“للمحبة وجه واحد …و للنفاق ألف”
قراءة في رواية “أرض النفاق” ليوسف السباعي

بقلم الأستاذة فضيلة بهيليل
من أرض تتعطر برائحة النفاق ، وعالم خيالي على قدر حقيقته ووضوحه افتتح الكاتب يوسف السباعي روايته “أرض النفاق”، بقصة تاجر الأخلاق الذي اتخذ لمحله مكانا شبه مهجور، يزوره البطل بدافع الفضول الذي يسكن النفس البشرية الراغبة في معرفة كل شيء، وبعيون تلتقط في شبه سخرية ما كان بالمحل من شوالات يبيع فيها هذا التاجر بضاعته التي تكدست وما عاد أحد يطلبها غير بطل الرواية الذي كان قد دخل المحل بعدما قرأ اللافتة عشرات المرات حتى يتأكد أنها تحمل فعلا اسم ” تاجر أخلاق” . سلعة احتار البطل في اكتشافها فراح يراوغ التاجر كي يميط عنها لثام الغموض متحسسا بيده بين الأكياس فلا يقع إلا على مواد أشبه ما تكون بمحلات العطارة، غير أنها لا رائحة فيها ولا طعم لها
.
يزداد الأمر سخرية ودهشة حين يعددها صاحبها سلعة سلعة بعدما سأله البطل عن محتوى الأكياس: “-ما هذه؟ – تضحية. -وهذا؟ -مروءة.-وهذا الكيس الذي على الرف؟. –إخلاص” (ص20) ومثله تساءلنا عن كيفية وزنها بالكيلو أم اللتر أم غيرهما قبل أن يدلنا عليها صاحبها في حوار على قدر غرابته يحمل الكثير من الدلالات العميقة “وأشرت بالأخرى في شيء من الثقة والكبرياء إلى ‘شوال الشجاعة’ وقلت في منتهى الجد: -زن لي رطلا. وأجاب الرجل بنفس الجد ولمحت في عينيه شيئا من التبرم بجهلي المطبق:ليس بالرطل. –إذا أقه. – ولا بالأقة. –كيلو؟!!(ص17) ليتضح عند قوله: “نحن هنا لا نزن بالرطل، أو نكيل بالقدح.. إن مقياس البيع هنا بالزمن .. فيمكنك أن تأخذ مقدار شجاعة يوم .. أو عشرة.. أو إن شئت ما يكفيك شجاعة مدى العمر” (ص17). ما يلبث أن يتحول الحوار الذي بدا لنا غريبا لا يصدر إلا عن الحمقى والمغفلين إلى حِكم تزيد من رغبتنا في التعرف عما يخفيه هذا الرجل المسن الذي اتخذ من ذلك المكان المعزول “متجرا للأخلاق” ، تزيد دهشتنا ونحن نرى ونسمع البطل يقتني من كيس الشجاعة مقدار عشرة أيام… قال بائعها إنه لا يطمع في سعرها إلا يوم الحساب، غير أنه ينصح المشتري بعدم جدوى هذه السلعة (الشجاعة) لأنها لم تعد تماشي العصر، بل صارت على حد قوله “دقّة قديمة”، وأنه سبق و عانى كثيرا بعدما تناول من تلك السلع جميعها (الصبر والمروءة والشجاعة) فأصيب بخيبة الأمل ،يقاطعه المشتري مستظرفا أن يغير هاته البضاعة ( التضحية، الكرم، الصبر، الشجاعة…) ويستبدلها بأخرى جديدة حسب متطلبات العصر كـ ( النفاق، الكذب، الغش، الزيف…)، غير أن البائع يرد بما أوجع قلوبنا لصدق القول وبأن تلك السلع نفذت فعلا وصار من الصعب الحصول عليها، ثم يعطينا مثالا عن كيفية نفاذ سلعة النفاق الأكثر رواجا. يقتني البطل من بضاعة الشجاعة ، يحتسيها ببيته فتتغير طباعة ويصير أكثر شجاعة من ذي قبل تزعجه الأمور التي كان يجبن أمامها ويتفادها سابقا كشجار حماته وتوبيخها للمربية وضربه لسائق الميترو بعدما كان جبانا لا يجرؤ حتى على الكلام. يخرج كعادته للعمل واليوم كانت بانتظاره صفقة مهمة غير أن الأوتوبيس لا يتوقف كالعادة فيتشبث بالبوابة ويضرب السائق، ويحال الاثنان إلى قسم الشرطة أين تتغير أفكار البطل الذي كان يصمت لرؤية الظلم قد حركته شجاعة المشروب ليقف في وجه الشرطة مدافعا عن امرأة تشكو زوجها السكير وقد رُفضت دعواها، دقائق يصل إلى أسماعهم ارتطامها على الجدار قد انتقم منها زوجها قبل حتى أن يعبرا شارع مقر الشرطة. لا يتوقف الأمر هنا بل يتعداه إلى محاولة البطل الدفاع عن المرأة بضرب زوجها فيحدث ما لم يكن متوقعا بالمنظور الأخلاقي لكنه متوقع وعادي جدا بمفاهيم عصرنا، إذ تحولت المرأة وزوجها إلى ضرب البطل…وتمت إحالته إلى الزنزانة بسبب مخالفتين الأولى ضربه للسائق والثانية للسكير.
