قراءة في هوامش نجيب محفوظ

بقلم الأستاذ سمير لوبه
نتناول هنا إحدى روايات ” نجيب محفوظ ” والتي لم تنل من الشهرةِ ما نالته مثيلاتها من رواياتِ أديبِ ” نوبل ” ، صدرت طبعتُها الأولى عام 1975 عن ” مكتبة مصر” ، وهي روايةٌ صغيرةُ الحجمِ نسبيًا صادرةً في 155 صفحةٍ ، تحولت إلى فيلمٍ سينمائي سنة
1989 إخراج ” عاطف الطيب “، ومن بطولة ” فريد شوقي ونور الشريف وهالة صدقي ومحمود الجندي ” 1975 ، وقد أبدع ” محسن زايد ” في كتابةِ السيناريو والحوارِ ، واستطاع أن يتغلبَ بذكاءٍ على مشقةِ تحويلِ الفقرِ الحواريةِ المكتوبةِ بالفصحى ، إلى عاميةٍ لا تقلُّ دقةً ولا تأثيرًا عن النصِ الأصلي لمحفوظ ، وتمَّ عرضُه الأولُ في 2 أكتوبر من نفسِ العامِ ، عن روايةِ ” قلب الليل ” نتحدث
روايةِ قلب الليل
تدورُ أحداثُ الروايةِ في إطارٍ اجتماعي داخلَ أحياءِ وشوارعِ القاهرةِ القديمةِ و المعروفةِ لنا مثل ” خان جعفر، حارة مرجوش ، وعشش الترجمان ، وباب الخلق ، والجامع الأزهر
يبدأ محفوظ روايتَه بـ ” جعفر سيد الراوي ” – بطلُ القصةِ – عندما يقررُ الذهابَ إلى الأوقافِ للمطالبةِ بأملاكِ جدِه ، لكن موظفَ الأوقافِ الذي يعرفُ ” جعفر” يشرحُ له أنَّه من غيرِ الممكنِ الحصولُ على الميراثِ بعدما أوقف جدُه كلَ ثروتِه لأعمالِ الخيرِ، فيصرُّ ” جعفر” على أن يحصلَ على الميراثِ ، تتوطدُ العلاقةُ بينَ الموظفِ و” جعفر” فيحكي له قصتَه في إحدى جلساتِهما في إحدى المقاهي بدايةً من وفاةِ والدتِه مرورًا بانتقالِه إلى منزلِ جدِه فاحشِ الثراءِ ، وتمردِه على حياةِ الالتزامِ الأزهري ، وميلِه إلى التمردِ على سلطةِ الجدِ ، وحبِه لراعيةِ غنمٍ تدعى ” مروانة ” ، وعيشتِه البوهيميةِ ومصاحبةِ المغنين ، وقصةِ طلاقِه للزوجةِ الأولى وزواجِه للمرةِ الثانيةِ بامرأةٍ ذات حسبٍ ، يتعرفُ في كنفِها على أربابِ الفكرِ والثقافةِ الذين يغرونُه بدراسةِ القانونِ ، والقراءةِ في شتى مجالاتِ المعرفةِ ، حتى يتوهمَ أن لديه نظريةً شاملةً جامعةً ، فيدونُها في كتابٍ بعد انعزالٍ طويلٍ ، وما إن يعرضُه على مديرِ مكتبه حتى يسخرَ منه ، فيقتله ! يسجنُ ” جعفر “، ثم يخرجُ في النهايةِ ليبحثَ عن مجدِ جدِه الضائعَ ، ويعيشُ مشردًا في ما تبقى من بيتِ جدِه القديمِ الذي صار خرابةً ، وتنتهي الروايةُ بتراجعِ ” جعفر الراوي ” عن كتابةِ التماسِ الإعانةِ الشهريةِ
