فوضى التأويل وتهشيم مركزية النص
بقلم د- محمد عبد الله الخولي


احتدم الخلاف قديما بين الفلاسفة الغربيين حول ماهية التأويل وطموحاته في استقراء النص، ولم يسلم الفلاسفة العرب من غبار هذا الاختلاف، والتاريخ يشهد بتلك المعركة العنيفة بين ابن رشد والغزالي وما دار بينهما من اختلافات حول ماهية التأويل.. بيد أنني من وجهة نظر خاصة، أرى أنّ التأويل شرط وجود للذات الإنسانية العارفة بكينونتها والمقدرة لطاقاتها العرفانية/ النورانية.
لم يستطع أحد أن يغلق باب التأويل أمام نص من النصوص، فقد اخترق التأويل بسلطويته كل المعارف والعلوم، وقد استعين به في فك إلغازات النصوص وتفكيك شفراتها، فهو عند أهل الكلام “صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به”. وعند الأصوليين ” صرف اللفظ عن معنى راجح إلى آخر بقرينة تقتضي ذلك.” وعند النحاة “صرف الظواهر اللغوية إلى غير الظاهر للتوفيق بين أساليب اللغة وقواعد النحو.” أما تأويل النصوص الأدبية: هو العدول عن ظاهر النص للكشف عن المعاني الإضافية والدلالات البلاغية للنصوص الأدبية، فهو نوع من التأويل يتعلق بالأسلوب والسياق والسباق واللحاق، لا المفردات والألفاظ  فالتأويل هنا دوما يقوم على فكرة الخروج من مستوى دلالي أوليّ إلى مستوى دلالي ثان.
هل ينبغي أن يكبح جماح التأويل حتى لا نصل إلى نوع من العبث والفوضى حال استقراء النصوص؟ لقد اعتبر الكثير من المفكرين وأعلام الفلسفة المعاصرين أن إطلاق العنان للتأويل – دون قيد أو شرط – أكبر انتصار حققته فلسفة اللغة في الفترة المعاصرة.” وكأنّ هذا الانفتاح التأويلي، ذلك أنها جعلت انفتاح النص على دلالات متعددة وربما متناقضة في بعض الأحيان، علامة من علامات التحرر وكسر القيد الذي فرض من قبل الفهم الأحادي أو الموجّه للعمل الأدبي والفن على حد السواء. وهذا ماجعل سوزان سونتاغ ترفض تقبل التأويل، وفق هذا المنظور الفلسفي المنفتح، فتنفي سوزان سونتاغ أن يكون المقصود بالتأويل – من وجهة نظرها – سلسلة المتتاليات الدلالية اللانهائية، ذلك أن هذا المقصود يذهب بأصالة جوهر الحقيقة ويقضي على وجودها.
ومن هذا القبيل عابت على “نيتشه” اعتباره التأويل هو الدال الوحيد على جواهر الأشياء، وذلك في قوله: “لا جود لحقائق بل لتأويلات فقط.” أما البديل المفاهيمي الذي وسمت به سوزان التأويل فهو قولها: “التأويل هو ذلك الفعل الذهني الوعي الذي يجسد نظاما معينا، وقوانين تأويلية معينة.” كما يرفض بورديو من أسماهم بحراس التفسير الحرفي.. ولكنه كان يبحث عن منطقة وسطى لا ينفلت فيها التأويل ليصل إلى درجة متعالية من الفوضى والعبث تهشم بنية المعنى وتعبث بقصديات الذات.
  أما جاك دريدا- وفق منظوره  التفكيكي- أعطى المؤول أو الناقد أو القارئ سلطة التأويل دون قيود عليها، فمنطلقه الأساسي هو أن كل نص لا يقبل أو يحتوي تأويلات مختلفة فقط، ولكنه يقبل بتأويلات متناقضة يلغي بعضها بعضا، وعليه فإن النص في نظرهم لا يتحدث عن خارجه، بل لا يتحدث عن نفسه، وإنما تجربتنا في القراءة هي التي تحدثنا عنه، فتأويلات النص وتعدداتها متعلقة أساسا بمؤهلات القارئ أولا، والمقصود من التأويل هو تحقيق المتعة وليس الوصول إلى حقيقة ما يتحدث عنه النص.
ومن وجهة نظري الخاصة، أن التأويل شرط لازم للقراءة والنقد على حد السواء، ولكن وفق شرط سيميائي يسمح بتعدد القراءات تحت سقف واحد، دون جنوح أو عبث أو فوضى تضرب مركزية المعنى، فعندما يتشكل كون سيميائي/ علاماتي ينفجر عنه نظام مخاتل يتصل بمنظومة المؤولات النصية من جهة، وبالمؤول الخارجي/ القارئ من جهة أخرى، هنا يحدث نوع من التماس مع القصدية النصية وتشظياتها في بنية النص، وتنفتح حركية التأويل في مسارات ذات صلة وطيدة بالقارئ والمبدع في آن، وتتحول هذه الحركية (السيميوزيس) في النص مع كل قارئ – بشكل دينامي – ولا تتوقف إلا بمؤول يصطفي دلالة بعينها يرتضيها القارئ.. وتتوقف معها دينامية الحركة التأويلية للنص.



.