المرأة طاقة التغيير للمجتمع المصري الحديث والمعاصر

بقلم الكاتبة نجلاء احمد حسن
إن التغيير الايجابي الذي تسعى اليه المجتمعات مرهون بشكل كبير بواقع المرأة ،ومدى تمكنها من القيام بأدوارها في المجتمع، فهي تشغل دورا أساسيا في بناء أسرتها ورعايتها لهم، من خلال ما يقع على عاتقها كأم من مسؤولية تربية الأجيال، وبناءً على مؤهلاتها العلمية والثقافية والاجتماعية تنوعت أدوارها في المُجتمع على مُختلف الأصعدة، ومن الأدوار المهمة التي تشغلها المرأة في المجتمع كدورها في الرعاية والدعم المجتمعي في العديد من المجالات، حيث أنها تبذل أقصى طاقتها في رعاية الأطفال وكبار السن من عائلتها
وتساهم المرأة بشكل كبير في تطوير الأسس التعليمية المختلفة في دول العالم، وذلك من خلال التدريس الأساسي المتضمن لقواعد ومفاهيم القراءة والكتابة وتطور اللغة.وكذلك الحفاظ على الموروث الثقافي الاسري والمجتمعي ؛ وفي مجال العمل للمرأة دور كبير في التطويرفي المجالات والقطاعات العملية والعلمية المختلفة ، كما أنها تسهم أيضًا في بث التأثيرات الإيجابية التي تطرأ على المجتمع ومكوناته. وهي لاعب رئيس للتغيير في مجتمع العمل وفي تنمية حركة الاقتصاد فنجد ان 30% من قروض المشروعات الصغيرة تحصل عليها النساء البالغ تعدادهم في مصر 53 مليون نسمة حسب اخر تقرير صادر عن المجلس القومي للمراة
وقد تتحكم بعض المفاهيم السلبية من الماضي بشكل ملحوظ في تطور مسيرتها كما يشير كتاب الطبقة العليا المصرية بين ثورتين (1919- 1952) للكاتبة ماجدة بركة ،فكانت النظرة لعمل المراة من الطبقة العليا لدى صاحب العمل حتى لو كان حكوميا يعد شيئا مشينا ومسيئا ، ولم يكن مقبولا ان يكون رئيس العمل من الغرباء بل ان بعض الشواهد تشير الى ان بعض رجال تلك الطبقة كانوا يعتنقون الراي نفسه بالنسبة لانفسهم الى حد اعتبار العمل الحكومي نوعا من العبودية. لكن انواعا اخرى من العمل كانت متاحة لهؤلاء النساء فاصبح دور الزوجة في البيت معادلا لدور ناظر الزراعة في العزبة الريفية ، والعمل الرسمي لنساء الطبقة العليا متاحا من خلال الانخراط في كثير من الانشطة الخيرية
ومن هنا ينبغي أن نعزز دور المرأة الاجتماعي ومساندتها بشكل مستمر والعمل على تذليل الصعوبات التي يمكن أن تواجهها مثل التقاليد والاعراف الاجتماعية التي تلغي استقلال كيان المرأة وبعض القوانين والأنظمة المجتمعية التي تعيق تحقيق المرأة لذاتها، بالإضافة لصعوبة التوفيق بين الدور العائلي والنشاط الاجتماعي
إن المرأة نصف المجتمع من حيث التكوين والمجتمع كله من حيث التأثير في نشأته وتكوينه ، فتشير الاحصائيات إلى أن تعليم المرأة وتمكينها من العمل انعكس ايجابًا على الأسرة، سواءً في الأمور التربوية أو الاقتصادية أو الصحية، فأصبحت المرأة في أغلب الدول تشكل قوة ديناميكية داعمة للتطور والتحول في المجتمع، لذلك من الجيد التأكيد على أهمية تمكين المرأة لكي تكون قادرة على القيام بأدوارها بفاعلية، والمقصود بالتمكين هي العملية التي تُشير إلى امتلاك المرأة للموارد وقدرتها على الاستفادة منها وإدارتها بهدف تحقيق مجموعة من الإنجازات للإرتقاء بالفرد والمجتمع.ودعما لدورها المهم ؛ يكفل قانون العمل المصري (قانون رقم 12 لسنة 2003) عددًا من الحقوق ؛مثل حق الحصول على اجازة وضع مدفوعة الأجر وساعات للرضاعة. الا أن العديد من المواد تمثل شكلا من أشكال الوصاية الأخلاقية على النساء فمثلا تحدد ساعات العمل للنساء بينما لا ينطبق الأمر على الرجال في ذات الوقت وتحدد الأعمال المقبولة أخلاقيا وصحيا للمرأة الا أنه لا يتناول ذات الأمر فيما يتعلق بالرجال ومماهو جدبر بالذكر ان هناك علامات مضيئة في مصر متعددة وكثيرة وعلى الصعيد المحلي نجد تاريخا طويلا من نضال النساء ويحضرني اليوم نجمات المراة المصرية التى أنجبت نساء ورجالا أوفياء وكراماء
