، وشهد المشهد الثَّقافي ببلادِنا بعد حرب التّحرير تقهقرا كبيرا جرَّاء العزلة التي شهدتها السَّاحة الثقافية، كما ساهم الجانب الأكاديمي في ذلك إذ لم نتمكن من إنتاج مدارس معرفية ومقاربات ونظرية ونقدية منذ الإستقلال، وكذلك الجانب الإعلامي إذ لم نجد صحافة أدبية مُتخصصة وتحت إشراف كُتَّاب ونُقَّاد أكفَّاء، نقول ذلك بكل تحفظ إذا علمنا أن هذا النَّشاط الصِّحفي المُتخصص كان له حضور نسبي بعد الإستقلال وإلى غاية الثَّمانيات، أي حين كان المشهد أكثر حيوية، ولئن كان مرتبطاً بالمقاربات النظرية التّقليدية، إلا أن نشاط النُّقاد الجزائريين كان دؤوباً ومتواصلاً ومواكباً للإنتاج الأدبي الصَّادر حينذاك، كان نشاطا لا يقوم فقط على تقييمِ وتقويمِ النُّصوص فحسب، بل تجاوز ذلك واستحال إلتزاماً وطنياً يستهدفُ بناء هوية أدبية جزائرية قائمة بذاتها، وتنمية الشَّخصية الثَّقافية الوطنية ببلادنا، فساهم في مقاومة الجهل وتجاوز الإستعمار، وقد بدأت بوادر نهضة ثقافية تلوح في الأفق عززها التَّلاقح الثقافي الذي ساهمت فيه زيارات القامات الأدبية الكبيرة من شعراء ونقاد وفنانين للجزائر في السّتينات والسّبعينات، فألقوا المحاضرات الفكرية وأحيوا الأّمسيات الشّعرية والنقدية الأدبية وكذلك الحفلات الفنية، نشاطات ثقافية صنعت مَناخاً ثقافياً مُنتجاً وثرياً تشهدُ عليه الجامعات أنذاك، وكذلك قاعة الأطلس، والمسرح الوطني، واتحاد الكتاب الجزائريين.. نقول ذلك ونحن نفكر في زيارات “محمود درويش”، و “عبدالوهاب البياتي’، و “نزار قباني”، و “فريد الأطرش”، و “محمود أمين العالم”، و “محمد مهدي الجواهري”، و “يوسف إدريس”، و “يوسف السباعي” و”سهيل إدريس”، و “سليمان العيسى”، و “خلدون الشمعة”، و “حسين مروة”.. وآخرين، وقد شاركهم ندواتهم النقدية أُدباؤنا من جيل حرب التحرير وجيل الاستقلال على حد سواء، وتفاعل معها الإعلام الوطني أنذاك ممثلاً في جريدة الشّعب، الجمهورية، النصر، ومجلات المجاهد الأسبوعي، والجيش، وآمال، والثقافة والثورة، والوحدة.. وذلك ما نفتقده في وقتنا الراهن مع كل الأسف! فبالرغم من العدد الكبير من الجرائد والصُّحف اليومية والأسبوعية والمجلات الأسبوعية والشّهرية التي تصدر ببلادنا مقارنة بالفترة سالفة الذكر، إلا أن النَّقد الأدبي بقيَ عقيماً وحبيساً للفضاءات الأكاديمية التي دأبت على اجترار النَّظريات والمُقاربات العلمية، فضلاً عن عوامل أخرى ساهمت في عرقلة تطور النَّقد الأدبي والدراسات الثقافية ببلادنا، وكذلك حالت دون تأسيس نقد أدبي جزائري متفرد على شاكلة بعض الدول الأفريقية -على سبيل المثال لا الحصر-، إذ نُلاحظ ونحن ندرس الحركة النقدية في بلادنا بتمعن، تنوع المناهج النقدية المُطبقة في النقد من قبيل المنهج التحليلي، المنهج النفسي، المنهج التاريخي، المناهج اللغوية واللسانية وتحليل الخطاب، المنهج الجمالي، المنهج السُّوسيولوجي.. وهذا وإن انطوى على بعض الإيجابيات في بعض الأحيان، إلا أنه يخلق خلطاً وتداخلاً يؤثر على العملية النقدية بالسَّلب في أحيان أخرى .
  ينبغي أن نعترف بأن تطوير النَّقد الأدبي لا يمكن أن ينجحَ ما لم يتقدم المجتمع ثقافياً واجتماعياً و اقتصادياً وكذلك في أساليب الإنتاج وأنماط العيش والتَّفكير، فتخلُّف البنية الثَّقافية في بلادنا أثر بقوة في إضعاف النقد الأدبي إذا علمنا أن هذا الأخير يتأسس على العلم والمعرفة المنتجة والفكر الموضوعي، فضلاً عن مختلف أشكال التَّطور التّقني والمادي والسُّوسيولوجي.. لكن في وضع ثقافي جامد وراكد يبقى النقد الأدبي يراوح مكانه،  مؤثرا ومتأثرا بالبنية الثقافية الوطنية التي يغيبُ فيها العقل والفكر والإنتاج الأدبي الإبداعي والذوق الجمالي في مجتمع يعاني من مشاكل القراءة والمقروئية على حد سواء . 

