الكتابة الأدبية بين الحرية والتحرر
بقلم د- محمد عبد الله الخولي

إن الأدب بأشكاله المختلفة وأجناسه المتعددة، وإن شئت فقل: (الفن)، عموما، لا تحده حدود، ولا يلتزم بالنظريات العلمية والأطر المعرفية، فالفن في عموميته متعال على الشكل والشرط والقيد، الفن تحرر من ربقة الواقع المحاصر بالقيود والأشراط، الفن جنوح إلى عوالم الماوراء بغية اكتشاف جوهري: الذات والوجود..، الفن الأدبي لا يقوم على فكرة النموذج، لانه يسعى دائما إلى تحطيم وتهشيم النموذج/ المثال، لأنه يسعى دائما لعملية خلق إبداعية متفردة، الفن حرية يتغياها المبدع أو الكاتب، تلك الحرية لا يستطيع المبدع الحقيقي أن يمارس فنه وعمله دونها، فهي العالم الذي ينوجد فيه الأديب برؤيته الذاتية للوجود..، حتى في فنون الكتابة ذاتها، نحطم اللغة عن طريق الانزحايات البلاغية، ونقصد من هذه الانزياحات خلق عوالم أخرى تتجلى فيها الذات الإنسانية في أبهى صورها..، ولكن يجب ويتوجب علينا أن نفرق بين الحرية والتحرر، فالأخير يأخذ نمط العدائية من الأشكال الأخرى و الآراء المختلفة التي تناهضه، أما الحرية هي عملية هدم وبناء في آن واحد، فأهدم شكلا أو نمطا لأعيد بناءه وفق تجانس رئوي بين الواقع المشهود والآخر الممكن المنفلت من الشروط والقيود، نمارس الحرية الإبداعية وفق السنن الثقافي والمجتمعي الذي نعيش فيه، حتى وإن تعالت رؤية ذات المبدع على رؤية مجتمعه، فيتوجب عليه حال ممارسته لفنه أن يراعي حقوق هذا المجتمع في عملية التلقي ذاتها..، فلكل مجتمع أطر عرفية، وعقائد دينية، وأعراف قبلية يجب ألا نمسها بسوء،وإن احتككنا بهذه الأعراف.. فيتوجب على الأديب أو الروائي ألا يخدش حياء المتلقي، وأن يمارس حريته في إطار فني ترميزي متعال، دون اللجوء إلى شعبوية الطرح وانحطاط اللغة، فإن فعل، فقد خرج عن نطاق كينونة الفن ذاته، فلي كمبدع أن أمارس حريتي إبداعا وكتابة، عبر وسائل الفن نفسها المتوزعة بين الترميز والتخييل المتعاليين على المباشرة الفجة والأسلوب المنحط الرديء، وكسر (التابو) بأضلاعه الثلاثة يحتاج إلى نوع من الحنكة في التناول، ويكون لهذا الكسر مقصد وغاية ودلالة، مع مراعاة التوازن النفسي في عملية التمثيل الفني نفسها، وألا يكون المقصد من كسر التابوهات المجتمعية والسياسية والدينية من أجل اللعب والشهرة والشذوذ الفني، الذي يتعمده البعض ليصل إلى الجمهور بأي طريقة كانت، حتى وإن كانت تلك الطريقة فجة. وهنا ينطرح السؤال بشكل آخر، ما الغاية والمقصد من الخروج على (التابو) لماذا يتعمد البعض الجرأة على الدين وعلى الرموز الدينية، وعلى المعتقدات كيفما كانت..؟ هل تكسر هذه الأطر بغية الفن والتحرر من القيود؟ لك أن تعلم وقتها أنك تمس العقيدة، أو تنتهك العرف المجتمعي، فإن فعلت هذا دون غاية أو قصد فقد انتفت عنك صفة الإبداع، وإن كانت هناك غاية .. فما هي تلك الغاية الداعية لعمليتي الهدم والتحطيم.. إلاما ترمز بخروجك الفج، وأسلوبيتك المباشرة الشعبوية لتخاطب المتلقي بما يكره أن يقرأ أو يسمع… أظنك لا تعرف ماهية الفن ولا كينونته، فالفن براح واسع متعدد الوسائل والتقنيات، والمبدع الموهوب حقيقة يستطيع أن يعبر عن ماهيته الفكرية دون المساس لا بالعقيدة ولا بالعرف المجتمعي..، لك أن تعترض .. ولكن عبر عن هذا الاعتراض في إطار الفن ذاته، إذا أردت أن تتحرر من القيود فمارس حريتك في لغة تحفظ للفن والأدب رونقهما وبهاءهما..، فهناك خروج مسموح به فنيا ولغويا ومجتمعيا وعرفيا، وكثيرا ما نرى هذه الممارسات التي تتعالى على الفكر السائد وأيديولوجيا المجتمع، ولكن تلك الممارسات لها قصد نابع عن رؤية وفكر معالج فنيا، واللغة الأدبية مبنية على فكرة التوسيع .. وتقنيات الكتابة لا حدود لها ولا حصر، فما الذي يضطر أديبا بعينه لهذا الانتهاك.. سوى الشهرة التي يتعجلها، أو يكون المبدع ذاته منفذا لمخطط ما مدفوع الأجر.. ، وأنا أربأ بكل أديب عربي أن يكون ..