الروايةُ في مجملِها فلسفيةٌ ، تتناولُ رحلةَ بحثِ الإنسانِ عن معنى في حياةٍ لا جدوى من ورائها ، فهي محاولةٌ لتصويرِ أزماتِ الفلسفةِ الوجوديةِ من خلالِ ” جعفر الراوي ” ، كما أنَّ في الروايةِ إشارةً إلى ما يمكنُ أن يجنيَه أي مجتمعٍ من غيابِ تواصلِ التجربةِ الحضاريةِ كما هي الحالُ في المجتمعِ المصري ، لم يكملْ ” جعفر الراوي ” مشروعَه الأزهري ، وانتقل إلى الغناءِ ، ضاق بحياةِ الأثرياءِ والأعيانِ ، واتجه إلى أهالي ” عشش الترجمان ” الأشرار، وشغف حبًا بمروانة راعيةِ الغنمِ ، ولم يكملْ حياتَه معها ، وانغمس في عالمِ الغناءِ حتى أحبته امرأةٌ ثريةٌ فتزوجته ، لينتقلَ إلى مرحلةٍ جديدةٍ هي حياةُ الثقافةِ والأدبِ ، ثم جرت به الإحداثُ ليرتكبَ جريمةَ قتلٍ ، أعقبها السجنُ والتشردُ ، كذلك مصر، فقد أعاقت تواصلَ المشروعِ الحضاري المصري أمورٌ شتى على مدارِ آلافِ السنين التي شهدت وجودَ الدولةِ المصريةِ عصورَ الاحتلالِ المتعاقبةِ ، وتناقضَ البنى الثقافيةِ والاجتماعيةِ التي تتوالى على مصرَ ، في الروايةِ تعرض ” نجيب محفوظ ” لبعضِ الفلسفاتِ المتباينةِ فعرض لفلسفتِه في العقلِ وفلسفتِه للحريةِ وفلسفتِه للفكرِ ، تلك الفلسفاتُ التي اختلفت تبعاً لاختلافِ حالِ صاحبِها المتغيرِ الأحوالِ ، ينجحُ ” نجيب محفوظ ” في رواية ” قلب الليل ” في خلقِ شخصيةِ البطلِ الذي يطلُّ علينا من زمنٍ بعيدٍ بدرجةٍ كافيةٍ ؛ لتعطيه ذلك التنوعَ في الشخصياتِ الذي جعله يجمعُ بينَهم على تناقضِهم وتنتهي به الحالُ إلى الخروجِ بأثرِ تجربةِ كلِ واحدٍ فيهم ليصبحَ تلك الشخصيةَ التائهةَ في حياةٍ يستهينُ بها ، وتعتبرُ تلك الاستهانةُ هي السبيلُ لكسبِ احترامِ الحياةِ لها ، يغلبُ على الروايةِ الرمزيةُ العميقةُ والتناولُ الفلسفي الأنيقُ دونَ تكلفٍ ، يتوجُ ذلك كلَه أسلوبُ ” نجيب محفوظ ” بسماتِه وخصائصِه الجذَّابةِ ، كذلك مهارةُ ” محفوظ ” في بناءِ الشخصياتِ ، مما يؤكدُ قدرتَه على تأملِ الأشخاصِ واقتناصِ أدقِ التفاصيلِ الإنسانيةِ لكلِ شخصيةٍ ، في الروايةِ الكثيرُ من ينابيعِ الجمالِ التي لم تكتشفْ بعد ، وهي في حاجةٍ لمزيدٍ من القراءاتِ والتحليلاتِ النقديةِ
