الأدب وقضية الالتزام
بين الحرية والمسؤولية
     الأدب ليس مجرد كلمات  لمتعة فنية او تعبير عن أحاسيس عادية ،بل هو جوهرة إنسانية لتعبير عن رسالة قيمية، فالكلمة هي سلاح الأديب في الدفاع عن مصالح الفرد والمجتمع و البشرية ككل، فوظيفة الأدب ذات ابعاد اجتماعية واخرى اخلاقية و جمالية،والإلتزام  كأحد ظواهر الادب فهي تسعى الكشف عن الواقع ومحاولة تغييره بما يناسب ويساير القيم و مبادئ الخير والحق والعدل، فهو قضية انسانية اجتماعية توضع ما آل اليه الوعي الإنساني بقضايا مجتمعات ، ولعل هذا ما عرفه او تميز به الأدب المعاصر، والفيلسوف والأديب الفرنسي جون بول ساتر من الأدباء الذين سخروا اقلامهم من اجل الدعوة لهاته الظاهرة الادبية ( الالتزام ) كضرورة لتعبير عن قضايا إنسانية.

     يرى جون ساتر  ان الأدب لا بد أن يكون ملتزما، وأن يخوض في كل الأمور بطريقة يلتمس بها الجمال التماسا عميقا،  اذا يقول في ذلك  ان الادب اذا لم يكن “كلا بتمامه، فإنه أدب لا يستحق منا عناء ساعة واحدة، هذا ما أعنيه بالالتزام. إن الأدب سرعان ما يجف إذا اقتصر على البراءة والتغني بالأوهام، وإذا لم يتردد صدى العبارة المكتوبة على جميع مستويات الإنسان والمجتمع، فهي عبارة خاوية لا معنى لها. إن أدب عصر من العصور هو ذلك العصر وقد استحال أدبا. وهو يقصد بذلك ان الأدب لا يقتصر ان يقف عند عصر من العصور او يشمل  يسعى التعبير عن قضية من قضايا بل رحلة إنسانية  تنادي بالحرية و مسؤولية يحملها الكاتب على عاتقه لبيان الحقيقية الواقعية بدون الانحياز او تطرف لإيديولوجية ما  ،اي وجب على الأديب ان يجعل  الحقيقة مهمته و نصب عيناه ولا شيء  سواها.
  وفي الالتزام يشترط ساتر شرطين اساسيان  هما الحرية والمسؤولية هما بدورهما يعتبران اهم ظهرتان في منهجه الوجودي ، وعليه فهو يرى ان اولهما الإقرار بحرية فالكاتب بدون الحرية يفقد الكاتب أصالته ، فيسخر أدبه للدعاية أو يلبي فيه نداء خارجا عن نطاق ضميره ووعيه الانساني ، فيصير هو و أداة محاول بها استعباد قرائه وتسخيرهم ، وهذا ما يتردى  به الأدب في هوة (الاستلاب) ، بمعنى ان الأدب يصبح غريبا عن نفسه ، مملوكا لغيره ، فيفقد بذلك جوهره من أنه دعوة حرة كريمة أساسها الثقة المتبادلة بين القارئ والكاتب ، ام الثانية فهي المسئولية  حيث تفقد فيها الحرية وجهها الآخر الاجتماعي ، وهو الذي تمثل به الضمير الحر مجتمع منتج ، فالحرية والمسؤولية هما وجهان لعملة الالتزام في الادب ولا يمكن أن يعملا بدونها ، او بالأحرى يفقد المعنى من دونهما.
    كما ان ساتر يبعد الشعراء والرسامين والنحاتين من قضية الالتزام فهو يراهم بعيدين كل البعد عنه ، فهو يرى ان لغة الشعر مثلا كثيفة متداخلة غامضة غريبة ومجهولة، فهي في رأيه كالرسم والنحت صامتة، حيث يقول” لا نريد للرسم ولا للنحت والموسيقى ان تكون ملتزمة او بالأحرى لا نفرض على الفنون ان تكون على قدم المساواة مع الادب الملتزم” . والشاعر في نظره يركز على الصور اكثر من مما يتفاعل ويؤثر ويتأثر بالأحداث والشخصيات، فلغته تشبه ألوان الرسم وانغام الموسيقى فهي تسيطر على المشاعر والعواطف، فهي بذلك تكون قاصرة عن  تمثيل الضمير الحر وتبقى محدودة ومنغلقة في مجال ام العاطفة او الانفعال، وتصبح أكثر كثافة وعمق اقرب منها من للوضوح والفهم ،فاللغة الشعرية حسب سارتر ليست وسيلة للوصول الحقيقة ،  والشاعر في رأيه يهدم الكلام اكثر مما انه يهتم لبنائه واستخدامه .
     وعلى حد تعبيره فهو لا ينكر دور الفنون في التأثير على العوامل الاجتماعية والثقافية ، لكن الأدب يختلف عنهم في الشكل والمادة ،فهو ذا قوة وحدة في التعبير ،ويضرب مثال على ذلك الرسام الذي يحاول ان يرسم منزلا، “فهو في الواقع يقوم بعمل منزل، أي يخلق في لوحته منزلا خياليا لا علامة تدل على منزل. وبذلك يظل في المنزل الذي يخلقه الإبهام كله بالإضافة إلى المنازل الحقيقية “، فهو بذلك يفتح باب التأويل ويساهم في ادخالك في بوتقة التيه و التساؤلات، اما الاديب واو الناثر  فلغته شفافة واضحة بدل من اي يرسم لك منزلا هو يقودك اليه في كلمات واضحة بعيد عن الرمز والإيحاء ، فهو يأخذك للب الرسالة بدون لف ولا دوران ، يصف لك الأحداث بحذافيرها و يسبر اغوار الكلمات ليصلك لعمق الحقيقة . فالكاتب لا يكون كاتبا لأنه تحدث بعض الاشياء ولكن لأنه تحدث عنها بطريقة فنية ، فهو يستطيع ان يخرج من حدود ذاته ليجد عناصر عمله الفني  بحيث يمكنه ان يضل قائما في داخله او خارجه كما يشاء ، هنا يستعير سارتر تعبير بول فالبري :  يوجد النثر كلما مرت الكلمات في خلال نظراتنا كما تمر الكأس خلال أشعة الشمس .. فلغة النثر وسيلة ، وهي بمثابة امتدادا لحواسنا وإدراكاتنا ، نشعر بها ذاتا ، على حين تتجاوزها إلى ما وراءها من غابات أخرى.”

