من العدد 30/ رحلة في كتاب الأدب الجزائري الحديث
للدكتور أبو القاسم سعد الله
بقلم الكاتبة حياة قاصدي/

في مقدمته للطبعة الثانية، يعرض الكاتب المحتوى الخاص بدراسته التي تشتمل على عدة بحوث كان قد نشرها في مناسبات مختلفة بهدف كسر العزلة التي تعرض لها الأدب الجزائري خلال مراحل تطور النهضة الأدبية العربية، حيث أهمل المثقفون العرب هذا الجزء من عالمهم متبعين في ذلك انزواء كل وطن حول ذاته، لارتباط وثيق بين الحركة الفكرية والوضع السياسي السائد في كل بلد. فلكل تجربة أدبية نسقها الخاص الذي يعود في الأصل من حيث المنشأ والتطور إلى ظروفها الداخلية الخاصة، وتبعا لذلك حدث انقسام في مسار تطور الحركة الأدبية داخل الوطن العربي، تجلت مظاهره بوضوح في التجربة الأدبية الجزائرية في ظل الحصار الذي ضربه المحتل على الجزائر من جميع النواحي، وخاصة من الناحية الفكرية، مما أثر بطريقة بالغة على اللغة العربية وحضورها الضروري باعتبارها اللغة الأم.
ونتيجة لهذا الوضع، ظل العمل الأدبي محصورا داخل إطار ضيق لغياب الاحتكاك الثقافي خارج حدود الجزائر إلا في حدود جد معقدة. هذا ما جعل المفكر أبو القاسم سعد الله يعمد إلى تسليط الضوء على جانب مهم من حركة النهضة الأدبية في بلادنا خلال عهد الاحتلال.
اتخذ من الصحافة وسيلة للتعريف بالأدب الجزائري الناطق باللغة العربية، حيث كتب مقالا حمل اسم “أرض الملاحم” في مجلة الآداب البيروتية سنة 1945م، وكان عبارة عن تحليل تضمن علاقة ما يجري على الساحة الداخلية من أحداث وربطه بأدب الملاحم. وفي بلاد المشرق العربي، لاحظ الكاتب انعدام اهتمام الطبقة المثقفة بأدب منطقة المغرب العربي عامة، وخصوصا الجزائر التي ساهم المثقفون العرب بطريقة أو بأخرى في انعزالها عن العالم العربي. كانت هذه الملاحظة أحد الأسباب المهمة التي أشعلت نار الغيرة في قلبه ليحمل ريشته في سبيل التعريف بالأدب الجزائري والغوص في البحث عن وضعيته وحركته وتطوره بعد دخول المحتل.
أنجز الكاتب عدة دراسات تم نشرها في مختلف الدوريات العربية، وكان يعززها بالبحث والتحري ودقة الملاحظة ليشمل ذلك الشعر والرواية والقصة والمسرحية. وفي سنة 1957م قدم للمكتبة الجزائرية مجموعة شعرية حملت عنوان “النصر للجزائر”، وقد وجدت صدى لدى القراء المشارقة الذين بدأوا يتعرفون على هوية الشعب الجزائري الحقيقية بعيدا عن اللغط السائد الذي يعتبر الجزائري قد استسلم لسطوة الثقافة الفرنسية. ليتوج جهوده بدراسة عن الشاعر محمد العيد آل خليفة سنة 1961م، ويفصح عن شاعر النهضة الجزائرية في العصر الحديث. وظل الكاتب يقوم بالعديد من الأبحاث في الجرائد والمجلات ليقرر في النهاية جمع هذه الدراسات بعد إعادة البحث المتعمق ونشرها في كتاب يكون كوثيقة أدبية سجلت تاريخ أدب الجزائر.
وأهم ما ميز هذا العمل أن الكاتب استعان ببعض الدراسات التي قام بها بعض الأوربيين عند زيارتهم للجزائر بعد احتلالها، فكانت له هذه التجارب كمرجع ينهل منه ما تسنى من سبر لأغوار ما خفي عن الأدب المحلي في فترة جد قريبة من دخول فرنسا إلى الجزائر. فكتاب “رسائل من الجنوب” للشاعر الإسكتلندي توماس كامبيل يعتبر كوثيقة حملت لنا خصائص الحياة الاجتماعية للجزائر خلال القرن التاسع عشر. ومقال كتبه ناقد أمريكي يدعى جورج جوايو ذكر فيه كتاب الجزائر الذين حملوا القلم الفرنسي، منهم محمد ديب وكتاب ياسين.
