من العدد 30/ أنماط وآليات خطاب السخرية في مجموعة 24 ساعة مسخرة للكاتب منير عتيبة
قراءة نقدية بقلم كرم الصباغ.

 



استهلال
يشير مصطلح السخرية إلى استعمال الكلام في التعبير عن معنى يخالف معناه الأصلي بصورة تهكمية، أو هو طريقة من طرق التعبير، يستعمل فيها الشخص ألفاظا تقلب المعنى إلى عكس ما يقصده المتكلم حقيقة. وكما هو معلوم، هناك كلمات عديدة تتماس مع معنى السخرية من باب ظاهرة الترادف، ولكن يجب التأكيد على أن هذا التماس تماس جزئي، ومن تلك الكلمات: الاستهزاء، والتهكم، والهجاء، والمفارقة، والفكاهة، والتندر. هذا وتتميز السخرية بأنها نوع من التأليف الأدبي أو الخطاب الثقافي، الذي يقوم على أساس انتقاد الرذائل والحماقات والنقائص الإنسانية الفردية والجمعية.
وتجدر الإشارة إلى أن عملية الرصد أو المراقبة تجري من خلال وسائل وأساليب خاصة تختلف باختلاف الكاتب؛ لذا فمن الطبيعي عدم الاستقرار على تعريف بعينه، فالسخرية انفعال نفسي تختلف طرقه وأساليب تعبيره من شخص إلى آخر.
السخرية الممنهجة
يجب التأكيد على أن المصادفة أو العفوية بريئتان من إغواء الكاتب منير عتيبة بالولوج إلى طريق خطاب السخرية في مجموعته “24 ساعة مسخرة”، فبعد قراءة متأنية للمجموعة أكاد أزعم أن ثمة قصدية وتعمدا يندرجان تحت ما يسميه النقاد “السخرية الممنهجة”، ولا أقصد بقولي ما قد يتبادر في الأذهان من التكلف والذهنية المفرطة التي تصيب الإبداع في مقتل، بل أقصد أن تلك الكتابة ناتجة عن رؤية كلية ولحظات تأمل عميقة قادت الكاتب إلى الولوج في مجموعته تلك إلى طريق خطاب السخرية دون سواه. هي سخرية مقصودة إذن، بدأت من العنوان مرورا بقصص المجموعة جميعها.
العنوان
نعلم ما للعنوان من أهمية خاصة عند جيرار جينت وأرباب علم العتبات، ويكفينا أن نشير إلى أن العنوان يعد في حد ذاته نصا موازيا يختزل الدلالات الكبرى للقصص داخله. والسؤال: ما الذي يحيلنا إليه عنوان المجموعة المتمثل في “24 ساعة مسخرة”؟! وبالرجوع إلى الحساب الرياضي البسيط سنكتشف أننا أمام مجموع ساعات يساوي يوما كاملا، فما كنه ذلك اليوم؟! هل هو يوم بعينه، أم ينسحب هذا اليوم على سائر الأيام التي تتألف منها حياة السارد؟! وبالرجوع إلى المجموعة سنكتشف أنها تتألف من أربع وعشرين قصة، فهل تمثل كل قصة ساعة من ساعات هذا اليوم الملغز المشار إليه؟!
لم يكتف الكاتب بذلك بل جاء بالخبر “مسخرة”، تلك المفردة التي تعني معجميا كل ما يجلب السخرية، والتي تعني في العامية المصرية ما هو مسلي أو ما هو مفارق للوقار أو ما فيه خروج على الآداب العامة، أو هو إتيان ما من شأنه أن يكون مادة للسخرية.
