من العدد 30/ المهرجان الدولي للكتاب بباريس 2025
بقلم خليفة عبد السلام
في أجواء ربيعية، شهدت العاصمة الفرنسية باريس يوم 10 أفريل 2025 افتتاح العرس الثقافي الأكبر: المهرجان الدولي للكتاب، الذي احتضنه القصر الكبير (Grand Palais) بكل ما يحمله من رمزية تاريخية وجمالية. المكان، الذي يتوسط واحدة من أرقى مناطق باريس ويجاور شارع الشانزليزيه وبرج إيفل ونهر السين والمتحف العسكري، بالإضافة إلى معالم تاريخية وسياحية أخرى، بدا وكأنه شُيّد خصيصا لهذا الحدث.
هي التفاصيل من فازت في الواقع، فالديكور الفخم والرمزية التي ألبسته القيمة التاريخية والتجهيزات التقنية العالية، بالإضافة الى المساحة المهمة التي يحوز عليها هذا القصر، هي من فرضته وجعلته المكان المناسب والأمثل لهذا الحدث الثقافي؛ حيث تجلى هذا وهو يفتح أبوابه مستقبلا -بكل أريحية- الجماهير التي ترددت طيلة أيام المهرجان الثلاثة على أروقته، إضافة ليوم الافتتاح.
وما زاد الوضع فخامة وأبهة، التنظيم المحكم؛ بدايةً من تحديد أماكن الدخول لكل فئة، كالصفحين الذين انفردوا بمدخل خاص، وآخر للكُتاب المشاركين، حيث تم تسهيل عملية الدخول لمرافقيهم بكل اريحية. أما الجمهور فاستفاد من توفير تذاكر الدخول مسبقا عبر الأنترنيت. ومن جهة أخرى فُتحت أبواب المعرض مجانا لفئات واسعة: كذوي الدخل المحدود، وذوي الاحتياجات الخاصة، والأساتذة والطلبة وأصحاب المكتبات. وهكذا تم استهداف من لهم علاقة مباشرة بالكتاب وتسهيل عملية الوصول إليه من خلال المهرجان، فساهم هذا في مرونة العملية التجارية التي تخدم الصالح العام؛ حيث كان في العموم سعر الكتاب في متناول الجميع؛ إذ يتماشى مع القدرة الشرائية لجميع الفئات، ويتماشى مع الدخل الفردي.
بدورها كانت الإجراءات الأمنية عاملا مهما لإنجاح التنظيم؛ بداية من عملية الدخول التي كانت محكمة التأطير، وتمتعت بالسلاسة، حيث ابتعدت عن التعقيد وكل ما يصنع الاصطدام والإشكال، فكان يوحي هذا أن الجهات المنظمة تعاملت مع الوضع باحترافية شديدة، حيث قدرت الجمهور وفق مقاس الثقافة التي تكسوا الحدث، لتسقط بروتوكولات استقبال الشخصيات المهمة المعمول بها في البلدان العربية، فتساوى الجميع تحت سقف الثقافة.
ومن جهته، برهن الجمهور العريض منذ توافده على المهرجان -ومنذ أولى ساعات الافتتاح- أنه مثقف بمعنى الكلمة، ويتمتع بالوعي الكافي. فقد أثبت ثقافته، وترك بصمته؛ إذ ساهم في صناعة الصورة الراقية التي تعكس الثقافة العامة، وهذا من خلال تقيده بالإجراءات التنظيمية، وكذلك بتفاعله مع الكتاب، وما تتضمنه صفحاته، بالإضافة إلى علاقته مع دور النشر من خلال فتح حوارات عفوية راقية. والقيّم في المشهد هو تفادي السؤال عن سعر الكتب، ما طرح انطباعا دل على وعيه، وأشار إلى أنه يتعامل مع المحتوى وقيمة الأفكار وقداستها.
وبين 450 دار نشر متواجدة بالمهرجان، حيث يصنع صراخ عناوين الكتب الحدث، توجهنا للجناح الخاص بالمؤسسة الثقافية الأمير للنشر والتوزيع والترجمة، باعتبارها دار نشر فرنسية تعمل بروح عربية، تقودها الكاتبة الجزائرية حياة قاصدي التي تخوض اول مشاركة لها بمهرجان باريس، بعد مشاركات عديدة بمعارض عربية. لم يكن توجهنا نحو هذه الدار وليد الصدفة أو على سبيل المزاجية، بل ناتج دوافع مهمة لتثمين ما يقوم به طاقمها، وتسليط الضوء عليه.
ما لفت نظرنا ونحن نتجول بأروقة المهرجان، هو الغياب الصارخ لدور النشر العربية وندرة الكتاب الناطق باللغة العربية، والذي طرح عدة تساؤلات، ومعها علامات التعجب! وهذا ما جعلنا نتوقف عند عتبات جناح دار الأمير، حيث سحبتنا نحوها عنوانين الكتب البارزة على الأغلفة، وهي تخاطبنا عربيةً فصحى واضحة. عناوين متنوعة لمحتوى عربي يشير لتعدد أجناسه الأدبية: كالشعر، والقصة، والرواية، والتاريخ، والفلسفة، وأعمال أكاديمية بحتة، لكُتاب أسماؤهم أشارت لبلدانهم، ورسمت هويتهم، وجسدت أحلامهم التي انتمت لوطن عربي عريضٍ وعريق.
استطاعت دار الأمير أن تتفرد بهذا الإنجاز، حيث كانت جسرا ربط الثقافة العربية بالقارة الأوربية، وهذا بُعد تعمل في ظله المؤسسة، وبفضله وفرت فرصة المشاركة للعديد من الأسماء، بمختلف أفكارها، لتعيش حلما وتبصره على أرض الواقع؛ إذ بها تخلق تنوعًا للغة في المحفل، وتخصها بمساحة تليق بها، كذلك حضر الأدب العربي معها من خلال العديد من الأعمال التي تم ترجمتها للفرنسية والانجليزية وحتى الاسبانية.
ومن خلال 330 مشارك كان معنيا بجلسات البيع بالتوقيع على مدار الثلاث أيام، نجحت دار الأمير في التحدي، وهذا بحضور أسماء تداولت بجناحها بعد حصولها على الفرصة الكاملة في تفعيل جلسات بيع بالتوقيع، لإصدارات باللغة العربية والفرنسية. لتكون دار الأمير فعلا تركت بصمتها الراقية بطريقة جد خاصة، وصنعت مكانتها بكل كبرياء على قائمة المؤسسات الناشرة الكبرى، ليُحفر اسمها بذاكرة المعارض والمهرجانات، ويبقى راسخا في ذهن الزمن، يشهد عليه حجر القصر الكبير وتتنفسه شوارع باريس العريقة.
مع إسدال الستار على فعاليات هذا المهرجان، يطرح هذا المشهد الباريسي السؤال بإلحاح:
لماذا لا نشهد في عواصمنا العربية مهرجانات بمثل هذا التنظيم، والانفتاح، والرؤية؟ أليس من حق الثقافة العربية أن تتنفس فضاءات بهذه الروح، فيكون للمثقف مكان، وللكتاب قيمة، وللجمهور دور في صنع المشهد؟
مهرجان الكتاب بباريس أثبت أن التنظيم والاحترام والاحترافية ليست مستحيلة، وأن الثقافة الحقيقية لا تحتاج سوى لمن يُؤمن بها.