وبهذه الطريقة يتعمد الكاتب إعطاء صورة متكاملة عن الأدب الجزائري سواء الذي كتب باللغة العربية أو باللغة الفرنسية.
ففي “رسائل الجنوب” للأديب والشاعر توماس كامبيل، رسم الكاتب أبرز سمات الذوق والثقافة الجزائرية حينما زار الجزائر بعد احتلالها بثلاث سنوات، فوجد هذا الباحث قصيدة تثبت وجود الضمير الوطني في الجزائر مع بداية الاحتلال، مما يسمح لنا أن نفند الاعتقاد السائد الذي روج على أن الصراع السياسي في شكله الفكري في بلادنا يعود إلى نهاية الحرب العالمية الأولى. وانطلاقا من هذا العمل الأدبي، عبر الجزائري عن موقفه الفكري من ظاهرة المحتل التي نجد لها تفسيرها المنطقي ودليلها التاريخي من خلال الحركات الثورية المتعددة التي شهدتها الساحة الجزائرية بعد دخول المحتل عبر مناطق مختلفة من الوطن.
لغناها أطلق الباحث أبو القاسم سعد الله على كتاب “رسائل الجنوب” دائرة معارف عن الجزائر. يصف الكتاب المجتمع الجزائري مستعرضا تركيبته الدينية، محددا تواجد العرب واليهود الذين يتكلمون جميعهم لغة واحدة وهي اللغة المحلية. يعود الكاتب الإسكتلندي في دراسته إلى مصدر تركه باحث قبله يدعى لويسن، كان قد زار منطقتنا بحوالي ستة عقود قبل دخول فرنسا إلى بلدنا، تاركا بعض الملاحظات عن صفات قد يحملها عالم جزائري كما جاء على لسانه: “إن سمحت لك الصدفة والتقيت به، فقد تجد في مكتبته القرآن والتفاسير القرآنية وكتب الصلوات والأذكار، وبعض الأخبار والتواريخ الجزائرية… وبعض الأعمال الأدبية المحشوة بالعجائب. كم أتمنى لو أنني أفهم العربية لأعتكف على دراسة هذه التواريخ الجزائرية التي لا ترجع إلى أبعد من زمان المغامرين بربروس وأخيه اللذين تعتبرهما الرومانتيكية الجزائرية من بين أبطالها المحبوبين”.
وراح الكاتب في “رسائل من الجنوب” يبحث عبر اتصاله بأستاذ مصري عينته الحكومة الفرنسية لتعليم اللغة العربية عن دلائل الأدب الجزائري، ليحصل على قصيدة جاوزت المائة بيت، يختمها صاحبها بهذا البيت الرائع: “اكتبوا على قبري بأنني قتيل عيني غزالتي السوداوين”. يستغرب الكاتب وجود هذه القصيدة الرومانسية في مجتمع عرف عنه الخشونة والفظاظة في ظل تباعد تام بين الجنسين بحكم العادات الاجتماعية المعروفة لدينا.
لكن هذا الذي أشيع عن النفسية الجزائرية حينها والذي يعود إلى مرحلة ما قبل الاحتلال يفنده لويسن بنفسه. فتلك القصيدة التي نظمها أحد قضاة الجزائر تبرهن على أنه لا يمكن الحكم على ثقافة شعب بأسره بأنها جافة وخالية من الجماليات الأدبية. قصيدة عنوانها “حوار بين الخمر والشمعة”، تعكس بصدق نوعية الذكاء العاطفي لدى الشخصية الجزائرية من خلال هذا الحوار الرائع الذي يصف بإبداع مميز وبنكهة لها جماليات خارقة ليلة الزفاف الأولى. ليسرح الشاعر بخياله الذي اخترق الشمعة والخمر. قالت الشمعة للخمر: “أنا الشمس في غرفتهما، أبعث أشعة الضوء في عينيهما حين تغيب الشمس لكي يرى كل منهما جمال الآخر”. فأجابت الخمر: “وأنا أبعث حياة جديدة في روحيهما”.
