الأزمة!
الثقافة مربط الجهات والوجهات حيث أنها الأرضية الفعلية التي تجتمع تحت جناحها كل المنظومات مرغمة، كما هي أوكسجين الأفراد أين تتنفسها الأمم لتفتل لها خط سيرٍ للأفق وتتخذها سياق الحياة.
هذه الأخيرة التي يجحفها حقها تعريفها لغوياً بل يعرفها ويصفها مفهومها، هل هي فعلاً في آنها بحالتها الصحية التي تسمح لها بإفراز ما يصب في التعايش وبناء فكري مجتمعي يقود للنهضة ويدفع لصناعة الحضارة التي تجعل المجتمع يفخر بما قدم، ويتباهى بمستواه ويشعر الفرد بسموه وارتقاءه من خلال التشبع بها وتعاطيها من الممارسة…
يُجبرنا هذا على استقصاء الحقيقة من واقعها الفعلي ويفرض علينا أن ندرك ونفقه شكلها واستيعاب مفهومها ونرى ما يحصل لنضع المشهد في كفةٍ ونضع الثقافة في الكفة الأخرى على ميزان الوعي لنحصل على الإجابة من فم القناعة بدون ميولٍ وانحيازٍ بعيداً عن العاطفة والسطحية
فكمية التفاهة والرداءة مع السطحية والهشاشة من خلال الممارسات والسلوكيات تعكس عقلية التفكير وترسم الذهنية السائدة على الساحة التي تنبثق من المجتمع ومقارنةً بمفهوم الثقافة الصريح نجد أن الحشود ماضيةٌ في هذيانها خارج المبتغى في معزلٍ عن المغزى والحاصل يُناقض الفكرة!
وهذا ناتج لتعرض الثقافة لعملية سطوٍ ضخمة في وقتٍ ما..
وبما أن المعلوم أفلح في الانحراف بها حيث وفر لها وقتاً ليفكك معادلتها ويعيد سياقتها، ويشكل من جديدٍ ملامحها وفق رؤاه ليصدرها خالية القيمة، مُفرغة المفهوم ومشوهةً فاقدة المعنى، أما القصد ضل واضحاً.. دفع النُخب والممارسين نحو الهشاشة.
وبين أمس الثقافة وحاضرها تكمن الفجوة، فالأخيرة مفترق الكلام ومسرح الجريمة، ذلك الفراغ الذي أُحدث عمداً أين تم اغتصاب المصطلح لغةً ومفهوماً أمام أنظار الجمع الذي قابل الكارثة بالصمت والرضى وتم التنكيل بالدلالة والأم الفكرة، ومنه تمت سياقة النظرة العامة التي نبصرها اليوم عن كثبٍ
أكيد أن استهدافها وضربها في الصميم ما يجعلنا نراها الان شكليةً مبطنةً ومميعة، تسير بخطى عرجاء نحو حتفها على الهوامش.. طبعاً هذا الحال هو نتيجة حتمية لا مفر منها فهي صنيع أصحاب القرار ولا لوم يقع عليها، باتت المجهول ضحية المعلوم
في واقع الأمر لم يكن استهداف الثقافة ذاتها هو الأهم، بل استهدافها ضل يدل على أنها الوسيلة الرئيسية التي من خلال السطو عليها وهدمها سيقود الى خلق الأزمة ويفضي لإصابة الهدف الحقيقي في العمق وإلحاق الخلل به والأذى، فكان الهدف المثقف ذاته! روادها ومن تبنى أفكارها
العملية ببساطةٍ عكسية..
السطو على الثقافة وهدمها مع إعادة سياقتها مشوهة ومقزمة ومنه تصديرها بحلتها الركيكة كثيرة العيوب، عديمة العمق مقطوعة الأبعاد فاقدة القيم.. ليتشبع بها الجمع ويدمنها يجعلهم يمضون وفق رؤاها وفي خط سيرها الموضوع مسبقاً والمدروس بعناية ومنه سيتناقلها ويورثها الممارسون بطريقة عفوية غير مباشرة جيلاً بعد جيل سطحيةً معاقةً هشةً غير قابلةٍ للبناء وتقديم الصحوة والنهضة ومع استمرار العملية يكون راعي المشروع قد ضمن بكل راحة المكسب!
وللوصول الى النتيجة المرجوة تطلب الأمر خطوات مدروسة بعناية ومنهجيةٍ وإيديولوجيات شرسة تعتمد على سرعة التنفيذ وقابلية التضليل.