وقبل أن أخلص إلى نتيجة من تلك التساؤلات الحائرة، سأستحضر قول الدكتور أبو بكر يوسف بتصرف حينما قال: “قلت في نفسي: عليك اليوم يا ولد الكتابة، ولكن بنمط آخر يحمل من الكوميديا السوداء ‘العبثية’؛ ما يحلو لغير المحافظين من أمثالي أن يطلقوا عليها ‘مسخرة'”. وهذا النوع ليس له علاقة بسخرية الأقدار، بل هذا النوع يطلق عليه “مسخرة بني آدم”. تقودنا تلك المقولة في ظني إلى بيت القصيد الذي عمد إليه الكاتب منير عتيبة، فالعنوان يحيلنا إلى يوم يضج بالكوميديا السوداء والعبثية، وذلك اليوم من وجهة نظري ينسحب على الحياة كلها التي تضج بدورها بالمتناقضات والزيف والنفاق المجتمعي والهمجية التي تعادي المنطق والعقل وكل ما هو أخلاقي، فيما يشبه الطوفان الذي بات يجرف في طريقه كل ما هو جميل وأصيل؛ ليصدر ثقافة القبح والتسطيح.
ضربتا البداية والنهاية
بدأت المجموعة بقصة “تيتانك في خورشيد”، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا وضع الكاتب تلك القصة بالذات في صدر مجموعته؟! دعنا نتفق أولا على أن الكتابة الإبداعية درب من دروب الجمال، وأن الغاية الأسمى للمبدع هي مجابهة القبح والانتصار للجمال فكريا وفنيا، بالإضافة إلى الوظيفة الاجتماعية للأدب التي أشار إليها أرنست فيشر في كتابه القيم “ضرورة الفن”، والتي تضع الكاتب في الطليعة التي تقع على عاتقها مسؤولية النهوض بوعي المجتمع والكشف عن قضاياه ومشكلاته، ولفت الانتباه إليها بقرع أجراس الخطر وطرح حلول لها متى تسنى له ذلك. وبالعودة إلى قصة “تيتانك في خورشيد”، نجد الكاتب يقف حائرا بين توسلات جاك الذي ندم على تضحيته بحياته من أجل روز التي نسيته مع مرور الأيام واستجابت لمغريات الحياة ونداء الغريزة، في إشارة إلى انتصار المادية على القيم الروحية التي يأتي الحب والوفاء على رأس قائمتها.
يرصد الكاتب تاريخ خورشيد القديم ويربطه بحاضرها، ويحاول القيام بدوره في إنقاذ بلدته من الخطر الداهم الذي يتهددها، بعد إخفاقه وعجزه عن تغيير مصير جاك وإعادة الحياة إليه. والمفارقة أن الكاتب المخلص لبلدته يدفع حياته ثمنا، فيغرقه الطوفان ويغرق معه جاك مجددا، وتبقى روز تستمتع بحياتها، ويبقى أهالي خورشيد يمارسون حياتهم دون أن يشعر أحد بحجم التضحية التي قدمها جاك في الماضي والراوي المشارك في الحاضر، وكأنما أراد الكاتب أن يستحضر قول المتنبي: “ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”.
الكاتب يعلنها وبشكل صريح أنه عاجز عن تغيير مصائر شخوصه، بل عاجز عن إنقاذ نفسه، فهو لا يريد تزييف وعي القارئ، ولا يريد أن يعده بوعود صار الوفاء بها فوق طاقته وقدرته، وإنما أراد أن يضع أفراد المجتمع أمام مرآة مقعرة ليروا أمراضهم وعيوبهم رأي العين. وإمعانا في التعبير عن المرارة، صاغ الكاتب قصصه بشكل ساخر، لكنها سخرية يتوارى وراءها مرارات بحجم جبل، فلنضحك إذن قليلا، ولنبك كثيرا، ولندرك أنفسنا قبل فوات الأوان، ولنتشبث بأطواق النجاة الأخيرة قبل أن يغرقنا طوفان المادية الهادر.
