من العدد 18/ “أضاعت الأرانب عمرها تحلم بثعلب يؤتمن في الوسائط الجديدة!”..

لطالما شكلت “السلطة الأبوية” بمفهومها الواسع وليس الثقافي فحسب جدلًا يحتدم وحبرًا غزيرًا يسيل بأسئلة فرعية وأخرى سياقية، إذ أن ممارسة الوصاية على ناقل الرسالة أو مُبرقها أو مُنشئها يُعد أمرًا متداولًا في  مختلف الأزمنة والأمكنة، وهو ما يُقدم صورة عن “الحجب الإستعلائي” التي تمارسه الهيآت والأشخاص في متابعة ما يُقدم للجماهير من نصوص وبين ثناياها “المُهدئات الجمعية”..
مُتسلطون عبر التاريخ
ينطلق هذا الطرح من ممارسات ومعايشات “إنثربولوجية” لعدد متحاقل من المهن على غرار الإعلام والإتصال ، الرواية، الدعوة الدينية، الثقافة والفن، وحتى ممارسات الإدارة وفن تسيير الحشود(الموارد البشرية)، فالسلطة المسؤولة عن النشر أو إفراج النص/القرار كتقليد مُهيكل أو إلحاح إجتماعي تواضعي حاضرة بشكل شبه مستديم، وتمارس طقوسًا مُقدسة من الإنتقاد والإنتقاء والتحوير والتزوير إن لزم الأمر لغايات مقصودة وفي أحايين أخرى لعبثية لا منطق لها سوى التعطيل والتسويف وإبراز الأنا المضخمة، وتبقى دائمًا حاضرة حضور فاعلًا في الرابطة المهنية أو المجتمع المُصغر المُراد له أن يعيش يومياته وفق خورازمية معيارية مُعينة.. وبالإجمال يمكن القول بأن سُلط النشر هي عبارة عن آليات نفسية تتحكم وبتواطأ من مجتمع العينة.
“الوسائط الجديدة وفضاء الديمكتاوترية المفتوح”
شكل ثورة تكنلوجيات الإعلام والإتصال الحديثة بداية تباشير لتوسع حرية الرأي والتعبير والهروب من إكراهات وحتميات “الإحتواء” التي مارستها السلطات بمفهومها التقليدي، وإستبشر عدد من الباحثين بنهاية أدوار حراس البوابات، لكن هذه النظرة التفائلية سرعان ما تبددت مع إعادة إنتاج ذات المنظومات من خلال سطوة القواعد والخوارزميات التي أضحت تتساهل مع قضايا دون أخرى، مُمارسة دورا تمييزيا يزداد أثره للعيان يوميا ويتزسه بشكل فاضح من خلال ممارسات الحجب والتضليل وتشجيع الرداءة والغباء وكذا مختلف المظاهر الساقطة.
“القُطعان” و “الأرنبة” و”الثعلبة” ..
تُحيل أدبيات علم إجتماع الإعلام إلى وجود سطوة واضحة للمحتوى السائد للوسائط الجديدة على عقول المستخدمين وتحويلهم لقطعان من الأرانب، والتي تبحث عن “معبودها” الذي يُقدم لها الخلاص والصورة المِثالية في ذوق الحياة، ورغم تواتر الحقائق والأدلة عن وجود مُخططات لبرمجة رأي عام إفتراضي مُوجه وتضليله لأمور عن قصد، إلا أن البرمجة الخوارزمية من خلال المعايير الباطنية المُقدمة في الرسائل الأكثر تاثيرا وتوسعا تُحيل المستخدم للعب دور الخروف في القطيع، لتصدق عبارة أن الأرانب قد أضاعت عمرها في البحث عن ثعلب يُؤتمن بشكل شبه حتمي.

بقلم الصحفي إبراهيم جزار/ الجزائر