السرد الأدبي من التجريبي إلى الترابطي
“تداخل الذوات وانفتاح البنية النصية”
قراءة في كتاب السرد الأدبي من التجريببي إلى الترابطي لـــ “زهور كرام”
بقلم د-محمد عبدالله الخولي


في كتابها: “السرد الأدبيّ – من التجريبي إلى الترابطي”، هذا المؤَلفُ النقدي المؤَسِّس تقف زهور كرام على مرتكزات نقديّة وأدبيّة تحلل/ تعالج من خلالها قضية “الأدب الرقمي” معالجة منطقية مبررة بأسبابها، مندغمة برؤيتها النقدية الكاشفة عن ماهيّة الأدب وتجاوزه/ تنقله بين الأشكال المتعددة والوسائط المختلفة.
احتضن هذا المؤلف “السرد الأدبيّ” دون غيره من الأجناس الأدبيّة الأخرى، التي تحتفظ لنفسها بشروطها وأشراطها، ولعلّ السبب في ذلك تشظي السرد تلقيا وإبداعا، متوزّعا على النمطين الآنيين: الورقي/ الرقمي. فقد تمدد السرد – بصنوفه – على الجسد الأدبيّ بأنماطه المختلفة وأشكاله المتباينة، ولا سيّما الرقمي منها، فبالنظر – إحصاءً- يتجلى للقارئ مدى هيمنة السرد واحتلاله مساحة كبيرة – دون غيره- في الوسيط الرقمي الجديد.
لم يكن هذا “المؤلف” كغيره هامشيّا، بل كان رائدا مؤسسا تنظيرا وتطبيقا، وهذا ما اعتدناه من زهور كرام، التي نالت شرف السبق وبيرق الإمارة في الأدب الرقمي على المستوى النقدي. وتكمن ريادة هذا المؤلف في كونه متجاوزا للتعاريف بغية التوغل في ماهيتها وفكّ طلاسم كينونتها. وهذا ما نطالعه في الصفحات الأولى من الكتاب حيث تقول: ” عندما يحدث اللبس في تلقي ظاهرة معرفية مستجدة، يكون من الأولى، إرجاع الظاهرة إلى شرط انتمائها، أو التفكير فيها بمنطق ذلك الشرط، من أجل إضاءة مسار تكونها وتحولها وتطورها، وتحقيق الفهم الملائم لها، بعيدا عن الانشغال بإصدار الحكم غير المبني على تحليل المعرفة المستجدة، وفق شرط انتمائها. يأخذ التفكير في علاقة النص الأدبيّ بمنطق التكنولوجيا شرعيته من نظرية الأدب التي تنتج وعيا معرفيا بمسار تكون الأدب وتحوله ثم تطوره.
بوعيٍّ معرفي تربط زهور كرام الشكل/ الوسيط بماهية الأدب، إذ الأخير تنبثق منه مساراته وأشكاله ووسائطه، وفق ما تقتضيه النظرية الأدبية ومنطقها الوجودي، فلم يكن الشكل – ذات مرة – ترفا ولا لعبا بالمرتكزات، ولكنه التموسق والمواءمة التي تحدث بين الأدب والواقع، وما يقتضيه الأخير من فضاءات تجريبية تطمح إلى ما تصبو إليه الذات الإنسانية في واقعها الآني.. فتقول زهور كرام.. ” لا يعرف الأدب ثباتا في نظامه، ولا يستقر على حالة واحدة في شكله وأسلوبه ولغته. غير أنّ هذا التحول لا يعني قطيعة مع الشكل القائم/ السابق، إنه تحول بصيغة التطور التي تلحق منطق الأدب، وتعمل على جعله يرافق التحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية. لهذا، يتعذر الحديث عن مفهوم القطيعة في حالة الأدب. ومفهوم القطيعة الذي قد نلتقي به في بعض الدراسات والكتب والتوجهات، لا يستند إلى البنية الداخلية للأدب بقدر ما يعود إلى مسألة التأريخ، التي جعلت الأدب، خاصة في التجربة العربية، يعتمد الزمن التأريخي للعصور في التأصيل والتحديد. فقد اعتدنا عند التفكير في الأدب العربيّ القديم مثلا، أن نستحضره في إطار العصور التاريخية… وعندما نفكر بهذا المنطق فإننا ننتج وعيا بالقطيعة في الأدب.