في الروايةِ نجدُ في لقبِ ” الراوي ” إشارةً إلى الفعلِ الذي سيقومُ به خلالَ صفحاتِ هذا العملِ وهو روايةُ أحداثِ قصتِه من البدايةِ حتى تحولِه الأخيرِ ، يذهبُ ” جعفر ” إلى موظفِ الأوقافِ وكان من أهلِ الحي الذي نشأ فيه ، ويطلبُ منه استردادَ وقف جدِه الذي تركه ، فهو الوريثُ الوحيدُ ، فتأبى قوانينُ الأوقافِ هذا الأمرَ، وخاصةً أنَّ وقفَ الراوي هو أكبرُ وقفٍ خيري في الأوقافِ ، وتتوطدُ العلاقةُ بينَ ” جعفر” والموظفِ ، حتى يجمعَهما مقهى في إحدى الأمسياتِ المتكررةِ ، فيروي ” جعفر ” لصاحبِه قصةَ حياتِه، بدايةً من وفاةِ أمِه ، ومرورًا بانتقالِه إلى منزلِ جدِه فاحشِ الثراءِ ، وكيف آلت به الحالُ لما أصبح عليه
تعتبرُ روايةُ ” قلب الليل ” من الرواياتِ المهمشةِ ، ويرجعُ ذلك لسببين : الأولُ منها النقادُ المعاصرون لنجيب محفوظ فقد اتفق أغلبُهم على أن أفضلَ أعمالِه على الإطلاقِ ” الثلاثية – بداية ونهاية – خان الخليلي – الحرافيش – أولاد حارتنا ” فصار هذا الحكمُ غيرُ المنصفِ طعنةً تكادُ اليومَ أن تودي ببقيةِ أعمالِ ” نجيب محفوظ ” المتميزةِ ، التي قد تتجاوزُ في بنائها الفني وطرحِها تلك الرواياتِ التي قرر النقادُ أنَّها الأفضلُ ، والسببُ الثاني مبني على الأولِ فقد أثرت هذه الرؤيةُ النقديةُ الجائرةُ في توافرِ أعمالِ ” نجيب محفوظ في هذا العصرِ ، فبعد أن انفردت ” دار الشروق ” بحقوقِ طباعةِ مؤلفاتِ ” نجيب محفوظ ” بعد أن احتفظت بها ” مكتبة مصر” لسنواتٍ طويلةٍ ، لم تعد تهتمُ تلك الأولى في أغلبِ الأوقاتِ إلا بإصدارِ قائمةِ مؤلفاتِ الرسميةِ التي اعتمدها النقادُ ، لكي تضمنَ رواجَها لدى الأجيالِ الجديدةِ من القراءِ الذين لا يعرفون عن ” محفوظ ” إلا ما ترامى من ألسنةِ من سبقوهم إلى عشقِ الأدبِ ، والذين طُبعت على عقولِهم الآراءُ النقديةُ القديمةُ التي تقدسُ القائمةَ الرسميةَ لمؤلفاتِ ” نجيب محفوظ ” دونَ بقيةِ المؤلفات الأخرى نتناولُ منهاعلى سبيلِ المثالِ لا الحصرِ رواية ” رحلة ابن فطومة
قراءة في روايةَ ” رحلة ابن فطومة
جَاءت تِلك الرُّوايةُ فِي 120 صفحةً تُلَخِصُ رِحلةَ الإنسانِ فِي الدنيا للوصولِ إلىَ الكمالِ أو النعيمِ ، شبَّه فِيها ” نجيب محفوظ ” حياةَ الإنسانِ برحلتِه مِن دارٍ إلىَ دارٍ- دارِ الشروقِ – دارِ الحيرةِ – دارِ الحلبةِ – دارِ الأمانِ – دارِ الغروبِ ، وفِي كلِ دارٍ يرىَ جَديداً ولكنَّ الثابتَ هو تغيرُ فكرِه مِنْ دارٍ إلىَ دارٍ ، تتبوَأ الفلسفةُ فِي الروايةِ حَيزَاً كَبيراً حَيثُ يُقدمُ لنَا ” محفوظ ” نفحةً مِنْ نَفحَاتِه الفلسفيةِ.. وأولُ صفحةٍ فِيهَا إنْ قَرَأتَهَا بَعدَ نِهايةِ الروايةِ ستفهمُ المعنىَ مِنْ ورَاءها
