ركضة الذي لبس الأزرق
بقلم سمير لوبه

لم يكن أحدٌ يراه حين يركض، كان وحده، دائمًا وحده، يقطع الشارع الطويل المؤدي إلى العمل، يطرق بأقدامه أسفلت الحياة، يلهث، يبتسم، يواصل الجري، بعد أيامٍ يتم خمسة وخمسين عامًا ظلّ فيهن يركض في الحياة، الآن يركض بين الكلمات، وبين وجوه القرّاء، وبين خيالاته التي لا تنفد، لم يعرف كيف يتوقف، الكاتب حين يتوقف يموت، لم يكن عادلًا إلا مع قلمه، أما مع نفسه فقد كان جلادها الأول، في صباحٍ مثل تلك الأصباح الفائتة متثاقلٌ، شعر بصداعٍ كأنه موسٌ حادٌ يشق فروة رأسه، تجاهله، أراد أن يشرب قهوته، سقط الكوب من بين أصابعه، تهاوى رأسه على مكتبه، وتدحرجت نظارته، أسرع زملاؤه بنقله لمستشفى التأمين الصحي، وفي قسم العصبية جسده يرقد على السرير المعدني، عيونه نصف مفتوحة تراقب ظلّه وهو يركض بعيدًا، مبتعدًا عن جسده المرتجف،
ألبسوه المريلة الزرقاء، تلك التي تجعل البشر نسخًا متطابقةً من القلق، تساوي بينه وبين كل من فقد القدرة على الركض، أو حتى على الحلم ..
اشتباه جلطة في المخ، كان تشخيص الحالة،
همس الطبيب الشاب للممرضة، ظنًا منه أن الرجل على السرير لا يسمع، وهو يسمع كل شيء، ويرى أكثر، يرى جسده غريبًا عليه، ومسرح الحياة يظلم من دونه، والجمهور يصفق للفراغ، المشكلة ليست في الجلطة، المشكلة أن الحياة بدأت تتجلّط داخله، يشعر أن روحه لا تزال تجري، لكنها محشورة في زجاجة ضيقة من البلاستيك الطبي، لا تستطيع القفز إلى المضمار، يصرخ لكن صراخه داخلي، يظن أنه ميت، إلا أن قلبه كان يركض أيضًا، يركض في صدره كعدّاء مرعوب من أن ترفرف الراية السوداء قبل أن يصل إلى خط النهاية، في الممر الأبيض البارد يجرّ صوت العجلات المعدنية الأمل مثل جثة، الوجوه هنا كلها متشابهة، الزيّ أزرق، الحزن بلا لونٍ، الزمن مشنوقٌ في ساعةٍ كبيرةٍ تتدلى من سقف الممر عقاربها تئن.
– كم الساعة؟ يسأل
فلا تجيبه الممرضة ، ربما لأنها تظن أنه يهذي، لم يكن يهذي، هو يحاول الإمساك بشيء من وقته القديم، الذي كان يمضي فيه نحو الحلم كفرسٍ أدمن السباق.
في الغرفة رقم 6 قسم العصبية ، وقف طبيبٌ أمام ملفه، يقرأ نتائج الأشعة المقطعية على المخ وأشعة الدوبلر على شرايين الرقبة.
– حالته حرجة، لكن الحمد لله الأوعية استجابت.
كلماتٌ ارتطمت بالحائط، وارتدت كرجع صدى إلى صدره.
لقد رأى الأمل من قبل، رآه على هيئة تعليق جميل من قارئ لإبداعه ، أو صفحةٍ في جريدة تنشر إحدى قصصه ورائحة الحبر فيها مثل الياسمين، أغمض عينيه بينما ذاكرته لم تغمض، رأى صورًا تتزاحم، رأى الطفل الذي فرح بأول كراسة اشتراها، وبأول حرفٍ كتبه.
في الليل، حين خفّت أصوات الزوار، وهدأ رنين الأجهزة، تسللت دمعاتٌ من عينيه دافئةً، رأى أمه وأبيه يبتسمان له، يربتان على صدره، لكن عليه أن يقاوم ليركض، يركض لأنه لو توقف سيموت، هو الآن متوقف، لكنه لم يمت بعد، هو فقط يرتدي الأزرق، ذلك الذي يُلبس لمن دخل معركةً مع الحياة ولم تُحسم بعد.
في اليوم الثالث، وبينما الشمس تشق الزجاج إلى غرفته، دخل الطبيب ، ابتسم، وقال:
– الحمد لله، الأزمة عدت، كنت على الحافة يا أستاذ.
ثم أردف بجدية:
– بس لازم ترتاح.
فردّ عليه بابتسامة باهتة:
– الراحة لمثلي موت.
ضحك الطبيب، وغادر، تاركًا وراءه رجلًا يرتدي الأزرق، لكنه يُعدَّ نفسه للركض.
في اليوم الخامس، وضعوا له ورقةً وقلمًا.
قالت الممرضة:
– الدكتور قال نسيبك تكتب.
أمسك القلم بيدٍ مرتعشةٍ، لم يكن يعلم من أين يبدأ،
لكن قلمه يعرف الطريق، فيكتب.
وخرج من المستشفى، على أن يتابع مع الاستشاري في عيادة التأمين الصحي، لم يخلع المريلة الزرقاء، احتفظ بها، طواها في حقيبة أوراقه.
قائلاً:
– هذه شهادة أنني كنت على طرف الحياة، ورجعت.
ولمَّا عاد إلى بيته، عاد إلى الركض على الورق،
يركض بقلبٍ أفلت من سكين الحياة، وبعينٍ ترى كل شيءٍ بعُمق الجلطة التي لم تكتمل، لكنه عاد كما كان، دائمًا يركض..
