من العدد 30/أسوار المشور تحفظ ذاكرة حضارة لا تموت
ياسمينة زايد/ 



عند الغوص في السياحة بالجزائر، فإن مدنا مثل تلمسان بتاريخها العريق وتراثها السياحي ربما تأتي في الصدارة، ولكونها الأكثر شهرة لدى السياح في هذا المجال، فقد كانت عاصمة الثقافة الإسلامية بهذا البلد الإفريقي الكبير. غير أن بعض مناطقها لا تخلو من معالم سياحية تستحق الزيارة، فمدينة “تلم” الواقعة بالجهة الغربية أو القطاع الوهراني كما كان يطلق عليه في عهد الاستعمار الفرنسي، تضم معلما شديد الأهمية والتميز سواء على الصعيد الإفريقي أو العالمي.
المعلم الرئيسي في تلم هو قلعة المشور الذي يعد أول معلم سياحي بالمدينة وأحد أبرز نماذج العمارة الزيانية في الجزائر.
“تلم” هي الجزء الاسمي بالأمازيغية لمدينة تلمسان، ويعني “تجمع”، ليترادف معه “سان” ومعناه الاثنان، وجاء تباعا للجمع بين مدينتي “تقرارت” التي أسسها يوسف بن تاشفين، وأكادير التي أسسها أبو قرة على أنقاض بوماريا. في حين أن هناك معنى آخر للتسمية، ألا وهو “تالا يمسان”، ويعني المنبع الجاف، ويقال إنها التسمية الأصح لكونها تحمل العديد من الينابيع في جوفها.
لؤلؤة المغرب الكبير وجوهرة الغرب الجزائري تبعد عن العاصمة ب520 كيلومترا، وعن الحدود المغربية ب40 كيلومترا، وعن ساحل البحر المتوسط بذات المسافة، إضافة إلى الجبال والوديان الحاضنة لها، كما يقول سكان المدينة: “جبل بني ورنيد، وواد الصفصيف، والمنصورة”.
عندما غصنا لنسأل عن المدينة من سكانها، قيل لنا أنها “مدينة الفن والتاريخ”، وصاحبة المواقع الطبيعية الخلابة، فكل ما فيها ما هو إلا وحي فكري ثقافي مجيد ومتأصل في الغرب الإسلامي الكبير. مرت المدينة بعدة عهود؛ بداية بالأمازيغ الذين بنوا فيها أصل المدينة القديمة وهي “أغادير”، أي القلعة، وأطلقوا على البلدة كلها اسم “تلمسان”، أي الينابيع. ومن ثم الرومان، وقد حكموا المدينة من بداية الربع الأخير من القرن الخامس الميلادي إلى عام 671 ميلادي عند قدوم العرب المسلمين بقيادة عقبة بن نافع. أما منذ عام 671 ميلادي وحتى نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العباسي، ظلت تابعة للأمويين والعباسيين.
لتجيء بعد ذلك ثلاث عهود مختلفة ومتضاربة: المرينيون القادمون من المغرب الأقصى، وقد حاصروا تلمسان سبع سنوات ابتداء من عام 1299 ه بقيادة زعيمهم السلطان المريني “أبو يعقوب”، ولم يرفع الحصار عن المدينة إلا بموته. إلا أن المرينيين قد بنوا خارج أسوار المدينة القديمة مدينة جديدة أطلقوا عليها اسم “المنصورة”. وقد عاد المرينيون مرة ثانية لحصار تلمسان بقيادة أبي الحسن المريني، ففتحوها، ودام حكمهم لها إحدى عشرة سنة.
إضافة إلى الفترة ما قبل الاحتلال، وهي الدولة العثمانية، وقد خضعت تلمسان للعثمانيين منذ عام 1555 ميلادي بعد أن كان قد فتحها القائد العثماني “بابا عروج” الذي استنصر به “أبو زيان” من بني عبد الواد على عمه “أبو حمد الثالث”، الذي انتزع منه الحكم. وأخيرا، الاحتلال الفرنسي. لم يدم حكم الأمير عبد القادر طويلا لتلمسان، إذ أن الفرنسيين سرعان ما عادوا فاحتلوا المدينة من جديد، وبنوا بها مركزا عسكريا في حي “المشور”، واستمرت سيطرتهم عليها إلى عام 1962 ميلادي حين استقلت الجزائر.
تحفة تتحدى الزمن:
تشكل قلعة المشور أو القصر الملكي الزياني تحفة معمارية فريدة من نوعها، حيث بدأ بناؤها بأوائل القرن الثالث عشر بعد مغادرة “يغمراسن بن زيان” للقصر المرابطي الذي كان موازيا للجامع الأعظم، لكنه لم يستغرق كثيرا حتى هدم سنة 1843 من قبل الفرنسيين ليتخذوا منه معسكرا، بالرغم من تركهم لصومعة القصر الجميلة للدلالة على أنه كان للقصر مسجدا، ليصبح الآن صرحا شهيرا يمثل نموذجا رائعا للصبر والعزيمة.