فهي تَحكي عَنْ رَحَّالةٍ عَربي هَاجر مِن بِلادِه بَعدَ فَشلِه فِي الزواجِ مِن مَحبوبتِه إلىَ دارِ الجبلِ بحثاً عَنْ الكمالِ والعدالةِ المفقودين في بلادِه ، يُشجعُه عَلَى ذلك أستاذُه الذي فشلَ فِي إكمالِ الرحلةِ بسببِ الحربِ التي كانت تدورُ بينَ البلادِ المتجاورةِ
و يمرُّ فِي رحلتِه عَلىَ عِدةِ بلادٍ ويتعطلُ فِي رحلتِه أكثرَ مِنْ مرةٍ بسببِ زواجِه وسجنِه ، يمرُّ فِي رحلتِه عَلىَ بلادِ المشرقِ حيثُ يلتقي بعروسةٍ ويتزوجُها وينجبُ منها خمسةَ أطفالٍ ، ولكنَّه يفرقُ بينَه وبينَهم بسببِ محاولتِه تعليمِ أطفالِه عقيدتِه
ثُمَّ بَعدَ ذلك يرحلُ إلىَ البلدِ التاليةِ وهي ” بلادُ الحيرةِ ” يرىَ فيها أنَّ الملكَ يُعتبرُ تمثيلٌ للهِ وتدورُ حربٌ بينَ الحيرةِ والمشرقِ وتنتصرُ جيوشُ الحيرةِ وتصبحُ عروسُه إحدىَ السبايَا ويشتريهَا ، ولكنَّ الحكيمَ الأكبرَ للملكِ يريدُها لنفسِه فيتسببُ فِي دخولِ ” ابن فطومة ” إلىَ السجنِ لمدةِ عشرين عامًا ، يحدثُ انقلابٌ علىَ الملكِ الحالي ويأتي ملكٌ جديدٌ ويحررُ ” ابن فطومة ” فيتركُ دارَ الحيرةِ راحلاً إلى” بلادِ الحلبةِ ” حيثُ يجدُ أنَّ الشعوبَ شديدةَ الحريةِ الدينيةِ وأنَّ كلَ الدياناتِ تتعايشُ فِي البلدِ بمَا فِيها الإلحادُ ، يتزوجُ للمرةِ الثانيةِ مِن ” سامية ” وتعملُ ممرضةً وينجبُ مِنهَا ثُمَّ يرحلُ إلىَ ” دارِ الأمانِ ” بحثاً عَنْ استكمالِ رحلتِه ويرىَ فِي ” دارِ الامانِ ” أنَّ كلَ فردٍ يتجسسُ علىَ صاحبِه ، وأنَّ كلَ فردٍ لَا يحقُّ له إبداءُ رأيه فِي غيرِ مجالِ عملِه ، ثُمَّ يتركُهَا رَاحلاً إلىَ “بلادِ الغروبِ ” التي تُعتبرُ المحطةُ النهائيةُ قبلَ وصولِه إلىَ ” دارِ الجبلِ ” ومِنهَا يرحلُ إلىَ ” دارِ الجبلِ ” بسببِ الحربِ الدائرةِ ، وبعدَ سفرِ شهرٍ متواصلٍ يصلُ بواباتِ ” دارِ الجبلِ ” وعندَها يصلُ إلىَ نهايةِ الروايةِ ويتركُ القارئ لاستنتاجِ النهايةِ