لقد حاول الكاتب فيما أعقب القصة الأولى من قصص أن يرصد أسباب النكبة الحضارية والردة الأخلاقية التي أصابت المجتمع والأفراد، وأن يرصد مآلات ونتائج ذلك التدهور، إلى أن يصل إلى الكشف عن الدرك الأسفل للتردي في قصة “الجثة”، التي فرط فيها الأبناء الثلاثة في جثة أبيهم وقرروا أن يدفنوها في مقابر الصدقة، وأن يبقوا جثة خادم المقهى في القبر المعد سلفا لدفن أبيهم، خشية الفضيحة واهتزاز المركز الاجتماعي. والسؤال: هل بعد الأب عزيز يندم الإنسان على التفريط في حقه؟! ولن أكون مبالغا عندما أقول: إن قصة “الجثة” هي رثاء للهوية التي بدأت في الذوبان والتشظي، ورثاء للتاريخ والجذور التي أمست تباع بأبخس الأثمان مقابل مكاسب تافهة أو وجاهة زائفة.
أنماط خطاب السخرية في المجموعة
يعد خطاب السخرية في القصة القصيرة والرواية نوعا من أنواع أدب المقاومة لما هو سائد ومستقر من أفكار ورؤى وممارسات اجتماعية، ويحاول ذلك الخطاب من خلال وسائله اللغوية تعرية تلك المشكلات، وخلخلة تلك التصورات، ودفع القارئ إلى تأملها ومن ثم مواجهتها، إيذانا برفضها، كخطوة أولى في طريق التغيير.
وإذا استعرضنا قصص المجموعة سنكتشف بعد قراءة متأنية أن ثمة خيوطا رابطة بين قصص المجموعة، يرتبط كل قسم منها بخيط معين يعبر عن نمط بعينه من أنماط خطابات السخرية المتعددة، وسوف نكتشف أن ثمة تصنيفين من الممكن أن نسير على هديهما:
أولا: التصنيف من حيث من يوجه إليهم خطاب السخرية
1. يسخر الكاتب في قسم من قصصه من المجتمع بصورته الجمعية، راصدا المشكلات والأدواء والأمراض المزمنة التي أصابت نسيج المجتمع وأدت إلى اهترائه وتفسخه، نرصد ذلك في قصص “مهر افتراضي”، و”الملقن”، و”المسلماني دخل المسجد”.
2. يوجه الكاتب خطاب السخرية إلى أشخاص بأعينهم، نرصد ذلك في قصص “الندواتي”، و”المتحرش”، و”المرشح”، و”أهل الخير”، و”تحت التهديد”، و”الجثة”.
3. ثمة قصص وجه فيها خطاب السخرية إلى الفردي والجماعي في الآن ذاته، مثل “ماكينة حلاقة”، و”كشكشها طفيها”، و”مريد السندباد”.
4. ثمة قصص خص فيها الكاتب بخطاب السخرية الراوي المشارك الذي أحسبه في بعض منها الكاتب نفسه، نرصد ذلك في قصص “سبع دروس في الحب”، و”أرض الحلم”، و”دعوة أم”، و”كبدة عباس الديب”.
5. ثمة قصص خارج الأنواع الأربعة السابقة؛ إذ مثلت كل قصة منها حالة خاصة، مثل “باعوا القضية”، و”طبق اليوم”، و”خطيئة تشيكوف”، و”سعاد خمسة متر”، و”طلوقة”، و”صياد الإناث”، و”تيتانك في خورشيد”، و”قائمة الطعام”.
ثانيا: التصنيف من حيث الرسالة والمضمون:
يسخر الكاتب من الأمراض التي أصابت جسد المجتمع ونسيجه الداخلي، فنجده يسخر في قصة “مهر افتراضي” من ثقافة ركوب التريند واللهاث وراء المكاسب السريعة من خلال إنشاء قنوات اليوتيوب التي صار الكثير منها يحتفي بما هو تافه وما هو مثير للغرائز، في استغلال هو الأسوأ لوسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية، والذي أفرز أمثال “نمبر ون”، و”ريخو”، و”الفتى الشرير”، و”سماح هرم”، في إشارة إلى الاستهزاء بالتاريخ المصري. ويسخر الكاتب من الاتجار بالدين في قصة “مهر افتراضي”، حيث الداعية الشاب ذو الابتسامة اللزجة الذي يتربح من عرض ما ينشره “ريخو” و”الفتى الشرير”، ثم انتقاده، في حين يتطهر المشاهدون من محتوى التافهين بتأييد الشاب فيما ذهب إليه من انتقاد.
