قضية ورأي.. إعداد الصحفيان جزار إبراهيم و خليفة عبد السلام/ ملف من العدد 22
الكُتب النقدية وحجب السلطات لها …. وِصاية أم ضرورة

د. أسامة البحيري : منع الكتب لا يجدي في العصر الرقمي

الأستاذة حياة قاصدي: قضية حظر الكتاب لها جذورها التاريخية

بن عزة محمد الأمين : الحجب نوع من الوصاية القيمية وليس حجرا فِكريا

الأستاذة مروة حرب : فكرة حجب الكتاب الورقي مشروع أطاحت به الرقمنة
أثار موضوع الكتب الممنوعة من العرض بإحدى الدول العربية جدلا قديما-متجددا حول موضوع حجب المنشورات والمضامين معها ضمنا ومدى ملائمته في عصر الوسائط الجديدة والتداول الحُر للمنشورات والكتب وتبعا الأفكار ومختلف ما يكون “محظورا” في عرف صانع القرار- هذا الجدل الذي يمثل الاشكالية يعيدنا للبداية، حيث يفرض علينا طرح السؤال
هل العملية صحية! أم العكس؟
وخاصةً أن موضوع النشر متعلق بالفكرة الأم حرية التعبير التي هي الأخرى متشابكة مع عدة مجالات من جهة ومع قوانين دولية واتفاقيات موثقة ..فقد باتت شعاراً يتغنى بها الوطن العربي بعد الغرب الذي لم تسلم ساحاته من صراخ العديد من المؤلفين وشكواهم من تعرض أعمالهم للسحب من المكتبات
وهذا يرجع بنسبة كبيرة كون عملية النشر تقبع داخل المساحة القانونية التي تأطر العمل
حيث سيجعلنا هذا نتوجه نحو الكاتب نفسه وأفكاره
فهل هناك حدود مرسومة مسبقاً لايجوز لقلمه تجاوزها ولابد أن لا يتعداها؟، وإن حصل فسيصطدم طبعًا مع حجز افكاره
أم أنه بذريعة حرية التعبير و الإبداع الفني وحرية الفكر يملك الكاتب إستثناء يخول له التطرق لأي فكرة شاء! ونشرها بحرية تامة دون سلطة رقابية تعمل على مضايقة خط تحريره وتقيد أفكاره!؟
ومن هذا المنطلق إرتآت مجلة (ومضات أمل) اولية أن تعرض هذه الظاهرة على باقة من الأقلام المثقفة في الساحة الدولية لمعرفة رأيهم ونظرتهم للموضوع

يرى الدكتور أسامة البحيري الأكاديمي والناقد الأدبي أن تواتر الأخبار عن منع عدد من الكتب في بعض الدول العربية أمر تقليدي ، وهذا تصرف ينتمي إلى حقب بائدة لم تعد تناسب الثورة الرقمية والتكنولوجية والمعلوماتية التي لا تعترف بحدود جغرافية، ولاقيود رقابية، ولا محظوراث سياسية . والذي يتابع التطورات الرقمية وثورة الذكاء الاصطناعي يشهد في كل يوم لبنة جديدة تضاف إلى صرح العالم الرقمي ، وتعظم دوره وأهميته في حاضر حياتنا ومستقبلها . هذا المستقبل الرقمي لا يعترف بتقاليد الرقابةالقديمة، ويتعالى على محظوراتها المتنوعة بالمستجدات الرقمية التي تتيح ملايين الكتب والمعلومات التي لا تعترف بأية قيود أو حدود . ويجب على المبدعين والمبدعات في العالم العربي سرعة التواؤم مع آفاق الإبداعات الرقمية، والإلمام الجيد بتفاصيلها ، وآليات إنتاجها، والإفادة من منجزاتها العلمية والمعلوماتية المتاحة بيسر وسهولة ودون موانع أو قيو

تقول الأستاذة حياة قاصدي الروائية
ومدير دارالأمير للنشر,التوزيع والترجمة
بمارسيليا فرنسا,إن قضية حظر كتاب

معين ومنعه من التداول والوصول إلى يد
القراء لها جذورها التاريخية ، سبق وأن
عرف التاريخ كتابا منعت أفكارهم من
النشر مثل ما حدث مع ابن رشد الذي
حرمت كتبه و تعرضت للحرق في
الندلس، و العالم الإيطالي جاليليو الذي
منعت الكنيسة كتاباته من التداول
إن الكتاب في نظر السلطات سواء كانت سياسية أم دينية يعد سلاحا ذو حدين ،
يمكن الاعتماد عليها لتمكين سلطتها كما هو الأداة التي تهدد استمرارية وامتداد
منهاجها ، بعيدا عن ما يحمله الكتاب من فكر قد يتلءم أو يتعارض مع
توجهاتها يبقى الحظر القائم مسألة لها ما يبررها عندما يتعلق الأمر بالذات
الإلهية و الأنبياء و الخلق ، والمبرر لحظر الفكر الذي يعد عصارة فكرإنساني يصب في خدمة النهضة و فتح أبواب الحوار الذي يستسقي خصوبته
من الختلف الفكري الذي يسمح للطرف
المعارض مهما كانت فكرته أن ينظر لبناء مجتمعات متحضرة ل تخاف من
التنوع والختلف بقدر ما يكون هذا عنصرا أساسيا على السلطات أن ترعاه
في ظل التنافس الفكري الحر