إنَّ عنوانَ الروايةِ مثيرٌ وجذَّابٌ و ” قنديل محمد العنابي ” أو” ابن فطومة ” هو الباحثُ عَنْ الكمالِ ويحملُ كمَا لاسمِه نورِه فِي داخلِه تلك الروحُ القلقةُ المتسائلةُ غيرُ الراضيةِ عَنْ الظلمِ والتواقةُ إلىَ الرحمةِ والحبِ ويمرُّ علىَ مدارِ خمسينِ عاماً بالبلدانِ المختلفةِ البدائيةِ مِنهَا والغارقةِ في الحضارةِ والروحانيةِ الخالصةِ كذلك ، ومن خلالِ رحلاتِه والتجاربِ المختلفةِ التي مرَّ بهَا يمكنُنا استخلاصُ شيئاً واحداً ( لا مفرَ مِنَ الظلمِ والانتهاكِ وكأنَّ الإنسانَ خُلقَ ليشقىَ بالفعلِ )
وعلىَ ما يبدو لي فإنَّ ” رحلة ابن فطومة ” تُحاكِي رحلةَ ” نجيب محفوظ ” الفكريةَ والروحيةَ فِي هذا العالمِ ، وتعبِرُ عمَّا اعترَاه علىَ مدارِ سنواتِ عمرِه مِنْ تَخبطِ بينَ الفلسفاتِ والرؤى السياسيةِ وطريقةِ الوصولِ لغايةِ الإنسانِ وهي السعادةُ ، وابنُ فطومةِ يتساءلُ : أينَ المدينةُ الفاضلةُ الكاملةُ ؟ ويتحرقُ للوصولِ لدارِ الجبلِ غايةِ المرادِ والمكتملةِ فيها السعادةِ الفرديةِ والتي ربَّما تَعني الوصولَ للموتِ أو الوصولِ لأقصى درجاتِ التصوفِ والسعادةِ الروحيةِ ، ولكي تصلَ إلىَ السعادةِ الكاملةِ فعليك أنْ تعملَ دونَ انتظارِ ثوابٍ وأنْ تُطهِرَ روحَك مِن الشوائبِ وذلك لا يتمُّ سوى فِي دارٍ أخرى تُسمى ” دارِ الغروبِ ” حتىَ يستطيعَ المتصوفُ القاصدُ ” دارِ الجبلِ ” الطيرانَ فعلياً لا مجازياً ، ويتركُ ” نجيب محفوظ ” النهايةَ بلا جوابٍ فقد انتهت مخطوطةُ ابنِ فطومةِ عندَ وصولِ الرحلةِ لدارِ الجبلِ فهلْ بلغَ الكمالَ حقاً ، أم أنَّه حُلماً بعيدَ المنالِ ؟ هكذا يتناولُ أصعبَ وأعمقَ القضايا بسلاسةٍ وحكمةٍ وبرمزيةٍ مُبدعةٍ يقارنُ بينَ حالِ كثيرٍ مِن المجتمعاتِ وبينَ مجتمعِنا الإسلامي بينَ مجتمعاتٍ تبحثُ وتجتهدُ لتصلَ إلىَ منهجٍ مُحددٍ يوفرُ لهَا الاستقرارَ والنجاحَ بينَما نحنُ المسلمون ونحنُ بأيدينا منهجُ حياةٍ لكنَّنا نسيرُ فِي الأرضِ هائمين لا تفكيرَ ، لا اجتهادَ ، ولا حتى مجردِ تطبيقٍ كما يجبُ ، فكان يبحثُ عن كنزِ في هذه الرحلةِ يبحثُ عن الدواءِ الذي يستطيعُ استخلاصِه منها ليقدمَه لمجتمعِه ربَّما يشفى لكن كعادةِ كلِ الأشياءِ القيمةِ في حوزتِنا ولا نكترثُ لها ، إنَّ اللمحةَ الفلسفيةَ فِي حديثِه عنْ الدينِ والدنيا ليست خفيةً فِي كتاباتِه ، لكن لكلامِه الكثيرَ منَ المعاني ، يستطيعُ كلُ قارئ بأنْ يؤولَ الروايةَ منْ وجهةِ نظرِه الخاصةِ ، ويستخلصُ المعنى الذي يريدُه مِنها ، لكن من العسيرِ أنْ تفهمَ ما كان يدورُ بخُلدِ ” محفوظ ” بالضبطِ عندَما يُمسِكُ قلمَه ، وتلك سمةٌ من سماتِ تُميزُ ” نجيب