الصداقة كنز انساني ورأس مال إجتماعي
بقلم الكاتبة نجلاء أحمد حسن

تعتبر الصداقة من أهم االكنوز التي تساعد على النهوض في العلاقات الاجتماعية وتحمي الصحة النفسية للفرد.ويمثل الصديق عمرا لصديقه كمساحة خضراء من السعادة والتفاهم والمحبة وداعمة لمواصلة الحياة بشغف لا ينقطع ، فهي من الظواهر الاجتماعية التي تنشأ عفوياً وتنتهي أو تمتد تلقائياً، وقد تنشأ في بيئات مختلفة مثل الدراسة او العمل او الاسرة او الرحلات الطويلة او القصيرة بازمنة مختلفة من حياة الفرد ، منذ مرحلة الطفولة وحتى ارزل العمر . بل صارت عقدا اجتماعيا مبنيا على حقوق وواجبات، ولكنها واجبات رمزية غير مادية، ونظراً لكثرة الدراسات الاجتماعية والنفسية عن الصداقة وتحولاتها، فإنها تكاد تكون علماً مستقلاً
وياتي تفسير ومعنى لفظ الصداقة في المعجم الوسيط صَداق: (اسم) الجمع : أصْدِقَةٌ ، و صُدُقٌ الصَّدَاقُ : مَهْر المرأة ؛ ما يُعطَى للزَّوجة من المال شرعًا ، (اسم) الصَّدَاقَةُ : علاقة مودّة ومحبةٍ بينَ الأصدقاءِ ،عُرى الصَّداقة : روابطها
وتعرف “موسوعة علم الاجتماع” الصداقة بأنها ليست مصطلحاً قرابياً، ولكنها تستخدم لإرساء علاقات اجتماعية منظمة، وأنها تتضمن نمطاً من التبادلية والالتزام بين أفراد ليس بينهم علاقة قرابةوهذا التعريف يتضمن وصف الصداقة بأنها علاقة إيديولوجية تحمل سمات العلاقة البيولوجية المتمثلة في الإخوان والأقارب.
وفي عام 2011 قد اقرت الجمعية العامة للامم المتحدة اليوم الدوليّ للصّداقة ،وهو يوم عالميّ يتمّ الاِحتِفاء فيه بالصّداقة لإدراك جدواها وأهميّتها بوصفها إِحدى المشاعر النّبِيلة الداعمة والقيمة في حياة البشر في جمِيع أنحاءٌ العالم. يحتفل العالم يوم 30 يوليو/تموز من كل عام باليوم العالميّ للصّداقة، واضعةً في اعتبارها أن الصّداقة بين الشُّعُوب والبُلدان والثقافات والأفراد يمكن أن تصبح عاملاً ملهماً لجهود السلام، وتشكل فرصةً لبناء الجسور بين المُجتمعات، ومُواجهة وتحدّى أي صور نمطيّة مغلُوطة والمُحافظة على الروابط الإنسانِيّة، واِحترام التنوُّع الثقافيّ
الصداقة كراس مال اجتماعي
وتعتبر الصداقة احد دعائم راس المال الاجتماعي ويعرف بوتنام رأس المال الاجتماعي بانه هو الركيزة الأساسية للعلاقات الاجتماعية ويتكون من مجموع الفوائد التي يمكن تحقيقها من خلال التعاون ما بين أفراد وجماعات مجتمع ما وتفاضلية التعامل معه.
(روبرت ديفيد بوتنام) أحد علماء السياسة الأمريكيين، وهو أستاذ السياسة العامة في جناح بيتر وإيزابيل مالكين في كلية جون ف. كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد)
وطوّر بوتنام العديد من النظريات والمفاهيم، منها نظرية اللعبة، ومفهوم رأس المال الاجتماعي، وبرغم أنه لم يكن الأول في تقديمه لهذا المفهوم إلا أنه صاحب النصيب الأكبر في تطوير المفهوم وتحليله، وقام بتطبيقه على الولايات المتحدة موضحا أن انهيار الحياة المدنية والاجتماعية والترابطية منذ ستينيات القرن الماضي، إنما يعود سببه بالأساس لتراجع رأس المال الاجتماعي، وهو ما عبر عنه في العديد من الكتابات
الصداقة عند ارسطو
هي علاقة قديمة قدم الزمن وقد تحدث العديد من الفلاسفة عن تلك الظاهرة الاجتماعية مثل ارسطو طاليس ” ان الانسان محتاج الى الصديق عند حسن الحال وعند سوء الحال ، يحتاج الى معونة الاصدقاء ، وعند حسن الحال يحتاج الى المؤانسة والى من يحسن اليه ، ولعمري أن الملك العظيم يحتاج الى من يصطنعه ويضع احسانه عنده كما للفقير من الناس يحتاج الى صديق يصطنعه ويضع احسانه عنده المعروف ايضا “
وظائف الصداقة
ومن الوظائف النفسية التي تقوم بها علاقة الصداقة خفض مشاعر الوحدة ودعم مشاعر الايجابية السارة والاسهام في عملية التنشئة الاجتماعية ، ومن اهم الامور التي تشبعها الصداقة حاجة الاشخاص الى الحد الادنى من التفاعل الاجتماعي ،بغض النظر عن اي مساعادات او مجهودات ايجابية يتلقاها الشخص من الاخرين يحقق مجرد اجتماعه بهم قدرا وافرا من الارتياح الوجداني في يوميات وظروف الحياة العادية .
