ظرف عام

بقلم الصحفي خليفة عبدالسلام

هو واقع لم يترك القائمون عليه فرصةً للصدف ولا للحظّ! لا شيء فيه حصل دون دوافع وأسباب؛ حتّى الثقافة تمّ العبث بها، وتغيرت ملامح مضمونها، وتم صقلها وفق مقاسات محددة، لتصب في سياق مصالحهم الشخصية، وتتماشى وخصوصيتهم، مهما كانت! فوُلد أمامنا -مرغمًا- هذا المشهد الدنيء الذي يُقرفنا، وبتنا نلعنه جهارًا على قارعة حاضرنا!
حاضرٌ أثقلت كاهله أنانية مفرطة سادت المعاملة، واتّسم بسطوة المصلحة الشخصية في السلوك، وتحكُّمٍ في الممارسة؛ وهما سمتان تمّ ترسيخهما، فأصبحتا المقاس المعمول به، وباتتا الرقم الصعب في المعادلة، بعد فرض منطقه في الساحة الثقافية التي تعذّر إيجاد حلول لأعطابها، وأفضى الأوصياء عليها وصناع قرارها يعتمدون التمييع من جهةٍ، والتبطين من جهة أخرى. أمّا العمق، فقد ظلّ يكشفه الناقد الذي أصبح لا ينقد سوى أعمال أصدقائه ومقربيه من المعارف، وبات يدنو من أعمال لا تربطه بأفكارها سوى مصلحة شخصية تدفعه لتقديم خدمة خمسة نجوم لمحيطه، وأنكر صحة ما يأتي بعدها فأهملها عمدًا
و الدكتور هو الآخر أصبح لا يتعامل إلّا بحكم الشهادة العلمية ولا يعطي وجهًا إلّا لحامل الدكتوراه، ليحتقر ما تبقى تعاليًا وكِبرًا، ليعوّض ربّما عقدة النقص التي تزعجه، وتذكّره بالعقم! والصحفي والاعلامي كذلك بدوره لا يتعامل سوى داخل حدود مصلحته الشخصية على حساب المهنية و الاحترافية
فأصبحت الدعوات لحضور الملتقيات واللقاءات و الندوات والنقاشات و المؤتمرات على سبيل المحسوبية
وبعد أن انكسرت القدوات، وهزمتها شهواتها والرغبات، تمّ تسميم الوضع في الساحة؛ ومنه انتقلت العدوى للبقية، فتمّ إنجاب قارئ يتحلى بالصفات نفسها، ويتمتع بالمميزات ذاتها، وبات يقتني كتبه على أساس المحاباة
و الصورة جلية تسردها المواقع التي بعد إخراجها للظاهرة إلى العلن، وكشفها للواقع، قد وثقت فضائح المثقف الذي أفرغت منه -في الوقت نفسه- ثقافته
جريمة مكتملة الأركان، الكل فيها شريك ومذنب و الوسيلة الجهل والسذاحة، الدوافع الأنا، والهدف المصلحة الشخصية وكم المكسب
أما الدليل فهو دامغ، هذا العبث القائم على قدم وساق، الذي طغت ملامحه على الساحة، وحول الحالة إلى فوضى تُصيب بالقرف و الاشمئزاز، فكان منطقيًّا فشل الممارسين في التأثيث الفعلي و البناء، بل فتت وفكك البنية المجتمعية ؛ ليبقى في ظله الضحية الأول هو الثقافة، و بعدها المجتمع والصالح العام
أما عن المثقف فهو مُدَّعٍ للصفة فقط، وقد أفضى نفسُه الإشكالية الذهنية التي إذْ حاولنا حلّها كان ذلك شبه مستحيل، فالأمر يرتبط بالتوقيت وعامل الزمن
وهنا لا يقاس بالأيام
بل هو مرهون بأجيال وأجيال