القراءة النقدية بين التباكي و الرفض.
النقاد بين جرح المشاعر و قوة الكلمة.

القراءة النقدية تعتبر من القراءات التي تهدف الى إيجاد فهم عميق للمعلومات المقروءة، سواء كانت خيالية أو واقعية، وتتضمن عملية تحليل وتقييم النص المكتوب والتأمل في القراءة، ويطبق القارئ في القراءة النقدية عمليات ونماذج وأسئلة ونظريات معينة تؤدي إلى زيادة الوضوح والفهم، لتشكيل فهم عميق، بالإضافة الى أنها عملية تحليل وتقييم النصوص الأدبية والثقافية والفنية، بغرض فهم أعمق للمضمون والرموز والمفاهيم التي تحتويها. يتضمن هذا النوع من القراءة تقديم الانتقادات والآراء المبنية على أسس منطقية وتحليلية، وتحديد نقاط القوة والضعف في العمل، وتقديم رؤى جديدة أو مفاهيم متعددة للعمل الفني.
فمهارة الناقد تمثل القدرة على التقييم و تحليل المصادر و النصوص بشكل نقدي عميق أما الهدف منها هو المساعدة في التقييم و الفهم و تحديد الثغرات الموجودة.
القراءة النقدية تعتمد على تحليل العناصر الأساسية في النص مثل السرد والشخصيات والموضوع والأسلوب والهيكل، وكذلك توظيف النقد الثقافي والنقد النسوي والنقد السياسي والنقد النفسي لفهم أبعاد مختلفة من النص وتقدير قيمته الفنية والثقافية. تعتمد القراءة النقدية على مهارات التحليل النقدي والفهم العميق للنصوص، ويمكنها أن تسهم في إثراء الحوار الثقافي والأدبي وتعزيز فهمنا للعالم من حولنا.
فالقراءة النقدية للكتاب تشمل تحليل مختلف عناصر النص، مثل السرد، والشخصيات، والموضوع، والأسلوب، والبنية، بغرض فهم عميق للرسالة التي يحملها الكتاب ولتقدير قيمته الأدبية والثقافية. يمكن أن تتضمن هذه العملية تحليل الخلفيات التاريخية والثقافية التي أثرت على النص، وتقديم الانتقادات والآراء المبنية على أسس منطقية وتحليلية. الهدف من القراءة النقدية للكتاب هو توسيع فهم القارئ وتعميق تفاعله مع النص، وتقديم رؤى جديدة ومفيدة حوله.
فبعض الكتَّاب ممّن يثقون في ذوق الناقد، يقدمون نصوصهم الأدبية بين يديه بهدف تثمينها وتصفيتها و إخراج العلة منها، فالناقد حين يطّلع على العمل الأدبي قد يجد مشكلات في اللغة والأسلوب، أو أخطاء في النحو والصرف والإملاء وحتى البلاغة، سببها في الغالب عدم امتلاك الأدوات الفنية والتقنية الكافية،او عدم الاطلاع الكلية على التقنيات و الاساسيات الأدبية للكتابة وأحيانا غياب الذوق الفنِّي في الكتابة الأدبية.
 كل ذلك يضطرُّ ناقدَ هذه الأيَّام إلى استخدام المواربة لتبليغ خلاصةِ رأيهِ لصاحبِ النَّص، تفاديا لأي مساسٍ بمشاعرِه المرهفة (على حد قوله!) أو الحطِّ من قدره هذا ما أصبح يشعر به النقاد اقناء مراجعتهم للكتب فأصبح من الصعب عليهم تقديم القراءة النقدية تنجيما على شكل ملاحظات طفيفة.. لأنَّ تقديم الانتقادات دفعة واحدة مدعاة لرفض الكاتب النقدَ الموجه إلى نصه بالكليَّة لان هذا الفعل لا يشعره بالراحة و يجعله يتدمر منه و تحت عنوان النقد الكابوس المخيف، تم ترويج فكرة خاطئة في العقود المتأخرة حول دور النقد الأدبي ومهمته في خدمة الأدب وتطوير أساليبه وتحسين أجناسه وترقيتها. تم اعتبار النقد عملية تهدف إلى هجوم على الكاتب والانتقام منه عن طريق التقليل من قيمة ما كتبه. ومع انتشار هذه النظرة السلبية تم ظهور مصطلحات مثل “سلطة النص” و “موت الكاتب”، مما يشير إلى تغيير جذري في المدارس القديمة للنقد الأدبي التي كانت تعطي الأولوية للناقد على حساب الكاتب. وبالعكس، تم تمكين الكاتب ووضعه في مكانة مرموقة بغض النظر عن مستوى كتابته أو أسلوبه أو لغته أو إبداعه الفني.
تسببت هذه الحملات الظالمة في تراجع الكتاب، بمختلف فئاتهم، عن تقديم أعمالهم الأدبية للنقد أو استشارة الناقد أو قبول توجيهاته. يتجنبون أي صدام بينهم وبين الناقد، ويحاولون تجنب أي رأي قد لا يساعد في انتشار وانتشار النص بين القراء. لاحظنا في كثير من الأحيان كيف يستهزئ بعض الكتاب والشعراء بالنقاد فقط لأنهم قدموا ملاحظات حول اللغة أو الأسلوب أو الإملاء. يجب على الكاتب المخطئ -خاصة إذا كان شابا- أن يستفيد من أي ملاحظة على نصه، خاصة إذا كانت من ذوي الخبرة والكفاءة الأدبية واللغوية. على الرغم من أن هذه الآراء قد تكون قاسية وظالمة في بعض الجوانب، إلا أنها تعكس شعورا بالمسؤولية تجاه اللغة وغيرة على الأدب.
فإذا وضعنا الناقد في ميزان من أجل الاتزان فقد يكون ما يعابُ عليهم جعلوا “القراءات النقدية” مسرحَ عَرْضٍ للتقريظات، وساحة فرجة لإنشاد المدائح و تهليلات و تبجيلات و حتى غزلاً و تغزلاً يسوده دعماً و تلاعباً و أصبح حتى تفننا بما لم يقدم من الاساس، حتى وُجِدَ فيهم من كتب في حقِّ شاعرة: “نصُّكِ جميل.. وإن لم أقرأه”! فهذا يريد الغزل لا النقد!..