محفوظ ” ، إنَّ ما يريدُ أنْ يوضحَه ” محفوظ ” أن ” قنديل ” ترك بلادَه التي ملَّ مِنها وظلَّ يرتحلُ فِي مختلفِ مراحلِه العمريةِ وراءَ المعرفةِ الكامنةِ فِي ” دار الجبل ” وفِي ظلِ بحثِه شغله متاعُ الدنيا عَن هدفِه الذي ترك بلادَه لكي يسعى وراءه ، ولم نعرفْ هلْ وجده أمْ لا ؛ لأنَّه لمْ يعد بإمكانِنا أنْ نعرفَ أكثرَ منْ هذا
تحكي الروايةُ أنَّ التاجرَ ” محمد العنابي ” الفاحشَ الثراءِ أنجب سبعةً منَ التجَّارِ وقدْ جاوز الثمانين بصحةٍ وعافيةٍ ، وعندها رأى الجميلةَ ” فطومة الأزهري ” فتزوجها وأنجب منها فتى يُدعىَ ” قنديل ” ولكنَّ أخوتَه أطلقوا عليه ” ابن فطومة ” ثم تُوفِي أبوه وهو لم يكدْ يحفظُ شكلَه ، ربته أمُه واعتنت به على أكملِ وجهٍ فقدْ ترك لهم أبوه ثروةً تضمنُ له ولأمِه رغدَ العيشِ حتى المماتِ ، كانت حياتُه تدورُ حولَ أمِه وشيخِه الذي كان يعلّمُه، كان الشيخُ قدوتَه وناصحَه الأمينَ وكان دائمًا ما يُحدّثُه عنْ رحلاتِه المتعددةِ والتي كان هدفُها الوصولَ إلىَ ” دار الجبل ” تلك الدارِ التي يطلقُ عليها ” دار الكمال ” ولم يصلْ إليها أحدٌ من الرحَّالةِ منْ قبلِ ومَنْ وصل لمْ يرجعْ مِنها أبدًا، وقدْ اضطرَّ الشيخُ لإلغاءِ رحلتِه بسببِ حدوثِ حربٍ أهليةٍ منعته
كان حلمُ ” قنديل ” أنْ يقومَ برحلةٍ مثلَ شيخِه ، ولكنَّه لنْ يستسلمْ حتى يصلَ إلىَ ” دار الجبل ” وعندما شبَّ ” قنديل ” فتنته فتاةٌ تُدعَى ” حليمة ” فِي قريتِه وعزمَ علىَ الزواجِ مِنها وذهبَ لخطبتِها مع والدتِه وقبلَ أنْ يتمَّ الزواجُ طلبهَا حاجبُ الوالي مِن أبيها فلمْ يستطعْ أبوها الرفضَ بسببِ ضعفِ قوتِه وقلةِ حيلتِه أمامَ الوالي وحاجبِه ، فذاق ” قنديل ” مرارةَ الخسارةِ وانفطرَ قلبُه علىَ محبوبتِه ، بعدما خاب أملُه فِي الزواجِ ، قررَ أنْ يلحقَ بحلمِه ويقومُ بالرحلةِ التي لم يكملْها شيخُه ، فجهز حالَه وانطلق مع قافلةٍ من التجَّارِ إلىَ أولِ بلدٍ فِي خريطتِه وهي ” دار المشرق ” عازمًا علىَ أنْ يكتبَ كلَ مَا يراه فِي كتابٍ ينشرُه بعدَ إتمامِ رحلتِه “عمَّ تبحثُ أيها الرحالةُ ؟ أيُ العواطفِ يجيشُ بها صدرُك ؟ كيف تسوسُ غرائزَك وشطحاتَك ؟ لمْ تقهقهُ ضاحكًا كالفرسانِ ؟ ولمْ تذرفُ الدمعَ كالأطفالِ ؟ ” إنَّ ” نجيب محفوظ ” في روايتِه ” رحلة ابن فطومة ” يقدمُ رسالةً فلسفيةً خفيةً من وراء تلك الرواية

