فن وذاكرة وركحمع الفنان سمير مزوري
حاوره عبد الفتاح بلحبيب


على مر السنين، حافظ المسرح الجزائري على استمراريته وأبقى نفسه حيا بين الفنون يرفض الاندثار. ومن خشبة تلمسان، لمع اسم ابن بار بالمسرح ووفي له، قدم له سنوات من عمره وجهودا لا توصف، لتثمر حضورا قويا وأداء لافتا ورسائل هادفة، في عروض تنوعت بين ما حمل منها العمق الإنساني وما كان طابعه فكاهيا يبقي الوجوه ضاحكة. إنه الفنان سمير مزوري، الفنان الذي تسعد مجلة ومضات أمل باستضافته واستكشاف رؤاه ووجهات نظره.

م و أ بداية، هلا تفضلت بتقديم نفسك لمن يطالع هذا الحوار؟


سمير مزوري، فنان مسرحي سينمائي تلفزيوني من مدينة تلمسان، مسقط رأسي بمدينة بني بوسعيد الحدودية. ترعرعت ودرست مختلف مراحلي التعليمية بحي بودغن الشعبي بقلب تلمسان.

م و أ كيف كانت انطلاقتك على الخشبة؟ ولم اخترت المسرح تحديدا دون الفنون الأخرى؟
س م انطلاقتي في المسرح كانت من المدرسة سنة 1993 بابتدائية حمري أحمد ببودغن، نبع ذلك من حبي لمشاهدة العروض المسرحية، إذ اعتاد والدي رحمة الله عليه اصطحابي للسهرات الرمضانية بمدينة مغنية خلال سنوات ما بين 1987 و1991، كانت العروض المقدمة آنذاك تثير انبهاري. منذ ذلك الحين أحببت كل ما هو مسرح وفن وتمثيل. بانتقالي لمدينة تلمسان، انضممت لفرق موسيقية وتعلمت الدربوكة، البندير، والقيتارة كهواية نتشاركها نحن أبناء الحي.
في سنة 1998، أيام دراستي في المتوسطة، زاد اهتمامي بالمسرح أكثر فأكثر، إذ شجعتنا أستاذة اللغة الفرنسية على تقديم عرض مسرحي بمناسبة عيد المرأة 08 مارس. نلت الثناء على أدائي وتلقيت المزيد من التشجيع من الأساتذة والحضور، ما جعلني أنخرط في جمعية “أحباب دار الثقافة” التي كان مقرها دار الثقافة عبد القادر علولة، والتي كانت تشمل مختلف الفنون من موسيقى ومسرح وشعر، ومن هناك بدأت رحلتي.

م و أ ما هي أبرز التحديات التي واجهتها خلال مسيرة بنائك كنجم مسرحي؟ وهل هناك تحديات ما زلت لم تتغلب عليها إلى اليوم؟
س م بالنسبة للتحديات، لم أكن أراها كذلك في بداياتي. كان تركيزي منصبا على أن لدي موهبة وجب أن أطورها، لكن هناك فعلا تحديات في أي شيء تسعى لتحقيقه، خاصة في الفن. لم أكن أعلم حينها أن مستقبلي الفني سيستمر إلى اليوم، لكن التحديات التي كنت أدفع نفسي لمواجهتها تمثلت في التطوير الدائم من نفسي بعد العروض الأولى التي كنت أقدمها والتي جعلتني أنال قسطا معتبرا من الشهرة. في المقابل، كانت هناك عراقيل اعترضتني، إذ لم تكن الإمكانيات التي تجعل منك ممثلا مسرحيا متوفرة بالشكل الكافي، أهمها افتقار ولاية تلمسان لمسرح جهوي وإلقاء الضغط كله على دار الثقافة وحدها، والتي كانت تستقبل كل الفنانين في كل الطبوع من مختلف المجالات الثقافية والفنية.
التحديات والطموحات لا تنتهي ولا تتوقف، يبقى الهدف هو تحقيق المزيد من النجاح من خلال الأدوار والقيمة المقدمة من الأعمال. لاحقا، كان المعيق الأكبر هو صعوبة التنقل إلى العاصمة بحكم البعد الكبير في المسافة، خصوصا وأنها المنصة الأهم للبروز فنيا وإثبات الذات في هذا الوسط. كما كنت أواجه صعوبة في البحث عن المهرجانات وأماكن إقامتها وكيفية التسجيل فيها وشروط قبول استماراتها.