إن كلمة “المشور” تعني المكان الذي يعقد فيه السلطان أمير المسلمين اجتماعاته مع وزرائه وكتابه وضباطه لمناقشة شؤون الدولة والتشاور في أمور الرعية وقت السلم ووقت الحرب. ويقع قصر المشور داخل أسوار القلعة، وهو القصر الوحيد المتبقي من أربعة قصور كانت تشكل فيما مضى قلعة المشور، وهي “دار الملك” و”دار أبي فهر” و”دار السرور” و”دار الراحة”.
وبحسب ما تذهب إليه العديد من المراجع التاريخية، فإن الأمير عبد القادر الجزائري أقام بهذا القصر مدة أربع سنوات كاملة خلال توقيع “معاهدة تافنة” مع الجنرال الفرنسي “بيجو”، ثم خرج عنه بعد نقض الفرنسيين لتلك المعاهدة.
يلاحظ الزائر للقصر أنه يتكون من جناحين خصصا لإقامة الملك، أحدهما مهيأ لفصل الصيف، وهو مبني بالطين، بشكل يجعله باردا ومنعشا على مدار الفصل، وجناح آخر يقيم فيه الملك في فصل الشتاء، وهو مبني بالحجارة التي تجعل الجناح دافئا على مدار فصل الشتاء. وهي هندسة معمارية فريدة من نوعها كانت ترتكز على حسابات شروق الشمس وغروبها. ويضم الجناح الخاص بفصل الصيف ممرا سريا، كان الملك يستخدمه عند الخروج لأداء الصلاة في المسجد الكبير، للاختفاء عن أعين العامة من الناس، كما كان يستخدمه كذلك في أوقات النزاعات والحروب، وكان يتسع لمروره على ظهر جواده.
كما يلاحظ في “قصر المشور” زخرفة عربية إسلامية، تتكرر فيها جملة واحدة على كل الجدران، وفي جميع الغرف والأجنحة، وهي: “العز القائم بالله… الملك القائم بالله”.
تقع “قلعة المشور” على مساحة تصل إلى حوالي 2 كلم2، وهي في شكل مستطيل من الغرب إلى الشرق. وكانت القلعة تضم، إضافة إلى قصر السلطان، حمامات ومنازل وحدائق، وأيضا الجامع الذي يقع في الزاوية الجنوبية الغربية. وبحسب عدد من المراجع التاريخية، فإنه ليس هناك تاريخ محدد لبناء هذا المسجد، غير أن تأسيسه تم، على ما يبدو، عقب بناء القلعة بمدة، ويقال إن تاريخ بنائه كان عام 517 للهجرة، الموافق لعام 1124 ميلادي. يقع “مسجد المشور” على أرض مستوية، وقد شارك في نهضة تلمسان الثقافية والحضارية كثيرا، حيث استقبل عددا كبيرا من العلماء الكبار الذين درسوا فيه ورابطوا للوعظ والإرشاد، وتخرجت على أيديهم أجيال من طلبة العلم والأدباء والمحدثين. وما يؤكد دور هذا الجامع الريادي في الحركة الفكرية والعلمية لتلمسان قربه من قصور الأمراء والسلاطين الذين عرفوا في تلك الفترة بتقريب العلماء والفقهاء وأهل العلم والأدب.
وواصل المسجد دوره الديني والثقافي طيلة قرون طويلة، إلى غاية الاحتلال الفرنسي لتلمسان سنة 1840 ميلادي، وهو التاريخ الذي كان منعرجا حاسما في مهام هذا المسجد الذي حوله الفرنسيون إلى كنيسة، حيث أزالوا سقفه وجددوه ليأخذ شكل كنيسة. وبقي المسجد مدة من الزمن على تلك الحال، إلى أن ركز الاحتلال الفرنسي وجوده بتلمسان، وكثر العنصر الأوروبي المسيحي، ما أدى إلى تأسيس العديد من الكنائس خارج “قلعة المشور”، واستغنى الفرنسيون فيما بعد عن “كنيسة المشور”، وتحولت إلى مخزن ومستودع تابعين للمستشفى العسكري. وما إن تحررت الجزائر، حتى عاد المسجد إلى وظيفته الدينية الإسلامية التي ما يزال يقوم بها إلى يومنا هذا، إلى جانب العشرات من المساجد الشامخة العامرة التي تنتشر عبر أحياء مدينة تلمسان العريقة وأزقتها.