اختلاف أفسد ود كل قضية!

لتحميل العدد كاملا




إن رأيتَ الوضعَ يمضي من سيئٍ إلى أسوأ، وأزعجتك التفاصيلُ حدَّ القرف، فاعلم أن خطبًا ما يعصف بالثقافة!
تستوقفنا إحدى التجارب التي قد تعكس واقعنا الحالي… مشهدٌ أضحى مألوفًا، تحوَّل بفضل العبث إلى قاعدة، بعدما رسَّخته العادة في أذهاننا، ليس فقط في ربوع وطننا العربي، بل حتى في دولٍ غربيةٍ رفعت شعار الوعي، وظلت تصرخ بالقيم الإنسانية. أصبحنا نحيا على وقع أحداثٍ لم يخجل صُنَّاعها من صنيعهم أبدًا، وكأن الأمرَ وضعٌ صحيٌّ طبيعيٌّ جدًّا!
بات ما يحركنا هو “الأنا”، وأصبحت مصالحنا الشخصية هي من تُحدد وجهتنا، فاقدين بذلك المصداقية تمامًا. وأضحت القبيلةُ – بأيديولوجيتها التي تبنَّتها – هي التي تجمعنا وتفرض منطقها. تفاصيل صنعتْ منا قطيعًا متقوقعًا على ذاته؛ وكلٌّ يرعى في مساحةٍ تحددها خصوصية المكسب، وتدفعه الغريزة، ونشوةُ الرغبة، تحت ذريعة: “ماذا سأجني أنا؟!”
يُعيدنا إلى المشهد – هذه المرة – الصخبُ الذي رافق قرار رفضٍ أصدرته لجنةٌ علمية بشأن ملفٍّ تقدم به أحد الأكاديميين لنيل درجةٍ علمية. إذ صاحب هذا القرارَ حملة هرج ضجَّ بها مَن يُسمُّون أنفسهم “النخبة”، من خلال انتقاداتٍ حادةٍ لما جاء في القرار، وسرعان ما تحولت الحملة إلى تشكيكٍ في مؤهلات اللجنة، وطعنٍ في مصداقيتها ونزاهتها!
ظاهرةٌ تتجدد في سياقٍ جديدٍ مع كل حدث، فتُعيد معها إبراز فئةٍ في المشهد العام، لا نفهم منها شيئًا، بسبب ازدواجية معاييرها، وخبط عشوائها…
نقاد، وأكاديميون، وإعلاميون… أسماءٌ لفتت الانتباه نتيجة تكرار مواقفها؛ إذ باتت تظهر مع أول صوتٍ يحدثه اصطدام الحدث بمصالحها الشخصية، مُؤسِّسةً لتكتُّل يسعى لفرض منطقه وجعله أمرًا واقعًا.
من زاوية أخرى، تعيدنا هذه الظاهرة إلى مشهدٍ سابقٍ ظلَّ عالقًا في ذاكرة الزمن، حين عاشته الساحة الثقافية فيما سُمِّي بـ”هواريتهم”، كإفرازٍ من أدب الفن، والتحرر الفكري، والرواية العالمية، والإبداع المفرغ من أي إبداع!
ومع استحضار كل التفاصيل التي تمنحنا رؤيةً سليمةً وشاملةً لفهم المشهد، لا شك أننا سنشهد أولى علامات السقوط، التي تفضحها المواقف علنًا. فقد كانت الأسماء ذاتها التي حملت على عاتقها الدفاع عن قضيتها “هواريتهم”، ودافعت بشدة عن حداثتها كقيمة مضافة، في محاولات لصقل نجاحٍ وهميٍّ ألبسته للقضية، لتمنحها هويةً، ولتُكسِب التغريب شرعيةً أمام جمهورٍ رفض العملَ جملةً وتفصيلًا. فسعت جاهدةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتى لو كان ذلك على حساب الثقافة الأصيلة والأدب العربي، بل وحتى كرامة الجمهور، الذي تهجَّموا عليه، وانتقصوا من شأنه، واعتبروه جاهلًا وفاقدًا للذوق. وذلك رغم أن النص وُلد أصلًا ضريرًا، خانه الأسلوب، والسياق، والحدث، وخانته المفردات.