م و أ  لمن تغيب عنه المعلومة، الفنان سمير مزوري هو الفائز بالمركز الأول في الموسم الثاني من برنامج قهوة القوسطو. سؤالي أستاذ مزوري هو: بعد هذه السنوات، هل ما تزال تقطف ثمار نجاحك بقهوة القوسطو؟ أم أن تلك صفحة وطويتها، وإنك اليوم في مرحلة مغايرة تماما؟
س م بالنسبة لمرحلة قهوة القوسطو الذي كان برنامجا تلفزيونيا تزامن إنتاجه مع موجة إطلاق العديد من القنوات الجزائرية الخاصة أوخر سنة 2010 وبداية 2011، مشاركتي فيه جاءت بعد اقتراح من الفنان المحترم نبيل عسلي للمشاركة في ستاند أب كوميدي الذي لم يكن أبدا من اختصاصي، بل لم تكن لي قبل ذلك أعمال فردية سواء مونولوج أو مونودرام أو وان مان شو، ولم يكن من السهل الخوض فجأة مغامرة كهذه وتحديا مطالب فيه بتقديم عرض من هذا النوع لمدة 6 دقائق كل أسبوع. على كل حال، جاءت النتيجة مرضية جدا وفزت بالمركز الأول.
الحقيقة أنني لم أمنح نفسي يوما لقب فنان كوميدي، بل الجمهور من أطلق علي هذا الاسم لأنني كنت أقدم عروضا فكاهية في تلك الفترة، لكنني في الأصل ممثل لا تنحصر أعمالي في الكوميديا وحدها، بل أجتهد في تقديم ألوان مسرحية متنوعة من دراما وتراجيديا وتراكيب شعرية … وغيرها. انحزت للكوميديا أكثر لأن الجمهور القدير كان يستحق بعض الترفيه خصوصا خلال سنوات العشرية السوداء وما بعدها، مع ضمان معالجة المواضيع الاجتماعية وتقديم رسائل هادفة في ذلك القالب الهزلي.
في سياق الحديث، بعد 2012، أي مرحلة قهوة القوسطو، اتجهت نحو طبوع أخرى وشاركت في عدد من المسلسلات والأفلام التلفزيونية. إلا أن هذا لم يمنعني من الاستمرار في الظهور على الخشبة وتقديم العروض المسرحية إلى حد الساعة.
يعني هذا أن ثمار قهوة القوسطو تمثلت في تقديمي للجمهور العريض، إذ صار الظهور على صورة إعلان العرض المسرحي يؤثر بشكل كبير على إقبال الجمهور، بحكم سابق معرفته بالفنان وثقته في جودة ما سيقدم، إلى جانب الفضول الذي ينتابه لمعرفة ما سيعرض.

م و أ  كيف تصف نجومية التلفزيون؟ وهلا وضعتها في مقارنة مع تجربتك المسرحية؟
س م من العسير جدا وضعهما في مقارنة، المسرح عالم آخر. المسرح يمنحك فرصة الاتصال المباشر مع الجمهور وتثبت قدراتك إن كنت حقا موهوبا أو غير ذلك. المسرح يفرض عليك الأداء بصوتك وتعابير وجهك وحركات جسمك، كيفية انسجامك مع الموسيقى، وحتى استغلال الإضاءة والتعامل معها. لا تجد في المسرح فرص القطع وإعادة المحاولة، بل كله اتصال مباشر بحت مع الجمهور. والأهم هو النص المسرحي، بكيفية الاشتغال عليه وتقمص الشخصية على أكمل وجه. كل هذا مجهود كبير وعمل شاق، حين يؤتي أكله وترى أن الجمهور حضر وحافظ على اهتمامه بعرض قد تزيد مدته عن ساعة ونصف تنتهي بالوقوف والتصفيق لك على ما قدمت، هنا تشعر أنك حقا فنان أدى ما عليه واستحق التحية.
أما التلفزة، فالجميل فيها أنها فرصة ليشاهدك من لم يتمكن من القدوم ومتابعتك على المسرح. لا شك أنها تحقق لك الشهرة، لكني بصراحة أجد متعة أكبر في المسرح، حتى الجمهور يسعد ويتفاعل مع العروض المسرحية بشكل أفضل.

م و أ هل تبقى الأولوية عندك دائما للخشبة، أم أنها أمست اليوم للشاشة؟
س م بالنسبة لي، ما زلت أفضل الخشبة، أرتاح أكثر في المسرح، وأومن أن الجمهور كذلك يستمتع أكثر لما يرى الممثل أمامه مباشرة، خاصة فئة الجمهور المعتادة على حضور العروض المسرحية. أما الشاشة، صحيح أن لها ذوقها ورونقها هي الأخرى، لكن ما زلت أفضل الوقوف على الخشبة.

