السينمائي حميد بن عمرة..
الاستثنائي!
بقلم الأستاذ عزالدين ميهوبي
لا أعتقد أنني سأنتقص شيئا من كبار السينما الجزائرية الذين أثثوا المشهد السينمائي بأفلام ظلت راسخة في ذاكرة ووجدان الجزائريين، وترجمت بأساليب مختلفة التحولات التي شهدها المجتمع الجزائري منذ الحركة الوطنية حتى حراك فبراير.. لكن هناك ثلاثة أسماء، في تقديري، كسرت النمطية التي اعتاد عليها الناس في أفلام التاريخ والذاكرة أو التي تناولت قضايا المجتمع، والثلاثة الذين أعنيهم هم مرزاق علواش صاحب فيلم عمر قاتلاتو 1976، الذي صور فيه يوميات شاب جزائري في مجتمع محاصر بإيديولوجية الأحادية، وفاروق بلوفة من خلال فيلمه نهلة 1979، الذي فكك فيه الحرب الأهلية اللبنانية، وحميد بن عمرة الذي ابتكر رؤية مختلفة للسينما، يمكنني أن أطلق عليها “سينما التشظّي”، حيث لا تبحث الكاميرا عن زوايا وإضاءات وفق نظرة فنية تقليدية، ولكنها تحيل النظر على فكرة عابرة وتفتت المألوف، من خلال التلاعب بعين المشاهد بين أشكال ووجوه وظلال وحركات سرعان ما تنكسر، وبإبراز أبعاد تنتهي عميقا في بؤبؤ العين..
رأيتُ أن أتوقف عند حميد بن عمرة، الذي حظيت أعماله باهتمام كثير من مهرجانات السينما العالمية، ونال من ثناء النقاد السينمائيين ما يجعله واحدا من الذين صنعوا فرجة سينمائية مختلفة، تتقاطع فيها الصورة مع المعنى، والسردية مع الشعر، فما أن يسدل ستار الفيلم حتى يرتفع منسوب المتعة من خلال شحنة الإبهار بالصورة التي يعتمدها في كل أفلامه..
شاهدتُ “هواجس الممثل المنفرد بنفسه” حيث تألق محمد آدار في دور يجعلك تتمنى لو الفيلم استمر لساعات.. فالفكرة وجدت في تمازج الأداء والإيحاءات وإسقاطات الكاميرا ومواقع التصوير وانكسار الملامح ما يجعله فيلما متميزا.. صفّقت له مهرجانات كثيرة، ولم يشعر به جمهور السينما في موطن المخرج والبطل.. فكرة الانتقال بين محطة وأخرى دون معرفة المصير.. فتعددت المحطات يجعل الذاكرة مجرد حالات متفاوتة، لا يعرف الممثل المثقل بماضيه، هل ستكون المحطة القادمة إيذانا بوصول آمن على رصيف ذاكرة مسكونة بهواجس ممثل يبحث عن ظله داخل كاميرا.
وشاهدت فيلم حزام الذي يستخدم في حالتي المصارعة والرقص.. وبينهما تتألق آسيا قمرة في التعبير عن انتقال من حالة استخدام الجسد للدفاع عن الذات إلى حالة صناعة الفرح الشرقي.. ضمن لوحات أدرك حميد والمخرج الكبير محمد ملص، شريكه في أغلب أعماله، أن السينما هي فن الدهشة والذهول.. لهذا جاء فيلم حزام في بدايته من دون نقطة كرسالة رفض لسطوة المجتمع التقليدي ليكون لاحقا بالنقطة التي أعادت تشكيل المشهد.. الذي يبدو وكأنّ التمرد أضحى بديلا للصمت.
أما فيلم “كيوكو، موسم حصاد الأحلام”، فهو في تقديري فلتة في السينما، إذ أن الفيلم الذي يتناول جوانب من سيرة رسامة يابانية، وعازف غيتار إسباني وراقصة تعبيرية فرنسية، في بيئة تتداخل فيها الثقافات والهويات.. ضمن حالة من التشظي التي ينجح حميد في رسمها سينمائية بصورة مثيرة، بل ومدهشة جدا، فهو من بداية الفيلم حتى نهايته يعيد تشكيل الأشياء، وكأنه يمسك بفرشاة فان غوغ أو دالي ليصنع فرجة غير معتادة.. فهو ينتقل من الواقعي والتعبيري والسريالي، ويجعل الثلاثي البطل وكأنه متواطئ من أجل إعادة هندسة معنى السينما..
لهذا صدق النقاد الذين قالوا عن السينمائي المتفرد حميد بن عمرة، لقد سبق غيره في المشهد السينمائي بتجاوز الأنماط التقليدية، إلى سينما لا تكتفي بصناعة الفرجة، ولكن بتنمية الذوق السينمائي بأسلوب فيه شحنة عالية من الابتكار..
نعم، حميد سينمائي استثنائي، يجدّد في أدواته، ويعمد إلى مزج مئات الصور أو يزيد في شكل لوحات متداخلة، وكأنها تأخذ من روح غيرنيكا بيكاسو أشكالها الفاقدة للتوازن، فتثير حالة من الدهشة والإبهار، وكأن الفيلم عبارة عن بوح يختلط فيه الصمت بالإيحاء، والأداء بالتعبير الحر، فهو يرمي بك في فراغ بلا أبعاد ويفاجئك بما يحرّك في مخيلتك رغبة اختراق الشاشة لإعادة ترميم المشهد. ولا ينسى حميد أن يعبر بملامح طفل بوسعادة المسكون بالسينما في لحظة ما من سردية الفيلم، فيُوقّع بحضور لافت بصلعة براقة وصمت عميق.
يبدو أن حميد بن عمرة الفنان الممسك بوردة كثيرة الأشواك أدمت أصابعه، أحسن التعبير عن حالته في فيلم “هواجس الفنان المنفرد بنفسه” حين يقول: “في طفولتي حاولت أن أكون عداء متفوقا ففشلت، لأنّ ظلي كان يسبقني دوما، ولأن خط الوصول كان يبتعد كلما اقتربت منه”.
حميد، سأكون شفافا معك أيها الاستثنائي
في صناعة الضوء الماتع، وأقول لك، ربما قصّرت في حقّك، حين اكتشفت أفلامك الرائعة متأخرا، ليس لأنني أردت ذلك، ولكن لأن يوميات العمل الإداري تبتلع صاحبها.. فاعذرني، لأنك كنت تستحق كل الاهتمام والتكريم..
أتمنى صادقا، لو يخصص أسبوع سينمائي لك ولإنتاجك من أفلام قصيرة وطويلة.. ليعرف الناس أن حميد بن عمرة، هو سينمائي جزائري استثنائي بامتياز..
لقد أخبرتني أنك أقصيت من مهرجاني عنابة ووهران، وأنك شعرت وكأنك غريب في بلدك..
أنت بلغت سقف العالمية بجودة أفلامك.. ويكفي أنك نلت امتياز الشرف في كثير من المهرجانات.. أرجو أن تخبرنا عن مهرجان طاشقند حيث تلقيت دعوة تكريمك بصفة ضيف شرف.. وهذا يشرف بلدك، ويعبر عن تقدير لموهبتك.
برافو حميد..











