من العدد 21- شهر أوت
الغزو الثقافي والفكري للعالم العربي

أفكار غير بريئة تبث على مدار الساعة خدمة لأجندات كانت خفية فيما مضى أما اليوم فقد باتت ظاهرة للعلن، وتمكنت بفضل هذه البروباغاندا الكاسحة من حصد التطبيع النفسي على نطاق واسع في العالم العربي وهو ما يسميه المفكرون وعلماء الاجتماع بالغزو الفكري والثقافي…
مفهوم الغزو الفكري والثقافي: هي إحدى الطرق التي يمارسها مجتمع ضد مجتمع آخر ليحكم قبضته عليه و يسيطر عليه فيغزوه بدون سلاح أو جيش أي دون استخدام الطرق العسكرية.
فهو إذن غزو العقائد والأخلاق الذي يقع فيه الشخص بطريقة جذابة وهو لا يدري، وسرعان ما ينتج عنه أمة ضعيفة رخوة بلا هوية قد زالت منها معاني القوة، ويكون نهوضها صعبا جدا لأنها لا تحس أصلا بما أصابها ولا تعي شيئا عن الفخ الذي هي عالقة فيه .
ويعتبر هذا الغزو أخطر أنواع الغزو دون مبالغة، ويعمل بطرق سرية و مخفية، يهاجم من خلالها أساس المجتمع و يدمره فكرياً، و يلغي عاداته و تقاليده، ليضع مكانها عادات دخيلة ذات أبعاد سلبية على جميع الأصعدة، فهنا يكون الاحتلال ليس للأرض و إنما للعقول و الأفكار، و لا يتحمل الغزاة أي خسائر مادية أو بشرية بالمقابل كما هو الشأن في الطرق العسكرية.
ومن اشهر أسلحة الغزو الفكري والثقافي الأجنبي التي ضربت بعنف أسس الهوية والمجتمع العربي بشتى أطيافه، وأحدثت دمارا مروعا وما تزال، نذكر منها:
الانمي الياباني، الكرتون الامريكي، ألعاب الفيديو، الكيبوب الكوري، ريلز ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها…..
هذه الوسائط لم تعد مجرد تسلية بريئة كما كان يطلق عليها في ماض ليس ببعيد، فقد وجب تغيير المسميات بتغيّر المسار والاهداف المنشودة والجهات الخفية التي تتحكم في المشهد من خلف الكواليس .
ولتوضيح الصورة وتحصيل فهم أعمق للقضية، يجب العودة الى بداية البدايات، حيث كان أول ظهور لهذه الظاهرة
وهي تحاول التسلل داخل البيوت العربية بخطوات خجولة من خلال رسائل اللاوعي التي تبث غالبا في برامج الأطفال او مسلسلات الكبار وشيئا فشيئا استطاعت تجهيز البنية التحتية في هذه المجتمعات حيث صار بإمكانها الانتقال الى مستوى أعلى بخطوات أكثر جرأة وصراحة بعدما حصدت جيلا كاملا يطبع مع افكارها وينبطح أمام بهرجها وصورتها البرّاقة التي ما فتأت تراود أحلامه ويرى فيها اقصى طموحات العيش لديه، مُغَــيَّبا في خضم كل ذلك، فاقد الحس بما يمثل أصله وهويته العريقة الضاربة في التاريخ، فهو في غمرة الانبهار والهذيان بالدخيل الجديد لم يعد يريد ان يفتح موضوع ثقافته الأصلية مجددا
وأما عن أهداف هذا الغزو فيمكن تلخيصها فيما بلي : أولا، محاربة اللغة العربية وإخماد شمسها وذلك بالترويج لاستعمال لغات اجنبية في المؤسسات التعليمية وإعطاء صورة مزيفة ترمي الى الرجعية والتخلف في كل من يستخدم اللغة العربية.
ثانيا، إحداث شرخ كبير في بنية المجتمع بتفكيك الاسرة وتمييع شخصية المرأة التي هي مربية الأجيال، وتحويلها الى كائن عاشق للظهور وللتفاهة والماديات، فتتوانى بذلك عن تقديم رسالتها المقدسة في تنشئة جيل عظيم ينهض بالقيم ويصون الأمة .
ثالثا، تدمير الاخلاق واندثارها من خلال إغراق الشباب في تسونامي الإباحية والانحلال الأخلاقي الذي يتم الترويج له من خلال كل تلك الوسائط المذكورة آنفا .
ورابعا، إلغاء الاخلاق والمباديء السامية وتهميشها جملة وتفصيلا والدعوة للتحرر من أي وازع ديني او أخلاقي او تربوي من شأنه ردع الفرد عن رغباته المنحرفة
وتصديا لهذه الظاهرة الخطيرة بات واجبا على كل فرد من افراد المجتمع التصرف كلٌّ حسب قدراته ونطاق تأثيره ، فالآباء مسؤولون عن منع تفشي الفايروس داخل الاسرة، والاساتذة في المؤسسات التعليمية مطالبون بتوعية دائمة للجيل الذي بين أيديهم، والمثقفون من نخبة المجتمع مطالبون بدورهم بالتوعية والكتابة والنشر في الموضوع لتنوير الرأي العام، اما رواد مواقع التواصل فدورهم اجباري في خلق بروباغاندا معاكسة ومناقضة لتلك التي يصنعها قادة الغزو الأجنبي، وتبيان محاسن الثقافة المحلية والفكر العريق، وكذا الحد من التفاهة، وكل هذا يصب في النهاية في مسعى واحد، ألا وهو إنقاذ الهوية والثقافة العربية من تبعات هذا الغزو الشرس الذي لن يستسلم ولن يتراجع الا امام مقاومة واعية تفوقه قوة وتعاكسه في الاتجاه.
بقلم الكاتبة سبيح نجية