اليات الصداقة لخفض المشقة وتقليل مشاعر الوحدة
وتزيد الحاجة الى الارتباط بالاخرين عند تعرض الفرد للمشقة او الشعور بالقلق والخوف وتكون واحة الصداقة هي الملاذ ،الذي يخفض مشاعر التوتر وعدم الارتياح، عن طريق تحقيق اليات مختلفة مثل المقارنة الاجتماعية ، والافصاح عن الذات والمساندة الاجتماعية، والمشاركة والمساندة بالميول والاهتمامات، وايضا المقارنة الاجتماعية مثلا ففي اوقات الازمات او تحت وطاة الوحدة تهتز الثقة الفرد بالنفس وفي قدراتهم على تحمل الضغوط او الظروف المعاكسة
وظيفة الصديق
أن ظاهرة الصداقة قديمة جداً، وقد أنتجتها ضرورة التفاعل الاجتماعي اليومي، وذلك لأن الصديق يملأ فراغاً كبيراً في الحياة اليومية لا يمكن أن يملأه علاقات القرابة ولا علاقات المصالح مثل العمل. وقد نتج عن علاقات الصداقة منظومة قيمية متكاملة مثل: حفظ السر، والوفاء، والثقة والإيثار، وهي قيم اجتماعية يبادر بها الشخص لصديقه بدافع الحب دون الرغبة في تحقيق مكاسب مادية، وفي المقابل نتج عنها قيم الخيانة واللؤم والاستغلال.
وهنا ياتي دور الصديق الذي يعزز مشاعر الثقة وينير الطريق بطرح المقارنات الاجتماعية لظروف مشابهة بهدف المساندة النفسة والوجدانية ، ولينأى بصديقه بعيدا عن خطورة العزلة والوحدة التي تحرم الفرد من الراحة النفسية التي يجنيها من مقارنة أرائه واتجاهاته ومشاعره بمثيلتها لدى الاخرين وقت الشدة بشكل خاص ، وفي نفس سياق المساندة يمثل الافصاح عن الذات والتعبير والتوضيح بالحديث عن الحياة اليومية والتفاصيل الشخصية بين الصديقين وله خمس وظائف ، التعبير الذي يخفف عن النفس عند الافصاح عن الذات والظروف الشخصية – والتوضيح – الذي يمكن الفرد من تقديم صورة واضحة عن ذاته للاخرين – والتصديق الاجتماعي وتنمية العلاقات الاجتماعية مع الاخرين يتيادل الافصاح عن الطموحات والامال وهو ما يقوي الصلة والتدعيم الاجتماعي والتجاذب بين الاشخاص –
علاوة على آلية غاية في الاهمية وهي التي من خلالها يعبر الشخص عن حاجاته ورغباته اثناء الخطاب الاجتماعي متحدثا عن معتقداته وقيمه وحدوده الشخصية التي لا يسمح للاخرين بتجاوزها في علاقاتهم معه ، وهي الية الضبط الاجتماعي التي تقوم بها علاقة الصداقة بما يحويه
الفرق بين علاقة الصداقة والعلاقة الاسرية
وتميز المناخ الاجتماعي لعلاقة الصداقة بمقارنتها بالعلاقات الاسرية حيث توفر علاقة الصداقة التحرر من سلطة الاباء ،وتشاركهم في علاقات تقوم على التعاون والتقدير المتبادل والتلقائي وهو يحرر الطفل من الاراء المفروضة عليه وبدلا من القهر يتولد شعورا جديدا بتقبل الاراء على اساس الاتساق الداخلي او الضبط المتبادل وقد تمتد تلك الصداقة لسنوات وطويلة منذ الطفولة وحتى الشيخوخة في احيان كثيرة فقد مرت تلك النوع من الصداقات الطويلة بعدة مراحل ( سويف في كتاب الاسس النفسية للتكامل الاجتماعي 1955) من الميلاد الى المراهقة بزيادة الادراك والاعتماد على النشاط اللغوي وحل الخلافات بين الاصدقاء وصولا الى الارتقاء الاجتماعي في المراهقة وصولا الى مرحلة الرشد المتاخر وخصائصها
..المراجع
مسكويه ، ابوعلي ابن احمد ؛ قيمة الصداقة ان تكون فاضلا انى تبدلت الاحوال ، مجلة الاستغراب ، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ، بيروت ، 2016 ،بحوث
طارق عمارة عبد الرحمن ، دور راس المال الاجتماعي في تعزيز الانتماء المجتمعي للمزارعين باحدى قرى محافظة الشرقية ؛ مجلة العلوم الزراعية المستدامة ؛ ع 1 م 44 (2018)
ابو سريع ؛ اسامة سعد ؛ الصداقة من منظور علم النفس ؛ عالم المعرفة 179