يرى (أدونيس)، والذي يطرح أسئلة من خلالها يفند مصطلح التراث الأدبي، فيقول: ينبغي أن نطرح في هذا الصدد أسئلة أكثر تحديدا، ما الذي يوحّد شعريا بين الشنفرى وعروة، وهما موحدان في الصعلكة وفي المرحلة، وفي الوزن والقافيّة؟ إنهما شعريا، عالمان مختلفان. كذلك الأمر في ما تعلق بامرئ القيس وزهير، بطرفة وعمرو بن كلثوم…الخ هكذا أننا نرى ما نسميه بـ (الأصل) الجاهلي (الواحد) إنما هو شعريا كثير وليس واحدا. ولعلّ بعضنا في بداية الأمر – دون استقراء للمشروع الفكري لأدونيس- يفهم أنه يهاجم التراث، ولكنه على العكس تماما، هو يريد أن يقرأ التراث بشكل مغاير، ولا يمنح التراث سلطة عليا من خلالها يصبح التراث نموذجا أعلى في الأدب، فالسلطة الوحيدة هي سلطة الذات وليست سلطة النموذج، لأنك إن فتّشت عن النموذج المثال لن تجده في صورة جمعيّة، ولكن في صورته الفردانية المحضة، ولذا نصرّ على قولنا الذي سقناه في بداية البحث، أن الحقب التاريخية السابقة ليست سلطة من خلالها نركن إلى فكرة النموذج، ولن نستطيع خلق أطر وأنظمة من خلالهما نستخرج التشاركيّة الإبداعيّة لرهط من الشعراء، فكل قصيدة كون استعاري خالص، بل كل استعارة في قصيدة تمثل كونا وحدها. فالذات الأدبية التي تمارس حريتها في عالم الأدب – حيث استعصى الواقع على تلك الممارسة – تخلق عالمها الخاص، ووسائطها المتعددة، من خلال العبث بأنظمة النص، دون الخروج على قانونه وسلطته الأدبيين.
وبناء على ما سبق يتأكد – لدينا – ما انبنت عليه رؤية زهور كرام، بأنّ الشكل أو الوسيط أو فضاءات التجريب وتعالياتها النصية لا تنولد إلا من رحم الأدب والنظرية الأدبيّة. انمازت رؤية زهور كرام النقدية- فيما يخص الأدب الرقمي – تحديدا – بالموضوعية، فلم تنظر إلى الأدب الرقمي منفصلا عن كونه الأدبي، ولم تدخل في معركة (مع/ ضد)، وانسلخت برؤيتها (المحايدة/ المحايثة) من الجدل المثار، وأقامت جسر تواصل بين الوسيط الجديد/ الأدب الرقمي وبين الأدب بوصفه كونا تنبثق عنه أشكاله. فتقول: ” أتذكر أني بدأت أشتغل بالأدب الرقمي خارج المواصفات الجاهزة، والأحكام المسبقة، كما أني استبعدت من تفكيري حالة الصراع التي قد بدأت تنتشر في المشهد العربي بين من يدافع عن هذا الأدب “الجديد” ومن يعارض الأدب “التكنولوجي/ التقني”/ كما كان يرى ذلك الرأى، وسعيت لأن أدخل تجربة الفهم والتمثل من واقع الممارسة الأدبيّة “الجديدة/التكنولوجية/ التقنية”، بعيدا عن التأثر وحالة الصراع الذي بقي – آنذاك – قيد صيغة “مع/ضد” (…) لم يكن الاقتراب من الأدب الرقمي حينها اقتصارا على هذا الأدب، بقدر ما كان اقترابا من مسار تحولات الأدب. لهذا اعتبرت زمن التفكير في الأدب الرقمي تفكير في الأدب الذي لا يخضع لمفهوم ثابت.
إنّ الأدب وفق تصور زهور كرام كائن حيٌّ يسعى للخلود والوجود المغاير، ولذا، يحطم الأدب كل القيود، ولا يأبه بقانون الشكل، ولا بفكرة النموذج، يستعلي بسلطته على كل الأطر، يجابه الواقع يتموسق معه لينوجد كلّ مرة عبر وسيط أو شكل يتسق مع واقعه الآني، وإن لم يفعل الأدب – بوصفه كائنا حيا – لاندثر وتلاشى في غياهب الجمود.
لم ينوجد الأدب الرقمي على الساحة الأدبية – بوصفه وسيطا – بغية أن يواكب العالم الرقمي الذي فرض سلطته على شتى القطاعات، فربما تقتصر وجهة نظر أحدهم علي الأدب الرقمي بوصفه وسيطا معادلا للوسيط الورقي وحسب، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فوجود الأدب الرقمي ضرورة يوجبها الواقع بملابساته وعلائقه، ومن باب المكابرة والعبث أن نتوقف أمام الأدب الرقمي باعتباره وسيطا رقميا جديدا، ووقتئذ يكون تجاوز الأشكال الأدبية ترفا ولعبا بأنظمة الأدب دون غاية أو قصد. فكل تجريب في البنية الداخلية أو في الإطار النصي لا بد أن تستدعيه الحاجة إليه، وإن لم يكن الأمر كذلك، فما الداعي إلى العبث بالأنظمة الأدبية وتغيير مساراتها، إن لم يكن هذا التغيير دالا على الواقع وما تصبو إليه الذات الإنسانية.. فكل تغيير لا ينبني على غاية أو قصد لا يعول عليه.