حقا ان تخلفت المراة تخلف الرجل ، وتراجع المجتمع وضعفت النشئة ، وهي حقيقة قد تغيب عن ذهن البعض ، من دعاة النظرة المستضعفة للمراة فان هي ضعفت ضعفت الحياة الاسرية ، فان مارس احدهما على الاخر ثقافة القسوة والغلظة والزج في متاهات الظلم الاسود ،انتهت فكرة السلام المجتمعي وتنتهي معه التمكين الاقتصادي والتنمية المستدامة والتي تدعو لتضافر جهود المجتمع نحو الارتقاء الحضاري. طبقاً للعديد من الإحصائيات العالمية عامة و المحلية خاصة فإن مصر تعد من البلدان التي تحوي نسبة كبيرة من النساء ضمن القوى العاملة
ونشرت منصة اليوم السابع في مارس 2023 عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بإحصائية عن نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة المصرية بمناسبة يوم المرأة المصرية في (عام2023)وكانت النتيجة هي “15.9% بالمئة” من إجمالي سوق العمل، بعمر 15 سنة فأكثر مقابل 69.6% للذكور كما سجل معدل البطالة للاناث 17.8% مقابل 4.7%للذكور وبلغت نسبة الاناث اللاتي يعملن عملا دائما 85.3% مقابل 60.5% من الذكور و أن قرابة 12 مليون سيدة تقوم على رئاسة واعالة اسرتها في اجمالي عدد سكان يبلغ 104.77 ملايين نسمة
وما تزال المراة في تطور مستمر وتمكين وان تكون اهداف قطاع ثقافة المراة من اهداف استراتيجية رؤية مصر 2030 الوطنية ، لتمكين المراة المصرية والتي من دعائمها وصول المراة للمناصب ،وتفعيل القوانين وتعزيز ريادة الاعمال وحاضنات الاعمال ،والقضاء على الفقر والمرض.وقد وعت الاردة السياسية بدور المراة المهم والفاعل في المجتمع ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي خطابا واضحا باهميتها وشكر لدورها الحيوي في المجتمع ويعتبر المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات اساسيا من اجل تحقيق التنمية المستدامة الحقيقية واحلال الامن المجتمعي وضمان تكافؤ الفرص في التعليم المهني للجنسين على السواء بتكاليف ميسورة للفئات المستحقة والفئات المستضعفة ،او ذوي الاحتياجات الخاصة لتحقيق تكافؤ الفرص
نظرة تاريخية على نماذج مشرفة للمرأة المصرية في بداية العصر الحديث
فاطمة اسماعيل نموذجا مضيئا في حياة التعليم بمصر وهي للأميرة فاطمة ابنة الخديو إسماعيل “1853- 1920) وهى سيدة مصرية صاحبة فضل ورؤية، ومساهمة حقيقية فى النهضة المصرية الحديثة، وذلك بسبب تبرعها الكبير لإنشاء الجامعة المصرية
كان مشروع بناء جامعة القاهرة سيتوقف لولا رغبة الأميرة فاطمة ابنة الخديوى إسماعيل فى المساهمة لبناء الجامعة التى تضمن استمرار المشروع و توطيد كل أركانه، فلم يكن الدار التى أقامت بها الجامعة من قبل ملكًا لها بل كانت تؤجر الدور الأول من صاحبه الخواجة نستور جناكليس بأموال كثيرة بلغت 400 جنيه فى العام، كان جناكليس لا يريد إيجار الدار بل بيعه سواء للجامعة أو غيره، إلى أن تم إقناع جناكليس من قبل الأمير أحمد فؤاد بمد عقد الإيجار أربع سنوات، فوافق جناكليس على شرط أن لا يؤجرها لهم بعد هذه المدة، وكان موقعها بمقر الجامعة الأمريكية بالتحرير، هذه الظروف لم تجعل المكان مقرًا ثابتًا للجامعةوعلمت الاميرة فاطمة اسماعيل من طبيبها الدكتور محمد علوي باشا بصعوبات مالية تواجه استمرار الجامعة في القيام بدورها فقامت بالتبرع بستة افدنة لانشاء المباني واوقفت ايراد 661 فدانا من اجود اراضي محافظة الدقهلية وبلغ وقتها اربعة الاف جنيها مصريا سنويا في ميزانية الجامعة وتحملت سائر تكاليف البناء وقدرت بمبلغ 26 الف جنيه علاوة على اهدائها بعضا من جواهرها النفيسة لبناء المقر الجديد والتي بيعت بمبلغ 70 الف جنيها مصريا وتحملت نفقات حفل وضع اساس الجامعة في 31 مارس 1914 الذي نقش على مدخل كلية الاداب (هذه من أثار حضرة صاحبة السمو الاميرة فاطمة ) وحضر الافتتاح الخديو عباس حلمي ابن اخ الاميرة فاطمة (عمته) وتم تاسيس الجامعة 1907
