لناب المعقوف في الفضاء العام … في محادثة جانبية بيني وبين صديق يشغل منصب مسؤولية قطاعية وهو السياسي المُفوه السابق تطرقنا لإشكالية الحضور في الحياة العامة، وكيف تدحرجت أدوار بعض ممثلي الشعب والمجتمع المدني في بلدنا اليوم من الفِعل السياسي إلى مشاكل الجِوار وحُفر الطريق، وإذ بمحادثتنا تتوسع وتتنوع بحكم بُعد صديقي عن مقر إقامتنا حيث لفت إنتباهي مُصطلح قدمه لي على طبق من ذهب (جماعة الناب المعقوف) وهو الخطيب المُفوه والناري كما أسلفت سابقا..

في منطقتي تُطلق عبارة صاحب الناب على الإنسان المُتسلط الثرثري النافذ بلسانه وببيروقراطيته، ويتوطن أصحاب الناب المصالح الحساسة في الإدارات ومجموعات التمثيل المهنية المُرتبطة بدُنيا المال والأعمال، أما “الناب المعقوف” فهو كناية عن المغالاة في هذا التجبر والسلوكات الديكتاتورية على النفس والغير.

واليوم وفي ظل تكنلوجيات الإعلام والإتصال الحديثة وتمظهر فضاء عام إفتراضي يلتحف مشاعية المشاركة في الشأن العام كسمة بارزة، وجد كثير من المُنظمين تحت لواء “الناب المعقوف” ضالتهم في المواقع و”اللايفات”، فالخطابات المُتطرفة والشوفينية وتصاعد المد الشعبوي الملموس حاليا ودوليا هو قطعا نتيجة تمكن تمظهرات الناب المعقوف من المنابر، والظاهرة ليست مُختصة بإطار مكاني مُعين، فالسجالات بين الأحزاب العلمانية والدينية في الكنيست الإسرائيلي على سبيل المثال تُغني عن أي زيف ديمقراطي مزعوم، وكثير من الشاشات المُتلفزة أضحت تستضيف أشخاصا بدون “صلاحية نقاش” فقط من أجل رفع نسب المشاهدة بفعل “ترند” مُتوقع.

غير بعيد عن هذا السياق فإن عُقم الإيديولوجيات والطابع اللحظي الذي أضحى يعبث بالشأن العام في الحياة المعاصرة، قد أفرز تعاظم حضور أصحاب الناب المعقوف في دوائر النقاش داخل الفضاءات العامة ومعه بالضرورة وحتما مزيد من التفسخ والتميع في الأفكار والطروحات دون نسيان هستيرية الخطاب وتحوله لمعرض من الشتائم والعنصرية والهذر، ما سيجعل طرح “يورغن هابرماس” (الفضاء العمومي أركيولوجيا الدعاية بإعتبارها مكون بنيوي للمجتمع البرجوازي) -على ثرائه- نزقا فِكريا وفلكلورا شكليا ينهل منه أصحاب الأفواه البذيئة في مقابل غياب الحجاج والعقل والحِكمة اللازمة لتدوير الأفكار وتمييز النخب   

بقلم الصحفي إبراهيم جزار