من العدد 30/ عيون يقظة .. وأخرى حائرة!
قلم مروة حرب
العيون ليست مجرد نوافذ تطل بها الأرواح على العالم، بل هي لغتنا الأولى، وأصدق وسيلة لفهم ما يعجز عنه المنطوق.
في العيون، تكمن حوارات لا صوت لها.. واعترافات لا تسكن الأسطر.. ونوايا تتخفى خلف الصمت.
هي اللغة التي لا تُدرَّس، لكنها تُقرأ؛ لا تُكتب، لكنها تُفهم. وحين تتقاطع النظرات في فضاء ثقافي كمعرض كتاب، يصبح كل عبور أمام رفّ، وكل وقفة أمام عنوان، مشهدًا يُكتب بلغة العيون وحدها.
هناك، تتجلى الفروق بين قارئٍ يبحث عن سؤال جديد، وآخر يهرب من الإجابة. بين من يقرأ بعقله، ومن يقرأ بجيبه.. بين عيون متفحصة تشبه مجهر الفكر، وعيون حائرة تتوسل الاتجاه. وما بين تلك النظرات، تتكشّف مفارقات لا تبوح بها إلا العين… تلك التي إن أمعنت النظر، تفتح الباب لسؤال أكبر: ماذا نبحث عنه حقًا حين نواجه كتابًا؟ هل نبحث عن معنى؟ عن ذات؟ أم مجرد صدى لما نحب أن نراه في أنفسنا؟
في مهرجان الكتاب بباريس، ومن خلال مشاهد نقلتها عدسات الكاميرات، وأخرى جسدتها رؤى من عايشوا الحدث، لا يمكن لأي متابع أن يغفل مشهد الجهور. جمهور كان يقرأ، لا يكتفي بالنظر أو الالتقاط السريع، بل يغوص في العناوين، كما لو أنه يفتش عن حوارات مفقودة، أو أفكار مؤجلة. جمهور لا يشتري بشكل الغلاف، بل بقيمة السؤال الذي أيقظه في داخله، والرحلة التي يعد بها النص. عيونه كانت متفحصة، يقظة، متورطة في تفاصيل الفكرة لا في وهج الكاتب أو منصة التوقيع. مشهد لا يخلو من التأمل ويدفع إلى طرح السؤال: ما الذي يجعل قارئًا يُقبل على كتاب لا يعرف مؤلفه؟ وما الذي يدفعه إلى حمله كما يُحمل سرٌ لا يُكشف إلا بالقراءة؟
هذا المشهد الباريسي استحضر في ذاكرتي مشاهد عشتها في معرض الجزائر، لا تختلف في تفاصيلها عما تعيشه معارض الكتب في باقي الدول العربية التي تتغنى بإحصاء عدد زوار يقدر بالملايين.
هي مفارقات حادة لكنها كاشفة. الأولى، كانت عيونًا حالمة، تنتظر موعد جلسة توقيع للكاتب السعودي أسامة المسلم. لم تكن تعرف محتوى الكتاب، وربما لم تهتم بذلك، لكن الانتظار كان أشبه بطقسٍ رمزي، يمنحها شعورًا بالانتماء إلى شيء أكبر، حتى لو كان خاليًا من المعنى الحقيقي. هناك، كانت العيون تتعلق بالكاتب أكثر من الكتاب، بالحدث أكثر من الفكرة.
في زاوية أخرى، كان المشهد مختلفًا… فوسط صخب آلاف الزوار جلس كاتب لساعات أمام كتابه المتخصص في النقد الأدبي. أمامه نسخ صامتة، وخلفه جمهور يمضي دون أن يلتفت. كانت عيونه تقرأ المارّين كما تُقرأ صفحات لا تكتمل. كأن بينه وبينهم حاجز غير مرئي، حاجز بين ما يُفكَّر فيه وما يُراد شراؤه. مفارقة تطرح تساؤلًا وجوديًا حول موقع الفكر العميق في عالم يميل إلى الاستهلاك الخفيف: هل تراجع حضور النقد لأننا لم نعد نتحمل مرآة العقل؟ أم لأننا لم نعد نملك وقت النظر إلى أنفسنا بصدق؟
أما الصورة الأكثر تأثيرا، والتي لم تغادرني حتى الآن، فكانت لأم تائهة، بعيون خجولة، راحت تتنقل في جناح دار نشر عربية، باحثة عن رواية تهديها لابنتها. لم تكن تبحث عن كتاب فقط، بل عن مفتاح، عن جسر يعيد ابنتها إلى القراءة بالعربية، إلى اللغة الأم. كانت عيونها قلقة، حائرة: هل هذا العنوان مناسب؟ هل اللغة سهلة بما يكفي؟ هل الموضوع يجذب؟ وربما الأهم: هل هذا الكتاب سيحمل لابنتها شيئًا من الانتماء؟ والسؤال الذي بقي عالقًا في ذهني كتفاصيل المشهد: هل وجدت الأم ضالتها؟ وهل وجدت من يرشدها إلى الكتاب الذي يضيء طريقًا لا مجرد إضاعة وقت؟
بلغة العيون قرأت مشاهد عكست مفارقات تتجاوز تفاصيل المعارض إلى عمق الأسئلة. كيف نصنع قارئًا لا ينجذب فقط للاسم بل للفكرة؟ كيف نعيد للكتاب النقدي مكانته كرافعة وعي لا كسلعة مهملة؟ وكيف نهدي أبناءنا كتبًا تعيد إليهم المعنى لا اللغة فحسب؟
في هذه المفارقات، لا تكمن الإجابات، بل تتولد الأسئلة. ونحن، إن أردنا أن نعيد للقراءة روحها، وللكتاب قيمته، لا بد أن نتوقف طويلًا أمام هذه العيون… أن نقرأها كما نقرأ نصًا صادقًا، وأن نجرؤ على طرح السؤال الأصعب: ما الذي ضاع منا حين تخلينا عن فعل القراءة العميقة؟ وما الذي يمكن أن نستعيده إن نحن أنصتنا إلى ما تقوله عيون الجمهور حقًا؟
كل هذه الأسئلة تظل تدور في ذهني، وكل هذه المفارقات تشي بأننا بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم القراءة، وفي علاقتنا بالكتاب، ليس كمجرد منتج ثقافي نشتريه على الرف، بل كوسيلة نبحث من خلالها عن إجابات لأسئلتنا الوجودية، والثقافية، والفكرية. فإذا أردنا أن نعيد للكتاب العربي مكانته، لا بد لنا من أن نجيب عن هذه الأسئلة، وأن نعيد اكتشاف الرابط الأعمق بين الكتاب والجمهور.
لقد حان الوقت لكي نبحث عن إجابات تقودنا إلى فهم أعمق لهذا التفاعل الثقافي الذي يجب أن يتجاوز حدود الأرفف ويتسع في فضاءات عقولنا وقلوبنا. حان الوقت أن نتوقف عن أن نرى الأشياء على غير حقيقتها، لأننا نكتفي بقراءة العنوان!