ومن النماذج المهمة للمرأة المصرية وهي الدكتورة جرترود لبيب نسيم نموذجا متميزا لعمل المراة من صعيد مصر و في طبيعة قاسية وسط المحاجر والصحراء، وهي الانسة الدكتورة جرترود لبيب نسيم مكتشفة معدن النيكل و اول فتاة مصرية تخصصت في
الكيمياء والجيولوجيا اشتغلت بعد تخرجها مع والدها عام 1939 من كلية العلوم في البحث والكشف عن المعادن واعمال المناجم في صحارى المصرية ولدت عام 1915 وتوفيت عام 1963 حصلت على الدكتوراة في الفلسفة والجيولوجيا من لندن اكتشفت معدن النيكل اثناء انشغالها في تحضير رسالة الماجستير في منجم قديم للنحاس استغله قدماء المصريين كما استغلته شركة انجليزية عام1904 وقامت باهداء الملك فاروق أول سبيكة نيكل مصرية
.ونموذجا اخر مشرفا للمراة المصرية وهي درية شفيق التي قادت في فبراير 1951 برفقة 1500 امرأة مصرية مظاهرة اقتحمت بها مقر مجلس نواب مصر( البرلمان )، حيث كانت تهدف بأن ينظر المجلس ورئيسه بجدية في قضايا ومطالب المرأة المصرية، واصبحت تلك اللحظة تاريخية بالنسبة للحركة النسائية. أغلقت على اثرها المجلس التشريعي أكثر من أربع ساعات، حتى تعهّد رئيس المجلس الأعلى بالنظر في مطالبهن الرئيسية وهي : حق المرأة في التصويت وتولّي المناصب، إلا أنه لم يتطرّق إلى مطالبهن الأخرى، كالمساواة في الأجور وإصلاح قوانين الزواج والطلاق. ساعدت تلك المظاهرة في منح شفيق “مكانة بين أكثر النساء تأثيراً في تاريخ العالم العربي
بدأت درية شفيق حركتها الخاصة سنة 1948، وأسمتها اتحاد بنات النيل، تهدف إلى تقديم الخدمة للعاملات المحتاجات في مصر، وقامت بإنشاء مكتب لتشغيل طلبة الجامعات وتأسيس نادي بنت النيل الخاص لتقديم حفلات ثقافية للشباب وندوات لرفع الوعي السياسي لدى المراة وفصول محو أمية بحي بولاق. وفي وقت إعداد لجنة مشكلة من قبل حكومة الثورة لإعداد دستور مصري جديد وذلك عام 1954 ، احتجت درية شفيق لعدم وجود امرأة واحدة بين أعضاء اللجنة، وقامت برفقة نساء أخريات بإضراب عن الطعام لمدة عشرة أيام، حينها وعدها الرئيس محمد نجيب في رسالة نقلها إليها محافظ القاهرة وقتها بأن الدستور المصري الجديد “سيكفل للمرأة حقها السياسي”، وهو ما تحقق بمنح المرأة المصرية حق التصويت والترشح في الانتخابات العامة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، فقد ظلت درية شفيق في عزلة دامت 18 عاما في اكتئاب انتهى بها الامر الى القاء نفسها من الدور السادس بعزلتها وبعد هذا النضال الذي لم تتمتع به صاحبته تتمتع المراة المصرية اليوم بالعديد من الحقوق التي نادت بها درية شفيق واخريات ، وتستمر مسيرة كفاح المرأة، لتحصل على حق الانتخاب، وممارسة الحقوق السياسية كاملة، وقبل ذلك، الحق فى التعليم، وشغل أى من المناصب والوظائف العامة، وصولا لهذا اليوم، الذى نرى فيه المرأة فى جميع ميادين العمل الوطنى، نساء عاملات بشرف وقوة وكفاءة.. ومساهمات بفاعلية فى بناء مصر، الأم العظيمة
النوذج الثالت حكمت ابوزيد (1916-2010) أول وزيرة للشئون الاجتماعية في مصربعصر الرئيس جمال عبد الناصر؛ والتي أطلق عليها قلب الثورة الرحيم. وبتوليها هذا المنصب فتحت الباب للمرأة لتولي المناصب القيادية وحياتها ما بين مكافحة تقاليد الصعيد
وما بين الشهرة والنجاح ومابين أعوام من النضال الوطني وأعوام أخرى من النفي ،ولدت في قرية “نزالي جانوب” بالقوصية محافظة أسيوط حصلت على الدكتوراة من جامعة لندن عام 1957، تم تعيينها بكلية البنات بجامعة عين شمس، وانضمت في نفس العام لفِرَق المقاومة الشعبيَّة، حتي حرب عام 1956 فبدأت تتدرَّب عسكريًا مع الطالبات، وسافرت إلي بورسعيد مع سيزا نبراوي، وإنجي أفلاطون، ولقد شاركن في كل شيء من الإسعافات الأوليَّة، حتي المشاركة في المعارك العسكريَّة
ومازال المجتمع المصري ينتج نماذجا عديدة مشرفة ومضيئة في العصر الحديث وفي الحياة المعاصرة نجد ان المراة المصرية شريكا في التنمية المستدامة وفي نهضة مصر الاقتصاد