ليعترف الكاتب لويسن مع بعض الامتعاض، بأن الجزائريين سيصبحون ذات يوم شعبا راقيا على مستوى عال في الآداب والعلوم.
ويستمر الكاتب في استخراج الكثير من الدلائل التي تثبت بشكل واضح لا يقبل الشك وجود الروح الأدبية في الجزائر رغم ما اتهم به من التوحش والابتعاد عن الحياة الاجتماعية. حيث يقول الكابتن روزيه (Rozet) في كتابه “رحلة في ولاية الجزائر” أن غالبية الشعب الجزائري أكثر ثقافة من الأغلبية المطلقة من الشعب الفرنسي.
هذا المجتمع الذي عزله المحتل وغفلت عنه منطقة المشرق العربي ولم تعر له أقلام النقاد والقراء أدنى اهتمام لم يضمحل عطاؤه يوما، ورغم هذا الحصار الذي ضرب على الروح الأدبية الجزائرية إلا أنها ظلت تتمخض داخليا، تمتد نزعتها الفكرية في حدود واقعها لتعبر عن ظروفها السياسية والاجتماعية. فتلك النزعة المتشبعة بالوعي الوطني مازالت قائمة، لنجد في موسوعة الكاتب الإسكتلندي قصيدة “رثاء الجزائر” كدليل على الوعي الوطني والذوق الأدبي الذي كان موجودا بعد دخول المحتل، يعبر فيها الشاعر عن الروح السائدة آنذاك لدى المواطن وموقفه الواضح من تواجد الأجنبي على أرضه.
الجزائر كانت منصورة وأميرة
من يضمد الآن الجراح التي تعانيها؟
إن قلبها نهر من دموع.
أواه: سأضحي بحياتي من أجل المنقذ الجزائري
الذي يسحق الصليب من سواحلنا
ويعيدك حرا يا وطني الجزائر.
لكن الخونة أضاعوا معركتنا
وأبطالنا قد أعماهم اليأس.
وتستمر القصيدة في عدة أبيات كلها تحمل معاني رائعة…
وأحرارنا معزولون في الأرض والبحر
فهل هذا غضب السماء؟
لكن الله سيأخذ بيدنا
إن رحمته تعم جميع الأشياء.
وهكذا تثبت لنا هذه البصمة التي تركها باحثون أوربيون، منهم من سبق الاحتلال مثل لويسن، ومنهم من دخل في السنوات الأولى لدخوله مثل توماس كامبل، أن الجزائري ولد بفطرته أديبا وشاعرا وقد عبر عن مكنونات نفسه الجميلة رغم اتهامه بالخشونة وفظاظة الطبع، ورغم محاولة المستعمر عزله عن الاتصال بعالم الثقافة والأدب.
لكن الغموض شاب الحركة الأدبية بعد سنوات الاحتلال الأولى. كان هم المجتمع كيف السبيل إلى الخلاص من هذا الأجنبي الذي جثم على أنفاسه وسلب ممتلكاته، فكانت حركة المقاومة المسلحة هي الوسيلة التي اتخذها للدفاع عن مقوماته. لكن الفشل الذي منيت به هذه المحاولات لانعدام الكفاءة العسكرية جعل الأديب والشاعر يصاب بالإحباط لينزوي على نفسه ريثما تتضح له الرؤى، مهما كانت القوة المادية لمحتل قادرة على عزل شعب وإبعاده عن التأثر بالعوامل الخارجية لبناء نهضته؛ يستحيل عليها أن توقف مسيرته وحركيته ونهضته. لا يمكن لها أن تلغي تقاليده الفكرية وامتداد ثقافته التي يعود تاريخها إلى حضارة قائمة بذاتها.
والحضارة الفرنسية بكل قوتها الحاضرة آنذاك لم تتمكن من إلغاء ذلك التواصل الفكري بين الجزائر والنهضة الفكرية العربية. كان هذا الامتداد نحو المشرق حركة تواصل طبيعية نمت في شخصية الأديب الجزائري وهو على إدراك تام لوجهته الحقيقية.
