بقلم د- كاميليا عبد الفتاح

يؤلمني غاية الألم أنْ أقرأَ لناقد غربي حول قضية من قضايا النقد أو حول ظاهرة تتعلقُ  بالشعر أو  السرد ، وأطالعُ رصده  للملاحظات الجزئية التي أسهم بها  زملاؤه حول هذه القضية ، أو تلك الظاهرة ، حتى تحولت هذه الملاحظات إلى نظرية متكاملة ( كما في كتاب سوزان برنار ) . نعم ،  يؤلمني أن أرى هذا الدّأب وهذا الاحتفاء  الجمعي بكل جهدٍ فردي ، مهما كان ضئيلا ، فتراكم الجزئيات هو ، وحده ، ما يُفضي إلى الكليٍ المتكامل ، واحتشاد عطاء المواهب هو ما يبني المجتمعات وينهض بسيقانها .
وصف الدكتور أحمد زويل ، أولُ مصري حصل على نوبل في كيمياء الفيتو ، في كتابه ” عصر العلم ” ، وفي لقاءاته التلفزيونية ، دهشته من اعتزاز فريق العلماء بالعمل معه ، وهم الأكبر سنا وخبرة وأسماء ، مؤكدين أنهم سيظفرون  من خلال العمل تحت قيادته  بتسجيل أسمائهم في صفحة التاريخ ، وصرح أنه لم يكن يتوقع رد الفعل هذا ، وكان يتوجس من مشاعر الرفض والاعتداد بالذات ، وكل ما من شأنه أن يُفسد عليه الوصول إلى هدفه .
لا يعني هذا أنّ المجتمع الغربي مجتمع مثالي لا توجد فيه ظاهرة الغيرة من الموهوبين أو الحقد عليهم  ، بل أقصد أن هذا المجتمع استطاعَ ، إلى حد كبير ،  أن يُطوّع كل هذا ، وأن  يقنع  الفرد بالعمل لصالح الجماعة ، والاصطفاف  خلف هدف كبير ، حتى تتحول المِنح الفردية الصغيرة إلى عمل كبير يظل محلّ احتذاءٍ شعوب ومجتمعات أخرى  مثل مجتمعاتنا التي  شغلها الشغفُ بالمناصب والمصالح الخاصة عن أن تكون اليد العُليا ، فاستمرأت  تسوّل سبل التقدم ، ونظريات الأدب ، وغير ذلك .
إزاحة الموهوبين في مجتمعاتنا عمل جمعي ، لا فردي  ، أعني أنه صادر عن  جماعات  لا عن أفراد ، وإلّا ما لحق التأخر بنا  على هذا النحو  . تتشكل هذه الجماعات ، بسرعة عجيبة ، من نواة  تتمثل في فرد فاسد ماكر يجمع حوله  جيشا من المريدين ، بالعصا والجزرة  ، لتأليهه وتكريسه وإبقائه أبد الدهر ، والهتاف بموهبته ( غير الموجودة ) ليل نهار . وليته يرضى بهذه العبودية ، لكنه يأبى إلا أن يحرق الموهوبين قربانا لإرضائه وبخورا  يصحب الأدعية المرفوعة له  ، إذ يعاني  قلقا مأساويا من أريج  الموهبة الذي يهدد بكشف الوضعية الزائفة التي حصل عليها  وتحكّمَ من خلالها فيمن يستحق ، ناظرا إليه بازدراء ، ملقيا إليه بفتات لا يقبله حيوان .وانبثاقا من هذا القلق المأساوي تبدأ حلقات المسلسل المأساوي ، أيضا ، في إزاحة الموهوب ، وإقصائه ، وحرمانه ، و إغلاق الأبواب التي يسطعُ من خلالها حرفه ( مجلات ، صحف ، منصات ، مناصب ، جوائز ) إلى أن يصمت ، أو يكتئب ، أو يجن ، أو يموت مقهورا !
لا يعني هذا أن مجتمعاتنا عدمت النبلاء  والفرسان  ، هم موجودون بكل تأكيد ، لكنهم  لسبب ما  يتوارون خلف حجاب من إباءٍ ، أو يأس ، أو  اغتراب .  ترى أحدهم يبتسمُ  في استعذابٍ  أحمق ( لم يُطلب منه ) ،  حيث صدّق  من أقنعوه أنْ يترك الـ ” فسيلة ” التي كان ينوي غرسها ، مادام غرسها يحلبُ له العداء  ،  فلمّا ذوتْ نبتتُه   أقنعوه أنّ موتها  قضاء وقدر ( لا رادّ  له ) ، وأنّ من ترك إعمار الأرض ، بما منحه الله من موهبة  ، فإنما له العوض في الجنة ( بعد حياة عريضة يعيشها من نفحات مجتمع آخر )