من العدد 18/عبد المالك مرتاض، ثروة أدبية وفكرية لا تنضب ! لا يختلف إثنان بشأن البروفيسور وعالم اللغة واللسانيات الجزائري “عبد المالك مرتاض”، الذي وافته المنية منذ فترة قصيرة، تاركًا إرثًا علميًا وفكريًا لا ينضب. فقد كان -ولا ريب- موسوعةً علمية، أسهمت في شتى ميادين المعرفة العلمية والدراسات اللّغوية واللّسانية، والنّقد الأدبي، والتّأريخ والتحقيق والإبداع.. رجلُ بحثٍ وقلمٍ، تعددت إسهاماته وتنوعت اهتماماته، فلم يترك مجالاً معرفيًا دون أن يضع فيه بصماته الرّاسخة، بفكر ثاقب وموضوعي.. فكان بحق، موسوعيًا أوركيستراليا مُبدعًا.
صاحب الدكتوراه بمرتبة الشّرف من جامعة السوربون، ترك ما يزيد عن ثمانين مؤلفاً علمياً متميزًا، بين كتب وموسوعات ومعاجم ودراسات نقدية ومقاربات وقراءات وروايات ومسرحيات ومجموعات قصصية.. نذكر منها “نظرية الرواية”، “نظرية البلاغة”، “نظرية القراءة”، “نظرية النقد”، “نظريّة اللغة العربيّة”، “الإسلام والقضايا المعاصرة”، “الأمثال الشعبية الجزائرية”، “أدب المقاومة الوطنية في الجزائر”، “الكتابة من موقع العدم”، “العامية الجزائرية وصلتها بالفصحى”، “العربية أعظم اللغات”.. فضلا عن اثنتي عشرة روايةً، أشهرها “نار ونور”، “وادي الظلام”، “رباعية الدم والنار”، “الخنازير”، “صوت الكهف”، “ثلاثية الجزائر | الملحمة، الطوفان، الخلاص”.. بالإضافة إلى مجموعة قصصية شهيرة تحت عنوان “هشيم الزمن”. كل ذلك جعله ومؤلفاته كنز وثروة تفتخر بها الثقافة الجزائرية والمغاربية والعربية، وتستفيد منها أيما استفادة، ففي الجزائر اشتغل محاضرًا ورئيسًا لمجمع اللغة العربية، وفي المغرب والمشرق كان عضواً في عدد من المجامع اللغوية، والمؤسسات العلمية البارزة خاصة في الخليج العربي، كل ذلك جعله أحد أهم رواد النقد الأدبي في العالم العربي قديماً وحديثاً.
كذلك حاضر مرتاض في عدّة جامعات ومعاهد عالمية في أوروبا وغيرها، على هامش ملتقيات علمية وندوات بحثية.. وقد استحق ذلك بجدارة لأنه قضى كل حياته متنسكاً في محراب العلم، والمعرفة، التي تميز فيها بالموسوعية في الطرح والغزارة في الإنتاج، كان يفكر في كل شيئ ويكتب عن أي شيئ، بروح علمية ونقدية، موضوعية ورصينة، جعلته ينال مكانة مرموقة في مجالات تخصصه، فسجلته موسوعة لاروس الشهيرة كإسم مصنف ضمن أهم النقاد الأدبيين، وكذلك موسوعات أخرى في ألمانيا وسوريا والجزائر وغير ذلك.. ونال العديد من الشهادات الفخرية والأوسمة في جامعات ومعاهد ذات سمعة ومكانة عالمية رفيعة.
وبالموازاة مع مكانته العلمية، تميّز الرّاحل بأخلاقه الرفيعة، فكان نبيلًا وصادقًا، متعاونًا ومتواضعًا، وطنيًا وخدومًا.. ولا أدّل على ذلك من تصريح خاص بالرجل، قال فيه: «إن الوطن غالٍ، ويستحق منــــا كل إبداع، واللغة العربية عندي هي لغة الجنة، والقرآن، لذا لابد من إعطائها حقها، ومكانتها التي تستحقها.. حتى أنا مازالت تلميذاً يتعلمها».
بقلم الدكتور خليل بن عزة- أستاذ باحث وناقد إعلامي.