أما في قصة “أهل الخير”، فالكاتب يسخر من شيوخ الإعلانات الذين يتاجرون بالمشاعر الإنسانية ويتاجرون بآلام المعدمين من أجل تحقيق الأرباح الطائلة. وفي قصة “الملقن”، يسخر من الفقيه المحتال الذي يزيف وعي الناس مستغلا جهلهم لتحقيق أرباح ومنافع شخصية معتمدا على نشر الخرافات والخزعبلات في عقول أبناء القرية. وفي قصة “ماكينة حلاقة”، يسخر من النفاق المجتمعي والتناقض بين ما يمارسه الأفراد في الخفاء وما يحرمونه في العلن، ويسخر من أنصاف المتعلمين الذين يدعون المعرفة من خلال شخصية مرسي، ويسخر كذلك من جهل الحلاق عوض وفتنته بمرسي وإعجابه بكل ما يصدر عنه.
يسخر في قصة “مريد السندباد” من الهوة الشاسعة بين بلاد الشرق وبلاد الغرب على كافة المستويات، وكيفية استقبالنا نحن العرب لمنجزات العصر كمتفرجين ومستهلكين. ويسخر في قصة “الندواتي” من آفات الوسط الثقافي ومنح الجوائز لمن لا يستحقها، الأمر الذي أدى إلى حصول “دعبيس عبيس المجامل” على الجائزة المرموقة. ويسخر الكاتب من الراوي المشارك عندما أفلت “دعبيس” من مكيدته، بل كاد الراوي المشارك نفسه يشل بعد مطالبة جمهور نادي الأدب بأن يتنحى الراوي عن منصبه وأن يتولى “دعبيس” رئاسة النادي بدلا منه.
يسخر الكاتب في قصة “المسلماني دخل المسجد” من التنافس الطائفي على شخص المسلماني الذي يزدري تعصب الجميع ويكيل السباب للجميع. ونجده في قصة “خطيئة تشيكوف” يسخر من تقاليد عملية الكتابة المستقرة، ويركن إلى “الميتا سرد”، ويتلاعب بالرواة والحبكات والزمان والمكان والشخوص، ويستحضر تشيكوف نفسه ليحاسبه على جملته الشهيرة: “إذا قمت بتعليق مسدس على الحائط، فينبغي إطلاقه. وإلا فلا تضعه هناك”. وينبغي التأكيد على أن الكاتب استبدل البندقية بمسمار إمعانا في السخرية. ونجده يسخر من الراوي المشارك مرة أخرى، ويجتر الخيبات والهزائم في قصة “سبعة دروس في الحب”، و”أرض الحلم”، و”خطيئة تشيكوف”. في حين يسخر في قصة “تحت التهديد” من الزوج الغاشم الذي لا يكف عن ممارسة العنف البدني ضد زوجته في فهم مغلوط لمعنى الرجولة. بينما يسخر من طغيان المادية والغرائز على الحب والوفاء والاعتراف بالجميل في قصص “طلوقة”، و”تيتانك في خورشيد”، و”سبعة دروس في الحب”، و”كشكشها طفيها”، والتي يسخر فيها أيضا من الظلم والعنف وسرقة الأحلام والدعوة إلى اللامبالاة. في حين يسخر الكاتب في قصة “باعوا القضية” من تلك المنظمة الخفية التي تثير القلاقل وتشعل الحروب وتصنع الأزمات في العالم، ويدين الكاتب بشكل ضمني المواقف السلبية حيال القضية الفلسطينية.