إجمالا لقولنا، دعيني أؤكد أن النقد الأدبي في الجزائر يعاني كثيرا، سواء على المستوى المعرفي، أو مستوى قيميته في المجتمع كضرورة حضارية لإنتاج المعنى والرمز والذوق والجمال، فمجتمعنا يُرادف بين النّقد والإساءة الشّخصية، وفي غياب النّقد  أُتيح للرّداءة أن تفرخ المزيد من النّّصوص الشّاذة المنفلتة مضمونا والرديئة شكلا. لا ننكر وجود كفاءات نقدية مهمة ولكن تبقى جهودها فردية، في غياب مشروع نقدي نهضوي متكامل، تتبناه هيئة علمية تابعة لوزارة الثقافة ومنسقة مع مؤسسات البحث العلمي.

س 7/
أخيرا، ماهي أهم رِهانات الأدب الجزائري والرِّواية المعربة على وجه الخصوص مُستقبلا؟ 


  ج/لاشك أن الأدب الجزائري -شأنه شأن غيره- ما هو إلا انعكاس للرَّاهن بأسلوبٍ فني إبداعي، لذلك يجب أن يواكبَ المستجدات، وينغمس في التَّحولات التي تشهدها بلادنا في جميع المجالات، تماماً كما فَعلَ في مختلف الحِقب الزمنية، وخاصة حقبة العشرية السَّوداء والنُّصوص الرِّوائية المّسماة “أدب المحنة”، والذي عالج الحرب الأهلية والعنف وأسبابه وجذوره، فأدب تلك الفترة بَرَعَ في تفكيكِ إشكالية الإرهاب كأزمة تحصلُ في السِّياقات الإسلامية والعربية كلما اصطدم الفكر والسلطة، فحتى “ابو حيان التوحيدي” كل مثقفي عصره، وأبرز رُواد الأنسنة في السِّياقات التَّاريخية العربية والإسلامية، قام بإحراقِ كتبه كتعبيرٍ عن خيبة أمله بسبب علاقتِه المتوترة بالسُّلطة السِّياسية .
كذلك يجب أن يتصدَّر الواقع الثَّقافي والفعل الثَّقافي لائحة رهانات الرٌّواية الجزائرية في وقتنا الراهن، وذلك بمساندة المثقف الجزائري الذي يُعاني من مِحن والإغتراب والإنتماء وعدم الإعتراف وصعوبة تحقيق الذات، ويتم ذلك باستثمار ما يتمتّعُ به الرِّوائي الجزائري من حرية في التَّعبير مقارنةً بما كان عليه الأمر في أوقاتٍ مضت، أو في مجالات أخرى كالصِّحافة والنَّشاط الإعلامي عموما، والذي يعاني من مقص الرَّقابة والتَّضييق على الحريات أكثر مما يحدث في مجال الأدب إلا إذا استثنينا الرقابة على مؤسسات الطباعة و النَّشر .
و أخيرا وجب على الكُتَّاب والرِّوائين العمل على خلق قارئ فعّال وواعٍ وذوّاق، كما يجب عليهم التَّحلي بالشَّجاعة والموضوعية لأن الرِّواية فضاءٌ رَحْب لقول كل شيء وعن أي شيئ بدون أي قيود في التَّفكير و التَّفكيك، أو محدودية في الطّرح والبوح، وكل ذلك في سبيل الأمة والمجتمع.