وهو بالسجن جلس يفكر ويعيد النظر في مسألة نقمة الشجاعة التي توشك على إنهاء مستقبله: “ماذا فعلت من مظاهر الشجاعة؟ تعاركت مع حماتي من أجل الخادمة (…)لم استطع الصبر حتى يقف الأوتوبيس فأركب فيه، بل حاولت أن أركبه وهو سائر كأي متشرد من أبناء السبيل، ولم تساعدني خيبتي على الشعبطة فسقطت على الأرض كأي مدب، وذهبت قيافتي وضاع قدري. ولم أكتف بهذا بل هجمت على السائق واشتبكت معه في معركة بالركلات واللكمات والروسيات.. كالرعاع والغوغاء (…) ولم أكتف بكل هذا بل اندفعت كأي حمار لأتدخل بين زوج وزوجته (…) أهذا هو ما استطعت أن أفعله بشجاعتي؟”(ص:45) نقمة حاول تحاشيها بعدما أعاد النظر فتذلل مستعينا بطرقه القديمة إلى الباشجاويش حتى أطلق سراحه، ووعد نفسه أن يترك الشجاعة جانبا إن هو أراد النجاة والعيش بسلام. يبحث البطل عن شيء أكثر قيمة واستحقاقا لشجاعته فيتذكر قضية فلسطين غير أنه سرعان ما يعدل عن الفكرة عندما يخبره أحد القادمين من فلسطين أن اليهود تملك ما تبيد به الشعب الأعزل وأنه لن يزيد فلسطين سوى عدد شهيد ولذلك لابد له من البحث عن وسيلة أجدى لمساعدتها، فيحاول التوجه مباشرة إلى مقر الأمانة العامة للجامعة العربية كي يوقظهم من نومهم فيلاقي ما يلاقي من ويلات يعود على إثرها فارّا مختبئا ببيته لاعنا شجاعته التي أفسدت في يوم واحد ما حافظ عليه طيلة سنوات عمره، يستغيث بأخيه في هيستيريا: “شوية جُبن” قبل أن تقتله شجاعته ويمضي بحثا عن تاجر الأخلاق علّه ينقذه ببعض “الجبن” ، تصادفه جارته التي ما تنفك تراوده عن نفسه فيجبن ، ها هي الشجاعة تقوده لبيتها قبل أن يكمل مسيرة بحثه عن التاجر وعن “شوية جبن” يعيد له توازنه، غير أنه ينصدم من رد البائع بعدما سأله عن بضاعة الجبن: ” ولكني قلت إن هذا النوع من البضاعة قد نفذ ، ولم يبق لدي منه ذرة واحدة.. لا جبن ولا نفاق ولا كذب ولا رياء ولا لؤم ولا خسة، هذه أصناف قد استنفذت كلها، فماذا أستطيع أن أفعل لك؟” (ص:104) يتوسل البطل أن يفتش مرة أخرى وأن يجد له ولو ذرة علها وقعت على الأرض سهوا، فيقترح عليه البائع استبدال جرعة الشجاعة بجرعة أخرى تحل محلها وتكون أقل ضررا فوقع الاختيار على المروءة وما كان يدري أنه يستجير بالرمضاء من النار، إذ لم تكد جرعة المروءة تستقر في جوفه حتى نظر إلى التاجر وأحس بالرثاء تجاهه والعطف عليه وقرر البقاء عنده لخدمته، ومن قصة لقصة ومن مشروب لآخر تتجلى لنا الحقائق التي نعرفها ونخفيها حتى على أنفسنا خوفا من الجهر بها. إنه النفاق الذي سكن القلوب فأضحى هذا العالم أعرج المفاهيم، يسير بالمقلوب