في حين يرى محمد الأمين بن عزة، أستاذ وباحث في الفلسفة من منظور آخر قائلا

يبدو لي أنّ ما تقوم به بعض الدول من حجب للكتب وما يُضارعها من منتجات فنية/ إبداعية (روايات، أعمال فكرية ونقدية، أعمال سينيمائية…) ينزع نحو الوصاية القيمية أكثر من كونه ضرورية سوسيوسياسية/ وظيفية تفرضها هذا النوع من الدول التي تَرومُ ممارسة العنف المشروع بشتى أشكاله الرقابية والضبطية وحتى القمعية. إنّ هذا النّوع من الممارسات يؤشر – بكثير من الوضوح – على عدم الإحساس بالتّغير والتّسارع في المنظومة القيمية، المحلية والعالمية، في مختلف المجالات الإجتماعية والتقنية والإقتصادية، فَضلًا عن الثّقافية. إنّه تحوّل عميق في الذّهنيات لا يُحابهُ بالأساليب البيروقراطية التقليدية أو العقليات المتحجِّرة التي عفا عنها الزّمن وتجاوزتها الأحداث؛ لأنّ ذلك سيُفضي حتما إلى حالة التّصادم بين أجيال مختلفة ومنظومات قيميّة متباينة في كل شيئ، وهي ظاهرة سوسيولوجية حتمية تطال جميع المجتمعات التي لا تحسن الإصغاء المُرهف إلى حركية المجتمعات والتغيّرات التي تشهدها، وإلّا فما الجدوى من جحب هذا الكتاب أو ذاك، وإقصاء هذا المفكر أو ذاك وشيطنة إنتاجهم الفكري إذا كان نظام العلامات والمعلومات متوفرا كمًّا ونوعا وبشتى السبل في عالم سبراني مُعولم، وفي ظل السوبر حداثة أو الحداثة الفائقة التي تشهدها البشرية راهنا؟!
أي نعم، نحن نعلم أنّ جميع الدول تسعى لحفظ أمنها، والأمن هنا يتخذ أشكالا متعدّدة، وهو ضرورة لا مَحيصَ عنها في عالم لا يرحم. عالم تسوده ثقافة الهيمنة والقوّة ومنطق الغَلبة وما ينجَرّ عنها من رغبة في تفكيك المجتمعات والدول تحقيقا لمصالح مختلفة، خاصة الدول التي تمانع الإنخراط الكلّى واللّامشروط في المنظومة العالمية المعولمة. لكن تظل أمام هذه الدول – على افتراض صواب ونُبل المقاصد والغايات ترومها – خيارات عقلانية وناعمة في تحصين الذّات الجماعية وتحقيق الأمن الفكري والثقافي دون قتل الفعل الإبداعي أو تحجيمه والحجر عليه، وذاك هو الرّهان

من زاوية أخرى تقول الصحفية مروة حرب واحدة من الكوادر التي تعمل بدور النشر

إنَّ فكرة حجب الكتب في المعارض أو المكتبات، يمكن أن تُطرح في سياقات مختلفة، مثل حماية الفئات العمرية الصغيرة، أو لحماية الجمهور من محتوى مضر، كمواضيع العنف، أو التمييز، أو اللّغة غير اللّائقة، أو لأسباب سياسية أو دينية، حيث يُنظر إلى بعض الكتب على أنَّها تهديد للقيم، أو للأيديولوجيات السائدة.
في عصر الرقمنة، تذوب الحواجز التي حاولنا بناءها حول المعرفة، فكلُّ قيد يشبه شبكة عنكبوت لا تستطيع إيقاف تدفُّق الضوء، والقيود التي تفرضها الرقابة ليست سوى دعوات خفيَّة لاكتشاف المزيد؛ لأنَّ كلَّ حجب يفتح أبوابًا جديدة للفضول والتفكير، سيما أنَّ الكتب التي تطالها عصا الرقابة، قد تكون متاحة عبر الإنترنت، أو من خلال قنوات غير رسميَّة، وحتَّى أنَّ استخدام التكنولوجيا لحجب المحتوى، يفقد نجاعته؛ حيث يمكن دائمًا إيجاد سبل للوصول إلى المعلومة بطرق مبتكرة.
إنَّ مثل هذه القرارات تعدُّ انتهاكًا صارخًا لحقوق الأفراد في التَّعبير والمعرفة، ودائمًا ما تثير جدلًا ثقافيًّا وإعلاميًّا، مما يزيد من الوعي بالمواضيع التي يتمّ حجبها، خاصةً في الدول التي تروج لحرية التعبير والحقوق الثقافية. وإذا كان قرار الحجب يحمل تأثيرات مباشرة على توزيع الكتب، فإن الأثر طويل الأمد قد يكون محدودًا، ويجب النظر في بدائل أكثر إيجابية، مثل التعليم والتشجيع على التفكير النقدي، بدلًا من حجب الكتب. يمكن تبني استراتيجيات تعليمية لتعزيز الوعي النقدي، وتطوير القدرة على التعامل مع الأفكار المتنوعة، وتشجيع النقاش المفتوح والبحث، وكلُّها خيارات يمكن أن تكون أكثر فاعلية من الرقابة في معالجة القضايا الفكرية والثقافية.