من العدد 18 /”تأملات في معنى الرداءة أو تساؤلات حول مرض العصر”

وحدها التفاهة صارت تحظى بالاهتمام والمباركة، وما الرفض المُعلن عنه في الظاهر إلّا قبول في الأعماق وتقديس خفي لما يُثار حولنا من سقوط قيّمي. يا لها من مهزلة ! يبدو أنّ النفس البشرية ميّالة بطبعها إلى السطحية والرداءة وإلّا ما تفسير ما يحدث؟ ما الرداءة وما أصلها؟ أهي متأصلة فينا أم مكتسبة؟ وإن كانت كذلك، فكيف تشكّلت، وكيف تدنّى الذوق العام بهذا الشكل المُرعب؟ كيف انهزم الوعي وسقط المعنى أمام جبروت التفاهة؟ من المسؤول عن تغذية الرداءة وحمايتها حتى صارت إلى ما صارت إليه؟ أو بعبارة أخرى: كيف تسلّلت إلى عالمنا وساهمت في إنتاج هذا القدر الهائل من التفاهة؟يقول” كارلوس زافون” في كتابه “ظلّ الريح”: “لن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية، كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة التي ستحوّل العالم إلى نكتة سخيفة”. لقد تحوّل العالم فعلاً إلى نكتة أسخف ممّا تصوّر زافون، لقد ازدهرت القشرة وفقد اللّب رونقه، ترنّحت الفكرة وسقطت في اليّم، تفشّت الرداءة بعمق في جسد الواقع وانهكته وبسطت سلطانها على ساحة المعنى، بل صارت مقبولة ومرغوبة بشدة، بل مدعومة من طرف جهات لها مصلحة أو منفعة مادية تجنيها من ورائها. يقول أستاذ اللسانيات والفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي: “اجعل الرداءة تعم، حتى تصبح عادية، ثم مستساغة ثم مطلوبة”. هناك جهات مسؤولة عن تغذية الرداءة وحمايتها، والتي تسعى إلى تشويه المعاني والمفاهيم في ذهن الجمهور أو المتلقي كالإعلام والسلطة، ووسائل التواصل الاجتماعي بهدف تحصيل انتفاع مادي أو الإلهاء وحجب التفكير بانتهاج سياسة الإيهام وتكبير الصورة أو المعنى في الأذهان، وهذا ما عبّرتُ عنه في كتابي البحث عن المعنى حين قلت: “يُصوّر الوهم للواهم ما يشاء، يُحرّف لغة الأحجام ويعبث بالصور، فينفخ ما طاب له، فتصير النملة فيلاً والخروف أسداً، في حين أنّ المسألة مسألة إلهاء عن الجوهر، الحقيقة و الحياة.” فالإلهاء يعتمد هنا على الشكل وإظهاره بالمعنى المُلفت وإغفال الجوهر الذي يتطلّب إعمال العقل، وطبيعة الأفراد ميّالة إلى الخمول وعدم إجهاد الفكر وخاصة تلك التي نشأت في بيئة تسودها النسخ. فالبرمجة العقلية التي نتلقاها في الصغر والتي تستند إلى إلغاء التفكير و صناعة القطيع بشكل مكرّر وغير واعٍ له دور في تعميق المشكل وتفشّي مرض العصر في جسد المجتمع والهروب من مسؤولية التفكير يُمهّد لاستقبال الرداءة وانحطاط الذوق، وهذا يخدم مصلحة المستفيدين من الوضع. يقول نعوم تشومسكي: “شتّت اهتمام العامة عن المشاكل الحقيقية، واجعلهم يهتمون بمواضيع تافهة، اجعل الشعب منشغلاً دون أن يكون له أي وقت للتفكير”.الإلهاء والتشتيت عن المسائل الكبرى والجوهرية هو في حد ذاته تعميم للرداءة وتعميق لجذورها. كذلك من وسائل الإلهاء وسائل التواصل الاجتماعي كما ذكرنا، والتي ساهمت بقدر كبير في الإعلاء من شأن التفاهة، وتسبّبت في انهيارات أخلاقية وإنسانية، وقد تحوّل الإنسان في أحضانها إلى مادة تسعى إلى تحصيل المادة بأيّ ثمن، وهذا ما نراه عبر الفيديوهات التي تُبث على المباشر، وما تُقدّمه من مفاهيم مغلوطة ومُشوّهة عن الحياة ومفهوم الحرّية، والتي تُركّز في محتواها على المستوى الهابط وتُحظى في الوقت عينه بنسب مشاهدات عالية مقارنة بالمحتوى الهادف والقيّم، حتى الخوازميات تُركّز على إظهار المحتوى المرغوب، والذي يكون في أغلب الأحيان محتوى تافه وتغييب المواضيع الهادفة، كما أنّ الديمقراطية الرقمية أو النزعة الديمقراطية عند الفرد الأنترنتي على مواقع التواصل الاجتماعي عزّزت شعوره بقوّة حضور الأنا حسب كتاب المباني الفكرية لوسائل التواصل الاجتماعي، بحيث أخرجت هذه الوسائل آليات التعبير من أسر السلطة التي كانت تتمثل في قادة المجتمع والدولة والمسجد إلى أيدي الناس جميعاً .

بقلم الكاتبة سلمى معيوف