
هل لمنعدمي الذوق ذوق !!
● قبل عقد من الزمن تسائلت مع رئيس مجلس منتخب برتبة “مُحافظ” عن الذوق الأدبي للسياسي وهل يملك تمييزا بين ما يُقدم له كرنفاليا وحقيقة ما يحدث ويُبتذل في أرض الواقع، ولقد هالتني إجابة الرئيس وأثبتت لي أفاق من كيفية صناعة الأمور لم أك على دراية بها من قبل….
في أكثر من مناسبة تتولد للمتابع للمشهد العام في بيئتنا العربية بالأخص بإختلاف أنساقها وتفرعاتها أن الحاكم المُسلطة عليه الأضواء “صانع القرار الأوحد” راضٍ أشد الرضا عما يُقدم له من واجهة لأعمال البلد الثقافية، وإذ كان هذا المحتوى يتجه نحو الإغتراف من معايير “شوفينية” وأخرى معايرية تعكس “إيديولوجية الأنظمة” إلا أنها في نظر الكثير من المُطلعين وحتى جمهرة الشباب مُستهلكة ومُكررة ومُبالغ فيها لغة الإطناب والتزلف.
ولكن بين هذا وذاك يتمحور سؤال إتصالي مهم حول قناعة المرؤوس بما يُقدم له من مضمون وإذا ما إقتنع هل هو فاقد للذوق أم أنه مُجبر على الرعاية والتلقي وليس ببطل ؟؟
عودا لإجابة المُحافظ السابق التي قال فيها -أن الأمر مجرد بروتوكول وعملية تشريفية محضة يجب أن تتم، وحتى ولو لم يكن للسياسي دِراية بأدبيات الخطاب والثقافة إلا أنه سيتلقنها بالوقت وستعمل قريحته السياسية على تمييز الغث من السمين، وفي المقابل فإنه لن يُتعب نفسه بإستيعاب مزاجيات المُثقفين وإختيار الأذواق لأنها ليست صنعته وبِطانة الإنتقاء من الشعب بل من أغلبيته فكيف ترانا منعدمي الذوق؟؟- ، حقيق أني ذُهلت من الإجابة وإستعرض ذات المتحدث بالشرح والأمثلة حقائق عن المشاهد المحلية والوطنية وكيفية صناعة الأدوار وتقديم الصور والقدوات الأدبية الجاهزة، ما يجعلنا نفهم أن الذوق في البيئة العربية من منظور سياسي ما هو إلا نصيب كمي إستعراضي مُوجه لإسترضاء القِلة المُهتمة بالثقافة والتعليم دون الحاجة لإستقصاء أو جهد تمحيصي لأن الثمين والرديء مُتساوي في ضفتي المعادلة (المرؤوسين والرئيس).
لقد أثبتت الأيام في مُماهة عجيبة أن إنحطاط الذوق العام “عربيا” لم يرتبط -جبرا وحتميا- بجودة التعليم أو المناهج أو المطالعة بِقدر ما إرتبط بالوضعيات الإقتصادية والأولويات التنموية، ولعل الفروق الواضحة بين الإستثمار في القوة الناعمة بين الهلال الخصيب “الغني فِكريا”والخليج “الغني ماديا” أضحت تقلب الموازين وتعكس الحتميات، كما أن الإحتكام للتحليل النفسي لشخصية قائد القُطر أضحى هو الآخر أمرا منتهي الصلاحية، فقد تبين من الممارسات أن لفاقدي الذوق جانب من الذوق، وأن تجويد الثقافة والأدب أمر هامشي في مُخيلتهم ، لذا فإنه على أهل الصنعة وما تبقى من جمهور الأدب أن يُؤسس لفعاليات مُستقلة ويصوغ مشاريعه بعيدا عن تعاطف القائد الذي ظن الجمع أنه لا يُشقُّ له غبار ….
بقلم الصحفي إبراهيم جزار