م و أ  كيف ترى وضع المسرح الجزائري حاليا؟
س م بخصوص المسرح الجزائري ووضعه الحالي، بوسعنا القول إنه في السنوات الأخيرة، ربما العقد الأخير، نجد العديد من المسارح الجهوية التي حافظت على نسق معين من نشاطها وإسهامها الثقافي. لكن بحلول سنة 2015، دخلت الجزائر نفق التقشف، وبدا أن قطاع الثقافة كان أول المتضررين، لذا شح الدعم وتراجع عدد العروض المسرحية، لكن بقيت الجمعيات والتعاونيات والمسارح الجهوية تحاول إبقاء المسرح نشطا وتشارك في المهرجانات.
المسرح اليوم صار يتطلب إمكانيات كبيرة، صحيح أن تأديته تكون عن حب وشغف، لكن يبقى العمل المسرحي بحاجة لمعدات تقنية وديكور وفريق يقف على كل تفاصيل المسرحية وجوانبها، وكل هذا يستلزم إنفاقا ماليا يخصص له.
في سنة 2007 لما كانت الجزائر عاصمة الثقافة العربية، و2011 بتلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، شاهدنا زخما ونشاطا مسرحيا كبيرين، ذلك أنه كان هناك دعم قوي وميزانية موجهة للمسرح. ومن المؤسف أن نلحظ اختفاء بعض تلك العروض المتميزة والتوقف عن تقديمها بمجرد إسدال الستار على التظاهرة. في المقابل، نرى في بعض الدول قابلية الاستمرار في عرض المسرحية لمدة تزيد عن 30 سنة دون أن يأفل نجمها، خصوصا وأن المسرح مرن يقبل التعديل والإضافة.
على كل حال، هناك وعود بتحسين وضع المسرح بدءا من هذه السنة، كلنا أمل أن يجد الفنان وأهل المسرح الدعم حتى تستعيد الخشبة نشاطها وتقدم للجمهور المتعة المنتظرة منها ويبقى المشاهد دائما على مقربة من قاعات العروض والمسارح.

م و أ ماذا عن التلفزيون؟
س م التلفزيون، بتعدد قنواته، ما يزال يحترم الأسرة الجزائرية وطبيعتها المحافظة. الفن هو مرآة المجتمع، لذا يجب البقاء قرب المشاهد الجزائري، عكس واقعه، دون تعقيد ومبالغة في الفلسفات وطرح قضايا لا تعنيه ولا تمت له بصلة. باختصار، نجاح التلفزيون يتمثل في تقديم أعمال يستطيع المتفرج أن يتابعها برفقة عائلته دون حرج أو خوف.

م و أ بماذا تنصح من يحلم أن يكون نجما في عالم التمثيل؟
س م نصيحتي لمن يدخل عالم التمثيل، وجوب التحلي بالموهبة حقا، أجمل ما في التمثيل المسرحي هو أنك أثناء انضمامك لورشة المسرح بغرض التكوين في التمثيل، ستتكون أيضا في العديد من الأمور الأخرى التي ستفيدك في حياتك اليومية بعيدا عن الخشبة. قد تغدو معلما أو محاضرا أو صحفيا، لذا ستحتاج امتلاك مهارة الإلقاء وما تشمله من تفاصيل بدءا من كيفية الوقوف واستغلال الفضاء، إلى مخارج الأصوات وفصاحة اللسان، كلها تقنيات سيتيح لك المسرح تعلمها وإتقانها.
كما أنصح حديث العهد بارتقاء الخشبة أن يبقى على مقربة واحتكاك بمن تربطهم علاقة بالمسرح، سواء كانوا فنانين أو مخرجين أو جمعيات وورشات. حذار من الوقوع في فخ التوجه نحو الأعمال الفردية بمجرد تقديم مسرحية أو اثنين، فمن النضج الفني أن يؤدي الممثل العديد من الأدوار ويتقمص مختلف الشخصيات على تنوع أبعادها وتركيباتها.

م و أ  الكلمة الأخيرة لكم السيد مزوري.
س م أولا، الشكر موصول لك ولمجلة ومضات أمل وفريقها، أتمنى لكم التوفيق فيما تقدمون، سعدت بهذه المقابلة. الصحافة جزء أساسي من سيرة الفنان، وبين الفنان والصحافة علاقة وطيدة لا تنفصل.
أمر آخر، أرجو أن ينظر في فكرة إدراج المسرح ضمن البرنامج التربوي، سيكون من المفيد جدا للتلاميذ ممارسة المسرح وتعلمه ضمن منهج دراسي.
وأخيرا، كفنان تلمساني، أتمنى من صميم قلبي أن تفتح أبواب المسرح الجهوي بهذه الولاية، لأن ذلك حتما سيضفي الكثير للمسرح والفن التلمساني ككل.