ومنه تحول في الأخير دفاعهم عن اللّجنة الخاصة بالمسابقة الأدبية، وأصروا إصرارا على عدم التطرق للّجنة، وأنه لا يحق لأحد إبداء الرأي فيها أو انتقاد قراراتها، زاعمين سموها فوق أي كلام، مشيدين بنزاهة قاماتها. فما بالهم الآن انقلبوا على مبادئهم وأصبحوا ينتقدون ويخوضون في خصوصية لجنة علمية أكاديمية! بل ذهبوا بعيدا حد التخوين والتشهير بها و التهجم عليها !!
هنا، يتجلى السقوط الحر، الذي كشفه الموقف وأبرز غياب الوعي تمامًا. فاللجنة الخاصة بالمسابقة الأدبية تتخذ قراراتها النقدية بناءً على وجهات نظر، قد نتفق معها أو نختلف، بينما اللجنة الأكاديمية تستند في قراراتها إلى أسس علمية لا تقبل القسمة على وجهات النظر.
أما الأخطر من ذلك، فهو الإشكالية الذهنية التي تعكس نوايا هذه الفئة، إذ تستغل مواقعها لإحداث البلبلة، وتحويل الأمور إلى قضايا رأي عام، بغية الضغط لفرض آرائها المرتبطة بمصالحها الشخصية، كمقاسٍ غير قابلٍ للنقد أو النقاش، ليهتدي به الجميع، وتمتثل له الساحة، ويُفرض كحقيقةٍ حتميةٍ مطلقة. وقد تجلَّت نواياهم في فرض الوصاية على اللجنة العلمية، وهو ما ينسحب على العديد من الأحداث السابقة.
ومن جهة أخرى، كان حريًّا بهم، كي لا تخونهم مواقفهم، ويتجنبوا السقوط المتكرر، أن يدركوا أن ممارسة هذه الوصاية، والخوض في حملات الهجوم والصخب والانتقاد، تستلزم امتلاك مستوىً علميٍّ يفوق مستوى اللجنة الأكاديمية وما تضمه من قامات أكاديمية، ليكون لهم حق الكلام. أما في وضعهم الحالي، فإن سلوكهم يُصنَّف كحالةٍ غير صحية، تُعدُّ خللًا لا يُقتدى به.
لكن الأغرب والأقسى، هو انقلابهم المفاجئ على أنفسهم، مما جعلهم ظاهرةً تستحق الدراسة! كيف لا، وقد اجتمعت فيهم كل الأضداد، وحضرت معهم كل المتناقضات؟! ففقدوا المصداقية تمامًا.
كل ما تجردوا منه في قضيتهم “هواريتهم” وعيَّبوه، عادوا اليوم لاستخدامه في هجومهم على اللجنة العلمية، بلا حياء، واستعملوه ضدها كحقٍّ أُريد به باطل: الأخلاق! الضمير! القيم! النزاهة! الشرف! …
فرضوا علينا طرح السؤال : هل قيمة ” هواريتكم” ورمزيتها أكثر قداسة من قيمة حرمة الجامعة،
أم أن قيمة الشخص كانت أكبر من قيمة اللّجنة العلمية الأكاديمية؟!
إن لم يكن هذا هو العبث بأم عينه؛ فماذا هو إذن؟!
وإن لم يكن هذا واقعٌ يشهد ويجسد سقوطهم، فما الذي يمكن وصفه، إذن؟!
فما بالكم؟! وكيف تحكمون يا قوم؟ ! ولأي ثقافةٍ تؤسسون؟!!

بقلم خليفة عبدالسلام