التّفكير مع مارسال موس، حول الهديـــة !


  
  منذ وقت طويل وأنا أبحث عنه، كتاب رائع، إطلعت على بعض المقالات والدّراسات التّي تناولته تحليلًا ونقدا، ولم أعثر على النّسخة الأصلية منه إلّا مصادفةً منذ أيام، عند أحد باعة الكتب القديمة (البوكينيست) في مدينة وهران، وكانت الدّهشة على قدر الفرحة! كتاب: مقالة في الهِبة، (Essai sur le don) لـ” مارسيل موس” (Marcel Mauss).

   يعتبر “مارسيل موس” (Marcel Mauss) من أهم علماء الإجتماع والأنثروبولوجيا الثّقافية، وهو إبن أخت أب السّوسيولوجيا “إيميل دوركايم” (David Émile Durkheim)، وأكثر من أثّـر في أب الأنثروبولوجيا وعلم الحضارة “كلود ليفي ستروس” (Claude Lévi-Strauss).
   تتجلى قيمة هذا المؤلَف في كونه يسعى إلى الإحاطة بهذه الظّاهرة أو الطقس (الهبة والهدية) من منظور نقدي سوسيوثقافي، ومعرفي آنثروبولوجي، فيقول: “تتم التّبادلات والتّعاقدات داخل عدد هام من الحضارات على شكل هدايا، نظريا يبدو ذلك بطريقة اختيارية، ولكنها في حقيقة الأمر إلزامية. ثم يطرح مجموعة من الإشكاليات الهامة:
– ما هي القاعدة المبنية على الحق والمصلحة، التّي تلزم برد الهدية لدى المجتمعات ذات النّمط البدائي؟
– ما هي القوة الكامنة داخل الشّيء الموهوب، والتّي تجعل الموهوب له، يرُدّه؟

   لقد أراد “موس” أن يفهم الدّوافع التّي تجعل النّاس في كثير من المجتمعات ملزمين ليس فقط بالوهب والإهداء، بل كذلك بقبول الهبة والرّد عليها، ولا يخص هذا التّبادل الأشياء المادية فقط، بل يمتدُ إلى تبادل التّقدير والولائم والطّقوس والخدمات والنّساء والأطفال والشّتائم والإنتقامات!

  توصّل “مارسيل” في النّهاية إلى أنّ الهبة كسلوك وطقس، تُمثّل ترابطاً لالتزامات ثلاثة وهي: (العطاء)، و (قبول العطاء) ، و (الرّد على العطاء)، بإعادة الغرض نفسه أو ما يوازيه أو ما هو أثمن منه.. فيقول: “ينبغي أن تكون جَوادا في وهبِ الخير والشّر”.