أيعقل أن يتوهم الناقد أن النص المكتوب جميل و هو لم يقرأه أصلاً أ أصبحت ألعاب العقل مرتبط حتى بالآدب، ناهيك عن تلك القراءات النقدية التي لا تتجاوز في تحليلاتها “الميتو-نقدية” (أي النقد الكاذب) صفحات المقدِّمة! فمن جهة المصارحة نقول إنَّ هذا الضرب من النقاد قد أساؤوا للأدب كثيرا، برضوخهم لأهواءِ الأدباءِ ونزواتِ الشعراءِ، ونثر الزهور و مجاملة مَن يستحق ومَن لا يستحق، ضاربين صفحا عن الجانب السوداوي في النصوص المعالجة، لتغدو القراءة النقدية عندئذٍ مزيجا من الإطراء والمغالطةِ والكذب.
مهما قيل عن دور “القراءات النقدية” في الأدب وتأثيرها الكبير في توجيهه وتقويمه، إلا أنها تبقى حلقة أساسية لاكتمال الدورة الإبداعية التي تضم الكاتب والقارئ والناقد. في ظل الوضع الثقافي الحالي، يعد الناقد ضروريا لفصل الزبالة عن الذهب، واختيار الأفضل من السيء، يمحِّصُ الغثَّ من السمين وتصفية الأفضل من الأسوأ. مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة عدد المدونين والكتاب، هل نحن جاهزون حقا للتخلي عن الناقد وتجاهل دوره في الساحة الأدبية؟ هل يمكن التخلي حقا عليه ليعبث العابثون في أدبنا ولغتنا التي تحمل أسم لغة الضاد بكل حرية وأريحية ما شاء لهم أن يعبَثوا؟ أم أننا سندرك أهميته لأن “من أمن النقد أساء الأدب”؟

في الأخيرة يمكن القول أن النقد هو تقنية و ميزة تحاول غربلة الأفكار و تطويرها و بلورتها في قالب يصلح لمجتمع القراء أما الناقدين المعاصرين كلهم تجردوا من حيثيات النقاد القدامى اذ أصبح الكل يردد و يؤمن بفكرة من ليس معي فهو ضدي و يسرح بفكره عمن سواه.

بقلم الصحفي يعيش عبدالباسط