   فالكاتب عندما يكتب مسرحية او قصة فهو تكون بمثابة عهد وتعاقد حر بين المؤلف و القارئ ، فيكون رباط ثقة قوي ومتين على هذا الأساس،  فلا الكاتب لا ينطلق في عمله الأدبي  بناءا اهوائه والا انتفت تلك العلاقة بينه وبين القارئ، فما عمله سوى اقتراح يتقدم به القارئ عن ثقة في حريته وانسانيته.
      ولقد رفض سارتر كل ادب كغاية سياسية او اجتماعية لجهة معينة ،فالكاتب عندما يدافع عن مظلومين  محتلين او اسود  مضطهدين في اوطانهم يجب ان تكون نظرته انسانية سامية،  حتى لو كان المحتل من ابناء جلدته فهو يجب ان يصور ويكشف بضرورة عن معان إنسانية خلقية خالدة ، وهناك تكمن قيمة الأدب.
فالعمل الأدبي الملتزم مشروع وعي  ودعوة انسانية محددة بمعالم وفترات تاريخية و زمنية ، موجهة لحرية القارئ في معنها الجمعي ، هدفها تجاوز الحاضر إلى مستقبل اكثرا اشراقا ولا يحدث ذلك الا بعد الكشف وازالة غطاء عن تلك المشاكل والمعيقات التي يوجهها الحاضر بنية والعمل على تغيره .
    كما ان فكرة الالتزام كان لها نصيب الأدب العربي الحديث فقد ظهرت بوادرها نتيجة الاحتكاك بالغرب، و بعد انتهاء الحرب العالمية الثاني ، حيث حمل الشعراء على تناول القضايا العامة في شعرهم، فجعلهم يتحدثون عن الحرية والاستقلال والعدل ونظام الحكم، وعن المجتمع وأحياله ومشكلاته، وعن شخصية الأمة وتاريخها وحضارتها ولغتها مظهر العديد من الشعراء الذين صوروا الواقع العربي المرير وحركات التحرير في مختلف الدول العربية بالإضافة إلى نكبات ونكسات العرب قائمة الأدب في تلك القارة إلى المجتمع وغير عن همومه والامة وأماله ، ومن بينهم نجد الكاتب السوري سليمان العيسى يعرف الالتزام بقوله: أنه الموقف الصلب المحدد والواضح الذي يقفه الأديب مما يجري حوله بحيث يدرك مسؤوليته اتجاه قضايا أمته إدراك تام و يعيش تجربة الجماهير العربية في تجربته من خلال مشاركته الفعالة في معارك نضالها و المعاناة الفكرية والروحية لمشكلاتها الكبرى” .
والأدب الجزائري هو  الاخر مهتم بقضية الالتزام  خاصة ما ظهر في اعمال اولئك  الأدباء الذين برزوا ابان ثورة التحرير فقد سعوا هم كذلك  في مشاركة  الناس همومهم الاجتماعية والسياسية والوقوف بحزم في وجه ما يتطلبه ذلك لإيجاد الحلول الفاعلة ، فنزعته دافع لتبنيه قضية وطنية او قومية وتسخير عمله الادبي لايجاد الحلول من بينهم ابو القاسم الخمار الذي يرى في أن” الأديب المعاصر لا يفكر لنفسه ولا ينتج لمجرد الإنتاج وخاصة اديبنا الجزائري الذي عانى آلام الاحتلال الأجنبي وكل عنف الثور..

