الرّخويات

بقلم خليفة عبدالسلام



ونحن واقفون بفوهة الحاضر نبصر عن كثب الحاصل وواقعنا ماضٍ بنا نحو الهشاشة بفضل القائمين على المشهد وهم ثُمالى حدّ العمى بالحداثة، فقد تغرّبوا قبل تغريب أفكار السّاحة وكانوا الفيروس الذي سمّم الوضع وأصاب المحيط بالعدوى.
قبلوا الانتظار على الهوامش بأطراف الزّمان حتّى تُقرع طبول الأفراح في عرس تكريم فلان من هناك، على بعد توّجهٍ وثقافةٍ أخرى مستعدّين للرّقص على أيّ لحنٍ آتٍ مع الصّدى، فما يلبثوا حتّى يهرولوا للقفز وممارسة عادتهم القديمة … التّطبيل وتزكية المُسمّى وتنصيبه قامةً ليكون آلهةً يُقتدى بها ومقاسًا به يُهتدى.
فالحدث الذي عاشته الضّفة الغربيّة مؤخّرا وما أفرزه من ضجيج وصخب جراء تكريم الكاتب كمال داوود بعد فوزه بجائزة “الغونكور” كان كفيلاً ليخرج نفس الأصوات من معاقلها ونسمع صراخا وهي تهلّل بالبطولة غير مكترثةٍ بالمبادئ ولا بالقيم، بل وبمكرٍ شديد همّشت ورمت وراءها كلّ شيء وذهبت نحو النّص تحاول جاهدةً العثور على تفاصيل تصنع منها إنجازا وتضخّم محاسنه فتخبرنا أنّه قيمة أدبيّة وعمل فنّي مدجّج بالإبداع الذي لا تعرف ما هو ومن أين يأتي ولا كيف، وتمنح لصاحبه ترخيصا استثنائيًّا بموجبه يصبح ما كتبه حرّية رأيٍ وفكر -فبجهلها لم تستطع التّفريق بين الحرّية والتّحرّر-، وأنّه يحقّ له ما لا يحقّ لغيره في النّقد فتعذّر عليها التّفريق بين النّقد والتّهجّم،  كعادتها دوما تحاول الدّفاع عن قداسة الآلهة لكنّها للأسف أهملت على نفسها طرح السّؤال الصّعب:
لماذا يتمّ تكريم كلّ من يكتب في العشرية السّوداء والجنس فقط؟
ولماذا يتمّ التّكريم من الضّفة الغربية وبعدها يتمّ تصديره على شكل قامةٍ استثنائيّة غير قابلة للنّقد؟
والأهمّ، لماذا بالضّبط الكتابة في العشريّة والجنس؟ وكأنّما انتهت الأفكار والمواضيع، وما علاقة هذه الإيديولوجيات بالأدب العربيّ؟
وهنا يتوجّب علينا استحضار الماضي بأمسه لنبصر بعين الحقيقة ويتّضح الحاضر لنا ونستطيع تكوين رؤية عن الغد.
منذ زمنٍ بعيد هذا ما يحصل، كلّ من هم قامات الآن تمّ صناعتهم في الضّفة الأخرى بمخابر دُور النّشر المعلومة الأصل والتّوجّه، ليتمّ بعدها تصديرهم على شكل أبطال وقامات ويتمّ فرضهم فرضًا على السّاحة؛ وبدورهم يصبحون قُدوات تصنع الذّهنية الجمعية وفق رؤاها.
وما يعكسه واقعنا يسمح لنا بالقول إنّنا قد بتنا في مساحةٍ أخرى غير التي تخصّ الأدب العربيّ وثقافته، حيث دخلت مقاسات واعتبارات أخرى انحرفت بهما نحو المجهول ليتيها ويتغرّبا، وبات الوقت مناسبًا لنصدر السّؤال الذي لا بدّ أن يُطرح:
ماذا قدّموا حقًّا للثّقافة العربيّة غير رسم صورة البلاد لوحة حالكة واستعملوا رمزيّة المرأة ليشوّهوا قداستها هي والمجتمع؟
وإلى متى ستبقى السّاحة رهينة أهوائهم تتنظر حتّى يصدرون قاماتها؟
والذين في الدّاخل! ألا يصلح أدبهم وفكرهم ومؤهّلاتهم!؟
يجيب الواقع صارخاً أنّه قد استطاعت وببساطةٍ الضّفة الغربية أن تجعل أسماءهم تحت أقدامها ونجحت في ترويض أقلامهم فسقطوا في المتاهات تباعًا ليتّضح أنّهم رخويات تفتقر لأساس يسند طولها. 
وبعدما كان في الخفاء وراء السّتار وفي أقبية الكواليس الحالكة، ها هو أصبح مفضوح السّر وكشف الصّدى الذين ركبوا صهوة الدّيك بمحض الإرادة وتخلّوا عن الخيل الأصيل طوعًا، وبات واضحًا الآن وجليًّا لماذا تتبنّى أكبر دور النّشر أعمالكم وبأيّ مقاس، وكذلك ماهية المسابقات والتّكريمات معها.
فلكم ما لكم من البطولة ولنا ما نملك من إصرارنا على المواقف والثّوابت، ولنا أدبنا عربيًّا واضح القصد والمغزى يرتبط باللّغة قيم ومبادئ المجتمع، فربّما سننال شرف المساهمة في بناء الفكر والوعي الجمعيّ في ظلّ الكتابة لأجل الكتابة.