تجدر الإشارة إلى أن قصة “طبق اليوم” وقصة “قائمة الطعام” قد خلتا من السخرية تماما؛ فالقصة الأولى مثلت حالة مخملية عبرت عن الوجد وآلام الفقد، والقصة الثانية عبرت عن حالة البؤس والحرمان التي تعاني منها الخياطة الكادحة التي تتناول وجبات وهمية تعويضا عن الجوع والحرمان. فلم يعقب قراءتهما تلك البسمة التي وجدتها تنطبع على شفتي بشكل لا إرادي عقب الانتهاء من قراءة كل قصة، بل شعرت بالألم والتعاطف مع الراوي المشارك الذي يفتقد حبيبته الراحلة والخياطة الكادحة التي لا تجد قوت يومها.
اللغة
تميزت لغة المجموعة بالرشاقة والسهولة، وضمن الكاتب بين طياتها بعض الألفاظ العامية وبعض الألفاظ الأجنبية وفق ما يقتضيه سياق السرد؛ فأسهمت تلك الألفاظ من وجهة نظري في إضفاء الحميمية على نصوص المجموعة بلغتها التي تناسب المستويات الثقافية المتباينة للمتلقين. وأود أن أشير في هذا الصدد إلى أن الكاتب ركن إلى تلك اللغة السهلة طواعية وليس جبرا؛ إذ دلل في غير موضع على قدرته على صياغة اللغة الشعرية المحملة بالاستعارات والمجاز، كما رأينا في قصة “طبق اليوم”، وبداية قصة “طلوقة”، وقصة “أرض الحلم”، وغير ذلك من المواضع.
الآليات والحيل السردية التي تضمنها خطاب السخرية في المجموعة
إن تلك الآليات والحيل السردية التي تضمنها خطاب السخرية في مجموعة “24 ساعة مسخرة” أباحت للكاتب التمرد على الأعراف السائدة في الكتابة القصصية والتلاعب بعناصر البنية السردية، إذ لا يعني الكاتب الساخر إيهام القارئ بالواقع قدر عنايته بنبش ذلك الواقع وإزالة القشرة الخارجية الهشة؛ ليتجلى ما هو مخبوء تحتها وما هو مسكوت عنه أمام ناظري القارئ، وسأختار منها ما يلي:
– المزج بين الواقعي والغرائبي في نسيج واحد:
بدأ الكاتب بعض قصصه من نقاط هادئة، ثم سرعان ما انقلب على ذلك الواقع ولجأ إلى الغرائبية، مثلما رأينا في قصة “تيتانك في خورشيد”. فالقصة بدأت بمشاهدات الراوي المشارك للفيلم في دور السينما المختلفة في الإسكندرية، ثم بدأت بحيرة الراوي إزاء نظرات جاك، ثم تجنح القصة إلى الغرائبية التي تتمرد على قوانين المنطق والواقع، لتتداخل الأزمنة والأماكن؛ فيتداخل قصر الجزيري مع متن السفينة مع حديقة روز، بل تتلبس الراوي نفسه روح جاك؛ فيرى روز تارة على كرسيها الهزاز تحمل صورته، وتارات أخرى يراها في أحضان الرجال. وتبلغ الفانتازيا ذروتها عند عرض الفيلم والقفز من وإلى الشاشة، ثم مشهد الفيضان الذي يتفجر من اللوحة ليملأ مجرى ترعة المحمودية، ومن ثم يؤدي إلى غرق الراوي وجاك. ونرصد هذا الامتزاج بين الواقعي والغرائبي في قصص أخرى، ومنها قصة “كشكشها طفيها”، حينما يحشد حامد الأحياء والأموات والأشباح والذكريات وجثث أبويه والشيخ أحمد القناوي الولي صاحب الكرامات، وحيث يتحول فراغ الجو إلى شاشات عرض يرى فيها كل منهم موقفا ظلم فيه حامد، الذي يسوق الجميع بعصاه في نهاية القصة إلى مقبرة الشيخ كعقاب جماعي على ظلمهم ولا مبالاتهم وسفكهم أحلامه بدم بارد.