كان الجزائري الشاعر والكاتب ينتظر ظهور تلك الفكرة التي سيحملها في خطابه، وذلك القائد الذي يوحد الجهود تحت قيادة وطنية واعية بدأت أولى بذورها تظهر بعد الحرب العالمية الأولى. ومع تطور الأفكار السياسية ظل الأدب ينمو بدوره في مواكبته لهذه الحركة التي ستبعث فيه الثقة في مستقبل حركة فكرية سيحمل مشعلها الشعر والأدب.
سيدخل الأدب مرحلة التطور، وستبرز على إثره ملامحه الأساسية في شكل متكامل بعد الحرب العالمية الثانية حيث يكون له دوره الفكري البارز في بناء الشخصية الجزائرية التي ستحمل مسؤولياتها الحضارية في الحركة الوطنية الجزائرية. وإن اختلفت التيارات من التيار التقليدي الذي حافظ على أسلوب الشعر القديم، مرورا بالتيار الرومانتيكي الذي تأثر برواد المشرق العربي في محاولة من أصحاب هذا التيار لمواكبة العصر، إلى التيار الواقعي الذي برز نتيجة لتطور الحركة الوطنية ونضجها واتضاح الرؤى لديها. ليظهر لدينا جيل من الشعراء بين سنة 1930م – 1954م والذي كان عربي اللسان، وجيل من كتاب الرواية والقصة بين سنة 1946م – 1954م وكان فرنسي اللغة.
لقد استطاع التيار الواقعي أن ينقل معاناة الشعب الجزائري ويقدمها في أحسن صورة، ممهدا الطريق لحلم الشعب نحو المطالبة بالحرية. فالحركة الإصلاحية المتمثلة في جمعية العلماء المسلمين ساهمت في بث الروح الأدبية حينما منحت للشعراء المنبر العربي لإيصال أصواتهم وحفظ أعمالهم عن طريق جرائدها المختلفة مثل “المنتقد” و”الشهاب”، وتدشين المدارس الحرة وإحياء المواسم الدينية، فأحدثت تغييرا لا يمكننا التغافل عنه في المجتمع. لينعم الجمهور بسماع الشعر الذي يحمل التوجه الإصلاحي، فكان نظم القصائد يملأ هذه المنابر الخالدة. ومن أهم الشعراء في هذه المرحلة: عاشور الخنقي، عبد الرحمن الديسي، أبو اليقظان، الطيب العقبي، والقائمة لم تنته بعد.
يقول الشاعر محمد اللقاني في قصيدة نشرها في جريدة “الإقدام”:
بني الجزائر هذا الموت يكفينا *** لقد أغلت بحبل الجهل أيدينا
بني الجزائر هذا اللهو أوقعنا *** في سوء مهلكة عمت نوادينا
بني الجزائر هذا الفقر أفقدنا *** كل اللذائذ حينا يقتفي حينا
بني الجزائر استيقظوا فلكم *** أذاقنا اللهو والإهمال تهوينا
لقد حمل هذا الشعر هموم المرحلة ورسم آفاقها الروحية ووضع لها السكة التي يسير عليها لتحقيق رسالة الأدب المطلوبة.
هكذا خاض الأدب الجزائري معركته من أجل البقاء، ليتطور الشعر مع تطور الشعور السياسي الوطني المتجسد في المقاومة ضد التواجد الفرنسي، ليتربع عرش الحرف المناضل مجموعة من الشعراء على رأسهم محمد العيد آل خليفة، أحمد سحنون، ومفدي زكريا. فالبناء الفعلي للحركة الأدبية حدث على إثر الصدمة التي تلقتها كل التيارات الموجودة على الساحة الأدبية سواء كانت إصلاحية أم ذات ثقافة فرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد مجزرة 8 ماي ظهرت رموز أخرى تبنت الخطاب الحضاري للأمة بما فيها قضية فلسطين. إضافة إلى الرسالة الإصلاحية، أخذ الأدب الجزائري على عاتقه علنا القضية الوطنية وشعر الثورة المباركة من أمثال الشاعر محمد صالح “الثائر”:
يا رفاقي في الذرى، في السجن، في القبر، وفي آلام جوعي
يا جنون الثورة الحمراء يجتاح كياني ومغارات ربوعي
والعديد من القصائد ذكرها الكاتب في هذا الكتاب تشيد كلها بالثورة وتدعو عبر الشعر إلى زرع الروح الوطنية جهرا من أجل استقلال الجزائر.
