من العدد 21- شهر أوت

المحروسة …عروسة الجزائر


وأنت تتجول في شوارع مدينة الجزائر القديمة ينتابك إحساس جميل جدا ،وكأنك تنتقل من عصرنا إلى عصر آخر ،ترحل عن طريق تراثها وخصائصها العمرانية المتميزة إلى عمق المدينة التاريخي ،ففي جميع أحياء القصبة وطرقاتها العتيقة تتراكم آثارمن مروا من هنا ،تاركين لنا في كل زاوية بصمة وفي كل سطح من سطوح بيوتها المطلة على البحر حكايات نسوية ظلت إلى اليوم ترسم لنا نموذج المرأة العاصمية التي يعود تاريخ تقاليدها إلى زمن البهجة ذو العبق العثماني بروحه الإسلامية الساحرة ،تعج المدينة بأصحابها الأوائل ،ذاكرتهم مازالت حية مدججة بحركيتهم وطرازهم الإجتماعي المتميز .
وأنت تدخل المدينة عليك بآكتشافها بعين الفنان ،بقلبه المتميز ،بروحه التي تخترق كل بناياتها لترى ذلك العصر الذي لم نعشه ولكنه مازال حاضرا ،عصر ننتسب إليه وهو الذي وهبنا هذا الوجه الجميل لثقافتنا وهويتنا وأسس فكرنا المعاصر ،تاريخنا ينام في أحضان القصبة وقد تظن أنه مضى ولكن بمجرد دخولك مساجدها وقصورها وبيوتها تجده حيّا ينتظرك وقد يلومك عن غفلتك عنه ويتهمك بأنك أنت من نمت لا هو ،ستفتح لك المدينة جميع أبوابها وتمنحك مفاتيح أسرارها وتعلقك بها وتأسرك.
وأنا أمشي في حواريها أسر قلبي طرازها الشرقي ، كانت تلك المدينة ذكية في آختيارهالمن يرسم لها ملامحها، فحينما تغزل بها الإسبان وهم يسعون بكل قوتهم للإستيلاء عليها في أوائل القرن السادس عشر رفضت الذوبان في ثقافة لا تعنيها وفضلت الدفاع عن مقوماتها الفكرية
كان أهل المحروسة بارعين في آختيار زينة وحلي مدينتهم الساحرة فآستنجادهم بالإخوة بربروسا كان تعبيرا عن رفضهم ترك جميلتهم تسقط في يد المحتل الصليبي كما حدث للأندلس
مدينتنا تطل عليك مستترة ،يزينها الحياء الذي يزيدها جمالا عبر مساجدها العريقة التي تتزين بالمرمر والزخرفة العثمانية الأصيلة
حينما تزور جامع كتشاوة مثلا يلخص لك درسا في تاريخ الجزائر فحينما حوله الجنرال دو روفيقو إلى كنيسة بعد أن أحرق جميع المصاحف التي كانت بداخله خرج أهالي المحروسة وآعتصموا به رافضين التعرض لدينهم إلا أنهم قتلوا أمام ساحات المسجد ومن هنا جاءت تسمية ساحة الشهداء .
الساحة التي سالت فيها دماء الشرفاء دفاعا عن عزة المدينة وحرمتها ،وكأنني أشم رائحة دمائهم طالما يظل المكان يحمل إسم تضحياتهم في سبيل الدين والإنتماء .وظل جامع كتشاوة تحفة جمالية رائعة بطابعه العربي الاسلامي ،بنقوشه  العميقة  وكأنه عروس زينت لتتباهى من شرفتها وهي تطل على البحر .
ولا يتوقف جمال المحروسة على المساجد المتعددة والتي ذكرنا واحدا منها فقط ،بل تزينها القصور والمنازل العتيقة بأسطحها التي تعانق نفس الشمس التي يعانقها البحر ،تعددت تلك البيوت التي تحدث فيك أثرا ينقلك إلى زمن حضاري مميز بعاداته الأنيقة وكأنها الأرواح ماتزال حاضرة في كل نقش وفي تلك الأعمدة الشرقية بامتياز .
أما قصورها وأنت تضع خطوتك الأولى بداخلها يسكنك حنين ،يسافر بك إلى حضن التاريخ الذي يجعلك تفتخر بهويتك وثقافتك
كم رائع ذاك الحضور وأنت تقترب من عصر رياس البحر وأنت تزور قصرهم الذي شُيد سنة 1779م،والذي سمي بقاع السور  في أسفل حي القصبة والذي كان حصن مدينة الجزائر المنيع ضد الغزاة لقرون وبقدر جماله وتزينه بحجر المرمر الثمين وزخرفته الرائعة بقدر ما منح المدينة شموخا عاليا انحنت له الدول الكبرى آنذاك وهناك أدلة كثيرة على ذلك منها شهادة الرحالة الأمريكي وليام سبنسر مبديا فيها إعجابه بقلاعها المستحكمة للدفاع عن المدينة كما قال لقد استحقت مدينة الجزائر المحروسة إسمها عن جدارة كاملة .
وعليك أن تبحر في المدينة فهناك من القصور ما يجعلك تفتخر بوطن عانق الحضارة وغازل القوة وصبر على المحن .
أما قصر السيدة خديجة أو ما يعرف بقصر خداوج يعطيك نظرة على الذهنيات السائدة آنذاك ،كيف تمتزج الأسطورة بالواقع ،حينما تشيع في المجتمع قصة جمال بنت أبهر جمالها الجميع كجمال قصرها الذي كان هدية من والدها الوزير حسن خزناجي في القرن الثامن عشر ،لقصر خداوج من الجمال ما شابه جمالها بطوابقه الثلاثة وبجدارياته الرخامية وطاقم الغرف المتعددة بكل ما فيها من أثاث وحمامات وأقواس رخامية بسطت ورصت بتقنية محكمة ونوافير المياه كل لوازم الراحة .
مما جعل من القصر درة تأسر القلب ،كما أسر قلب ملك فرنسا نابليون الثالث وجعله مقرا لإقامته .
تأمل في مدينتنا ستجد فيها الكثير مما يشبهك ،ستجد هويتك وأجيال تركت لك ما يكفيك لتفتخر .
بقلم الكاتبة حياة قاصدي