– الرسم الكاريكاتوري للشخصيات:
يعد خطاب السخرية أكثر الخطابات السردية مرونة، إذ يركن كاتبه إلى العديد من التقنيات والحيل السردية التي تبيح له المبالغة أو التهوين في الوصف ورصد الصفات الخلقية والخلقية والمستوى الفكري والثقافي عند رسم شخصياته القصصية، تماما مثلما يتلاعب رسام الكاريكاتير بالنسب والأحجام عند رسم لوحاته. ربما نلمح ذلك في رسم شخصية عوض الحلاق الأمي بصفاته الشكلية وبطء فهمه وسوء نطقه للمصطلحات وإساءة فهمها. وقد نلمح ذلك في رسم شخصية سائق التكتوك في قصة “خطيئة تشيكوف”، ذلك السائق ذو الصوت النحاسي والقفا العريض. وقد نلمحه أيضا في رسم شخصية المرشح فاضل عباس، وشخصية سوسن الزوجة الثانية في قصة “تحت التهديد”، البدينة الدميمة، وشخصية المسلماني في قصة “المسلماني يدخل المسجد”، وشخصية العاشق الحشاش التي تنضوي قصته تحت عنوان فرعي هو “احذر صديق الغرزة” كجزء من أجزاء قصة “سبعة دروس في الحب”.
– المبالغة والتهويل في الوصف:
وذلك بإضفاء صفات خارقة على شخصية من الشخصيات، مثلما فعل الكاتب بشخصية الجد في قصة “كبدة عباس الديب”، الذي قتل الذئب بقبضتي يديه، والذي يخشاه الجن والذئاب، والذي يدخل في مفاوضات مع الجن والذئاب، تنتهي بعقد اتفاق.
– المقابلة بين الصورة الذهنية المثالية والصورة السردية:
قابل الكاتب بين الصورة الذهنية المثالية المستقرة في أذهان القراء والصورة السردية التي قدمها لتلك الشخصيات في قصصه. فعلى سبيل المثال، قصة “أهل الخير”، التي قدم الكاتب فيها صورة صادمة لشيوخ الإعلانات الذين يخدعون العامة، ويتاجرون بآلام الفقراء من أجل تحقيق أرباح طائلة، تلك الصورة السردية التي تتعارض مع ما هو مستقر في أذهان العامة من صورة مثالية لرجال الدين تصفهم بالورع والأمانة والتقوى والزهد في المكاسب المادية والحرص على إرضاء الله عز وجل.
– مفارقة القفل والنهايات:
تعد نهاية القصة جزءا شديد الأهمية فيها؛ حيث إنه آخر ما يبقى في ذهن القارئ؛ لذا يحرص كتاب القصة القصيرة على اختيارها بعناية لزيادة جرعة التأثير في المتلقي. إن خطاب السخرية له أوجه عديدة تكلل بما يعمد إليه الكاتب في نهاية قصصه، وأقصد به النهايات التي تكسر أفق توقع القارئ، إذ تعتمد على المفارقة، التي عادة ما تؤدي إلى رسم ابتسامات مشوبة بالمرارة، وربما تفجر الضحك إعمالا للمثل القائل: “شر البلية ما يضحك”. وما مبعث تلك الابتسامات وذلك الضحك إلا الومضات المفاجئة الناتجة عن لحظة المكاشفة التي تسلط عدسة مكبرة على لحظة التصادم بين متناقضين، ألا وهما ما هو متوقع وما خالف به الكاتب التوقعات.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن قفل جميع قصص المجموعة قد انتهت بنهاية تتسم بالمفارقة. فعلى سبيل المثال، قصة “ماكينة الحلاقة” التي انتهت بأن الأشخاص الذين أخذوا على عاتقهم تحريم وتجريم استخدام ماكينة الحلاقة الموزة هم أنفسهم من يستدعون عوضا سرا إلى بيوتهم ليحلق لهم شعرهم باستخدام الماكينة المحرمة ذاتها. وقصة “صائد الإناث” الذي يفلت من عقاب محاكمة رئيس القبيلة بصيده للغزالة الصغيرة، فنكتشف في النهاية أن ثمة صديقا له يساعده في خداع الجميع بإطلاق إناث الحيوانات نحوه، بينما الصديق يختبئ بين الأحراش.