         ويختصر الناقد  الفرنسي موريس نادو للقارئ عناء فهمه لفكرة أدب الالتزام عند   سارتر  في قوله : الفنان الكامل هو الانسان الذي يمكنه أن يعبر عن العالم وعن نفسه ، وفي وقت معا ، من خلال إنتاج أدبى محدد بفترة تاريخية على أن هذا الانتاج مع ذلك ، خالد . وجدير بدوره بإيقاظ أصداء ، وأهل على الأخص لإثارة انفعالات وأفكار وإمكانيات جديدة ،” هو  القادر على  التعبير و حمل لواء ومشعل الحرية بدون الالتفات لأي ايدلوجية بدون تحكم اهواء داخلية فقط صوت الإنسانية  يعلو فوق كل الاصوات من اجل مستقبل الأنا و الغيرية .

          ويختم سارتر كلها هذا في انه يدعو إلى ادب الالتزام حين قال :””  إذا توصل و الكاتب ، إلى التفكير في أن المرء لا يهرب من طبقته بمشاعره الجميلة ، وأنه لا وجود في أي مكان المشعور ذي امتيازات وأن الآداب ليست آداب نيل طبق ، وإذا فهم أن خير وسيلة يصير بها المرء مغبونا في. عصره أن يستدره ، أو أن يزعم أنه يعلو عليه  ، وان المرأ لا يتعالى بعصره حين يهرب منه، بل حين يواجه التبعة فيه بقصد تغييره ، أي حين يتجاوزه إلى المستقبل الأقرب حين يفهم ذلك كله يكتب للجميع ، ومع الجميع ، لأن المسألة التي يبحث عن حلها بوسائله الفنية الخاصة هي مسألة الجميع …

بقلم الصحفية خضراوي مريم
   






.