والرواية في كتابنا هذا منحها الكاتب التحليل المفصل مبرزا كيفية ظهورها. هي الحرب العالمية الأولى من جعلت جيلا من الكتاب يظهر على ساحة الأدب. لقد توغل جل هؤلاء الكتاب في عمق الواقع والشخصية الجزائرية فعمدوا إلى وصف الحياة الاجتماعية وصفا دقيقا عبر التعرض لمآسي الشعب ومعاناته، ليصنعوا من أبطال رواياتهم نموذجا للبطل الجزائري الذي سيتحمل المسؤولية في إعادة بناء التوجه الفكري والميول السياسية. كانت الشخصيات الحاضرة في روايات محمد ديب مثلا حاضرة بمعاناتها وظروفها في الواقع، موجودة في ثنايا هذا المجتمع الذي أدرك الكاتب كيف يمنحها الحياة ويعبر عن مواقفها الفعلية والضرورية. فعمر الذي عرفناه كان في كل المراحل العمرية التي ذكرتها الرواية يمثل جميع الفئات المختلفة لدى الشعب من معاناة الطفولة إلى قساوة الحياة في المعمل والفلاح في القرية والمثقف في إيمانه بالقضية الوطنية. قدم الكاتب كل الرموز التي عايشت الواقع الحقيقي ورسم معاناتها القاسية تحت ظل إدارة المحتل. وأما شخصية عيني وبناتها وجميع نساء الرواية كانت شاهدا فعليا على مرارة الحياة بالنسبة للمرأة الجزائرية.
وغيرها من الروايات التي أدت أدوارها المتعددة في الكشف عن سمات المجتمع الجزائري وقساوة ظروفه. وتعد رواية “أم القرى” لأحمد رضا حوحو إحدى الأعمال الأدبية الرائدة في معالجة مشاكل المجتمع الجزائري وقضايا المرأة على وجه الخصوص.
الكتاب يتعرض للعديد من العناوين التي شرح فيها دور القصة والمسرح. لا يسعنا في هذا المقال أن نذكر كل ما ورد فيه. وأهم ما لفت نظري في هذا البحث المميز هو مسرحية (حنا بعل) لأحمد توفيق المدني التي صدرت سنة 1950م، لما لها من قيمة أدبية رائعة، وجدت أنه الأجدر أن نأتي على ذكرها عبر سطور قليلة. حيث وظف الكاتب ببراعة الأحداث التاريخية لمنطقتنا لرسم أهداف تخدم العمل الثوري والحركة السياسية في قالب أدبي اتسم بأسلوب مميز مفعم بالعواطف والتصوير الناجح للأحداث. نجح من خلاله أحمد توفيق المدني في خلق شخصية منحها القوة والشجاعة والروح الوطنية لمقاومة الأعداء في فترة كانت الحركة الفكرية تعيش مخاضها الأخير لميلاد الثورة المباركة. عندما جعل الكاتب رضا حوحو البطل حنا بعل يعلن عن هدفه السياسي: “إن عشنا فالوطن لنا جميعا، وإن متنا فالوطن لأبنائنا من بعدنا إلى الأبد”.
هذا هو الأدب الذي يؤمن بالوطن ولا يخدم إلا قضاياه العادلة في التحرر وبناء المجتمع الذي يعيش فيه الجميع دون تفرقة في ظل العدالة والحرية والمساواة والأخوة.
لقد حرر الأدباء أنفسهم من السجن الفكري وكسروا الحصار والعزلة ورفعوا أقلامهم في الشعر المنظم والشعر الشعبي الملحون والقصيدة الكلاسيكية والرواية والقصة والمسرحية، كلهم عبروا نفس النفق وتحدوا ظلام المحتل فصنعوا من أبطالهم الذين رسمتهم الريشة بذكاء أبطال الوطن الفعليين.
رحم الله الأستاذ أبو القاسم سعد الله، أستاذي العظيم الذي يعد بالفعل بطلا من أبطال هذا الوطن.