فبعد تفكيك الثقافة وتحريرها من كل مكوناتها الفعالة ومميزاتها المثالية واستبدالها بأخرى شكلية مقزمة كان واجباً تغيّيب الوعي وتحطيمه وعزله ومع هذه المرحلة أصبح لزاماً التضحية بجيلٍ كاملٍ ضل مرتبطاً بتفاصيلها ومتشبع هو الأخر بفكرها ومفهومها ومقتنع بجمالياتها مستوعب ومدرك لعمقها وابعادها..
فتم مع إعادة تشكيل النسخة المقزمة لها إنجاب مثقفٍ مرتبط بها هو الأخر صُنع في إثرها ليناسبها, بخصوصيات تتماشى وطرحها وبرؤى تنحصر ضمن حدودها قصيرة المدى وهذا ما ينعكس حالياً في الساحة عموماً ويساهم بمشاركته في إنتاج مشهدٍ هش وهزلي, سطحي أدى في أخير المطاف الى خلق فوضى ممنهجة في الأصل لأنها تنتمي لنفس المعادلة.
من أخطر إفرازاته
صناعة حشود أتقنت الركض في الفراغ بعدما اقتنعت بلوك الثقافة الدخيل واختزاله في الفنون فقط، كالأدب والموسيقى والفن التشكيلي بأنواعه.. لتغلق الأقواس وتقبع في ممارسة عادتها التي ورثتها مجبرةً التصفيق لأي رقصةٍ دون فهم العرض فحاصرها الفشل من كل الجهات والركود تقودها نرجسيتها الى قمم السقوط.
وميلاد الأنا الملتصقة باللقب مع الاهتمام بالشكل وإهمال المحتوى والمضمون.
ضحايا أنفسهم.. من استدرجتهم الإيديولوجيات الهدامة التي ركب الممارسون صهوتها بكل سذاجة وقادهم جهلهم في اللاشعور لتشكل بهم سلاحا يهدم المجتمعات وعبيداً بجيوشها، فكلما مارسوا ابتعدوا في المجهول وازدادوا ضياعاً في الظلمة.
سقوط الأكاديميين الحر إذ عَجْز أفكارهم وجفاف أقلامهم شكل لهم العائق وخلق العقدة الأم حين تمسكوا بما اكتسبوا وهم يتدرجون في مراحل التعليم وأعدموا سُبل البحث وميزة التقصي خارج دائرة المدرجات والأقسام وأهملوا ما قال الأستاذ الكبير علي الوردي” أن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة لا تنتظر منه أن يكون محايداً في الحكم على الأمور.. إن معتقداته تلون له تفكيره حتماً وتبعده عن جادة البحث الصحيح” ففي غياب الحلول ربطوا شهاداتهم العلمية بالثقافة لدوافع شخصية في ضل عدم القدرة على التغيير والتأثير ومع الوقت نصّبوا أنفسهم الوصي على مشهدها وحولوها لإرثٍ عائلي يعملون بتوارثه بحكم المعلومة والاسم مع الانتساب!
سطو الإداريين على المشهد والتحكم بزمام الأمور وتمكنهم من فرض ذهنيتهم ورسم الحدود والطريق وحيازتهم على ميزة تزكية الاسم ودفعه بفتح الأبواب له أو تهميشه وركنه خلف الستار في الحلكة.
غياب الوعي من ضعف الفلسفة والإلمام بها وحتى التجربة جعل الجمع يستغني عن الية البحث وميزاتها ويكتفي بالتلقين فكان الناتج صناعة ممارسين ضاعوا عبثاً في الساحة ، الكل يصرخ بما تمليه عليه الظنون ولا أحد يهتم.. فقط الجري خلف المكتسبات الشخصية بدون النظر للطريقة وبدون شخصية, ولأن الإشكالية نفسها فلسفية و الأخيرة أم العلوم فضعفها يأدي بالمقابل الى ضعف فكري وبدون التمكن منها نتيه ونفقد الوجهة وتنعدم الرؤية ومعها الطريقة والطريق معاً.
لذلك تم بامتياز إجهاض الساحة بصناعة مثقفين من غير ثقافة، ففاقد الشيء لا يعطيه .. تماما بات الممارسون يمارسون بذمة العشوائية حين غاب المفهوم والعمق معاً.
