أقلام تحت وطأة الصّمت

تعتبر حرّية التّعبير ركيزة أساسيّة لأيّ مجتمع ديمقراطيّ، وهي الحقّ في التّعبير عن الآراء والأفكار بحرّية دون خوف من العقاب أو التّضييق. إلّا أّنّ هذه الحرّية تواجه تحدّيات متعدّدة، من أبرزها تلك التي تمارسها دور النّشر. فبينما يُنتظر من دور النّشر أن تكون حارسة على هذا الحقّ، نجدها في كثير من الأحيان تمارس نوعًا من الرّقابة الذّاتية، ممّا يحدّ من تنوّع الآراء والأفكار المعروضة على القارئ. لهذا تعمل دور النّشر كحارس على حرّية التّعبير-من المفترض-، وذلك من خلال نشر الأعمال التي تعبّر عن آراء متنوّعة وتطرح قضايا شائكة.
دور النّشر هي الجسر الذي يربط بين الكاتب والقارئ، وهي المسؤولة عن إيصال الأفكار إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور. لكن هناك عدّة أسباب تدفع دور النّشر إلى ممارسة الرّقابة الذّاتية على المحتوى الذي تنشره –حتّى لا نقول قمعه-، من بينها الاعتبارات التّجارية إذ تسعى دور النّشر إلى تحقيق الأرباح، وقد تتجنّب نشر الأعمال التي قد تثير الجدل أو تستهدف فئة معيّنة من القرّاء خوفا من خسارة جزء من جمهورها.
وقد تتلقّى دور النّشر ضغوطا من الحكومات أو الجماعات المتنفّذة لإيقاف نشر أعمال معيّنة، وذلك لأسباب سياسيّة أو دينيّة أو اجتماعيّة. أيضا، قد تتردّد دور النّشر في نشر أعمال تحتوي على مواد مسيئة أو تشهيريّة خوفًا من المساءلة القانونية، كذلك الاعتبارات الأخلاقية فقد ترفض دور النّشر نشر أعمال تعتبرها مسيئة للأخلاق أو القيم المجتمعية.
للقمع الذي تمارسه دور النّشر على حرّية التّعبير آثار سلبيّة عديدة، من بينها تهميش الآراء المخالفة وتقليل فرص حوار الأفكار وتراجع مستوى الإبداع، فيخشى الكُتّاب الرّقابة الذّاتية، ممّا يؤثر سلبًا على جودة أعمالهم. هذا ما يُفقد القرّاء ثقتهم في دور النّشر التي لا تسمح بنشر جميع الأصوات، وفي ظلّ غياب الحوار الحرّ، تنتشر الأفكار المتطرّفة والمعلومات المغلوطة.
لكن لمواجهة هذه المشكلة يجب اتّخاذ عدّة إجراءات، من بينها تشجيع التّنوّع والتّعدّدية، فعلى دور النّشر أن تسعى إلى نشر أعمال متنوّعة تعكس مختلف التّيارات الفكريّة والثّقافية، وأن تكون شفّافة بشأن معاييرها في اختيار الأعمال التي تنشرها. كما على الدّول أن تسنّ قوانين تحمي حقوق المؤلّف وتضمن حرّيته في التّعبير. كذلك يجب على المثقّفين والإعلاميّين أن يساهموا في توعية الجمهور بأهمّية حرية التّعبير ودورها في بناء مجتمعات ديمقراطية.
إذا فحرية التّعبير هي حقّ أساسي للإنسان، ودور النّشر تلعب دورًا حاسمًا في حمايتها. يجب على جميع الأطراف المعنيّة، سواء كانت دور نشر أو حكومات أو مجتمع مدني، أن تعمل معًا لضمان احترام هذا الحقّ وتوفير بيئة حاضنة للإبداع والتّعبير الحرّ وتبعد هذا الصّمت عن الأقلام الحرّة والجادّة في طرح مواضيعها.
