نوابغ على هامش مُجتمعات جاهلة…
تتسم تركيبة المجتمعات البشرية بتركيبات خاصة تجعلها تتمايز وتتشابه وتختلف في كثير من مناحي الحياة والمقصود هنا ليس الثقافة و الدين وفحسب، و إنما المقصود هو الفكر الإنساني بصفة عامة.
المُلاحظ في مجتمعاتنا العربية والقُطرية بحسب الملاحظات البحثية لعلماء الإجتماع والإثنوغرافيا ،أن الكثير من المجتمعات تتفشى فيها مظاهر الإعاقة الفكرية و النشوز عن طلب العلم والمعرفة والثقافة مايؤدي إلى تشويه القيم السامية لدى الناشئة والشباب، وكبح العزيمة في النهوض بتلك الأمة أو أي برنامج رسالي توعوي، وهذا مايصطلح عليه في الأدبيات الإجتماعية والكتابات ب:”الركود الفكري”.
إن المجتمعات سوية الفكر تساعد على النهوض بالمواهب والنوابغ ، والإستثمار فيها بتطوير المَلكات الذِهنية للأفراد، وفتح أفاق جديدة أمام هذه القدرات عكس المجتمعات التي تُحارب كفائاتها ومُبدعيها.
قد يقودنا التحري في هذا الموضوع والإستقصاء فيه لطرح تساؤل مركزي قديم-مُتجدد لماذا يهجر النوابغ أوطانهم ؟ ولماذا تبقى البيئات الغربية -خاصة- هي محل جذب وإهتمام ؟
الإجابة الأمثل بسيطة وشائعة ذلك أن هذه الفئة لم تلقى الدعم والرعاية ، وتوفير الظروف المناسبة لها في بلدها من أجل التطوير والإبداع ، والمجتمعات العربية هي أكثر الشعوب تصديرا للنوابغ وهذا مايصطلح عليه في عقود ب”هجرة الأدمغة”، حيث تستثمر المجتمعات الغربية في هذه القدرات الكامنة ، فتساهم في تقدم إقتصادتها وقوتها الحضارية وتطويرها من خلال توفير الأرضية المناسبة ، في حين تتخلى عنها المجتمعات النامية لصالح الآخر بالمجان.
قد يلحظ المُتبصر في يوميات الشباب العربي أن المشكلة المطروحة تبدأ من بنية مجتمعه الذي لا تحضر فيه التنمية بمفهومها الواسع ولا تُدعم فيه الأفكار والتجارب ، فالحشود العربية فطمتها الأنظمة والأوضاع الإقتصادية على الإستهلاك لا على الإنتاج، وإجترار الأفكار الجاهزة لا التفكير والبناء والتنفيذ ، وبالتالي تترسخ هذه الثقافة في المجتمع وتتجذر كشبه مبدأ وأمر واقع، وللقارئ الكريم الحُكم من خلال تمظهرات هذه الثقافة المشوهة ” الثقة العمياء في المنتوج الأجنبي عوض المنتوج المحلي ، إعتقادا من فرضية أن عقل العربي أقل من عقل الغربي.” والقاعدة السوية تقول :«أن العقل البشري أعدل قسمة بين الناس »
قد يقول قائل أيضا أن العقول كلها متشابهة ، غير أن الإختلاف يكمن في الضمير ، وهذا ماتفتقره المجتمعات المهزومة فِكريا ، حيث أن هذه الأخيرة تهتم بالقشور وسفاسف الأمور ، وتولي أهمية كبيرة ومتعاظمة لحفنة من التافهين والمطبلين على مواقع التواصل الإجتماعي، وتقدمهم البروتوكولات الإجتماعية وبلاطوهات الإعلام على أنهم القدوة التي يحتذى بها في المجتمع ، وتُهمش بذلك العلماء والمفكرين في المقابل ، (حادثة التنمر الآخيرة على متصدر شهادة الباكلوريا بالجزائر بسبب اللباس وقصة الشعر…..)
هناك سؤال مركزي أكثر إلحاحا يجب أن يُطرح كيف ننهض بفكر المجتمعات الراكدة ؟ وكيف يجب أن يكون البديل ؟
ليس من الصعب إنشاء مدارس بمعايير عالمية للمساهمة في تحسين الفكر والإنتاج العقلي ، للنهوض بهذه المجتمعات عوض تصدير العقول لإنارة مجتمعات أخرى.
فإذا أراد مجتمع ما التطور والتقدم ، عليه الإهتمام بالعلم ، فهو الركيزة والبنية الأساسية للمجتمعات ، فتمويل المدارس والمعاهد والجامعات لاحتضان المتفوقين والنجباء ليس أمرا مستحيلا، مع التمكين لهم في مراكز صنع القرار وتنفيذه، وإذا ما أردنا أردنا إنقاذ مجتمعاتنا وإرساء أسس التنمية الحقيقية بنزاهة ، فلا بد من ثورة حقيقية في نمط التفكير والتسيير ، للحد من هجرة النخبة وللحد من نزيف المجتمع وضمد جروحه الفكرية والذوقية والذهنية.
بقلم الكاتبة سميحة مرزوقي