في ظل هذه الفوضى العارمة تم التنازل عن جوهر الثقافة من قيمٍ وأخلاقٍ والمبادئ والمصداقية وباتت المنافسة غير شريفةٍ ولا نزيهة وتغيرت مقاسات الحكم على النجاح، حيث في إثر الوضع نمت التكتلات التي كل واحدةٍ منها تصنع قطب الصراع وبات الوصول وفق المحاباة، والمحسوبية سلاح وتعالت الأصوات وفتحت المنابر للتفاهات وكرم أحاب الرداءة بوسام.
مشهد يُبكي في واقع الثقافة اليوم حين رأى أصحاب القرار أن الأهمية للكمية والأرقام وديست الجودة مع الأفكار بالأقدام لتكون في حاضرها الثقافة الضحية الأولى للكل والضحية الثاني.. المثقف الذي لازال يتنفس الثقافة الأصيلة ليبقى على موعدٍ مع الحياة والبناء، التي تبناها من الفكرة الأم.. إذ في كمية الرداءة الكثيفة والفساد وهذا العبث القائم على قدمٍ وساق يصبح الخطأ، بل نقيض الحاصل والمحيط
أكيد سيكون غير مرغوبٍ فيه وفي طرحه ليجد نفسه محاصراً بين الواقع والظروف..
فإما الاعتزال أو المواصلة وتحمل الضرر البليغ..
بعمق المشهد يفرض علينا نفسه السؤال
– أحقاً باتت الثقافة غريبةً لهذا الحد!؟
مع أن تعريفها المُبسط واضح وجلي، سهل الفهم
” فهي من أبسط سلوك وممارسة الى الحضارة”
في الواقع المشهد يفضحنا علناً لأن الحقيقة تخاطبنا جهاراً وتقول:
هذه الحشود التي لسنين تمارس وتدعي المثالية وتصرخ بالوصاية عن الثقافة من مقامها إن كانت حقاً على صواب وتملك فعلاً ثقافةً حيةً أفرزت لها فكراً يصلح للبناء فلم نبصر واقع الشعوب وهم معهم تزامنا مع ممارستهم يزداد انحلالاً وتفككاً وانكساراَ
بل هو يتدهور حالاً ماضٍ يتراجع فراراً للخلف نحو الجاهلية!
-ألا يدل هذا على أنه هناك خلل وعطبٌ ما في الفكرة!!
ولكن الكل مصرٌ على إدارة نظره عن المشهد كأنه لم يكن ويتقدم ليواصل المشوار.
لنتأكد أننا نجحنا نجاحاً مبهراً في إنجاب قطيع ألصقنا به الصفة عنوةً فاقتنع أنه مثقف فوق العادة بعدما قمنا بنفخ أسمائهم، في الأصل هم مثقفون بدون ثقافة تم ضرب وعيهم ماضون بدون تفكير ولا بحث عن الحقائق أهدافهم سطحية شخصية لا يفقهون الصالح العام، كل واحد وركض في دربٍ وراء مكانة اجتماعية والأخر خلف الظهور والتعال ومنهم من كان همه العملية التجارية و..، فبدل أن يكون المثقف مؤثراً ليتمكن من سياقة الفكر الجمعي سقط ضحية السذاجة وتشقلب ليصبح متأثراً فانساق وهو رخوٌ نحو الهشاشة.
ولم تكلف نفسها الحشود للبحث عن الأعطاب والسعي محاولة تصحيحها بل شكل الكل بمشاركتهم الفوضى العارمة لأنه ببساطة تم قبول الحال في عملية العرض والطلب فالوضع كما هو يخدم الجميع في موضعه، فقد بات سهلا الوصول بدون مستوى أو عناء لكل طريقةٌ ما للظفر بالألقاب وتحقيق المغنم والمكسب.
وفي ظل هذا كنا قد قمنا بأبشع جريمةٍ وهي تشويه الثقافة الأصيلة وعاقبنا بكل أنانية أجيالاً وحرمناها من روعة الاستمتاع وجمالية البناء ورضينا أن ندمر أنفسنا ذاتيا وتلقائيا ولا نحتاج الان لأعداء.
ومنه تحولنا بامتياز من وضعٍ لآخر..
انتقلنا من أزمة الثقافة.. الى خلق ثقافة الأزمة!
بقلم الكاتب خليفة عبد السلام