لم تعد الرواية رهينة التاريخ بماضويته، ولكنها اشتبكت مع اللحظة الراهنة، فلم تعد ترتكز على الخيال في بناء تعالياتها السردية، فقد تقلّص الخيال ولم تعد الرواية ترتكز عليه بصورة مباشرة، فكل ما كان خيالا أضحى واقعا، بل يضج الواقع بأحداث تسترعي أفقا مغايرا من أدائيات التمثيل الروائية التي تستطيع أن تسيّج الواقع وتستبطنه في عالمها التمثيلي. وهذا ما ألمحت إليه زهور كرام في قولها: “ولعلّ من أهم عناصر هذه التحولات، التي تسهم في جعل الروايات العربية حاضنة للحظة التاريخية التي يمر منها الواقع/ الوعي العربي، هو هذا التداخل التفاعلي – الوظيفي بين الواقعي بالتباسه السياسي والاجتماعي بأفقه الغامض، وبين الخيالي بمساحته التي بدأت تتقلص أمام انفجار الواقع، كلاهما (الواقع/ الخيال) يحقق معادلة صعبة، لكنها ممكنة في تحقيق التخييل الروائي، بعيدا عن إكراهات الواقع وانتظارات الخيال.”
وإذا حاولنا أن نستقرئ ما بين هذه السطور الواعية والمعمّقة لـ زهور كرام يستقر بنا الرأي أنّ كل فضاء تجريبي جديد ينولد من رحم واقعه وذواته، وباعتبار الأدب الرقمي فضاءً تجريبيا جديدا، يتوجب علينا أن نتعرف إلى أسباب وجوده على المسرح الأدبي؛ إذ البحث عن أسباب الوجود يبرر حياة هذا الفضاء التجريبي الجديد.
لم يكن ظهور “الأدب الرقمي” خروجا سافرا عن المعتاد، أو قفزة غير متوقعة أو منطقية، بل هذا ما تمخضت عنه فضاءات التجريب السابقة، فكل فضاء تجريبي جديد بمثابة رحم يحمل جنينا جديدا لفضاءات أخرى لاحقة عليه. فالواقع بملابساته والذات البشرية وتطلعاتها مارست التجريب في فضاءات أخرى قبل انوجاد الأدب الرقمي، فالأخير كان جنينا يسبح في رحم الفضاءات الأخرى متنقلا من فضاء إلى آخر حتى حانت اللحظة لولادته، ولن يكون الأدب الرقمي نهاية فضاءات التجريب، بل مرحلة تعقبها مراحل كثيرة متعاقبة ومتلاحقة. فكل ما سبق من تجريب كان إرهاصا يبشر بميلاد الأدب الرقمي، وقد طوفت بنا زهور كرام في فضاءات تجريبية متعددة على مستوى السرد الروائي والقصصي، خرجت هذه الفضاءات عن المألوف السردي مواكبة للحظة الراهنة وظروف واقعها، وكأنها بتلميح دون تصريح، وبإشارة تغني عن العبارة، تقول: إن وجود الأدب الرقمي هو ما تمخّضت عنه ذاكرة التجريب في مراحل سابقة، فتقول: “إنّ الأدب هو تاريخ لأشكاله وأنظمته التحولية. وبالتالي، فإنّ هذه الذاكرة تظل تشتعل بوصفها مرجعية مستمرة، تمد التطور الأدبي بدعائم التجربة السابقة، وتمنحه ذاكرة هذا التاريخ.”
لكل فضاء تجريبي جديد خصائصه التي ينماز بها عن غيره، ولعلّ من أهم الخصائص التي ينماز بها “الأدب الرقمي” التبئير على المتلقي، الذي يتحول من كونه مشاركا مجازيا/ سلبيا في الأدب الورقي إلى مشارك فعلي بفعل القراءة، وليس المقصود بفعل القراءة هنا إنتاج المعنى الذي تلقفه القارئ كاملا من الذات المبدعة، وليس المقصود بفعل القراءة إنتاجية المعنى أو الوصول إلى الموضوعات الدينامية المتخافية في البنية العميقة للنص، ولكن المقصود بفعل القراءة في الأدب الرقمي هو إنتاج النص ذاته، حيث يصبح القارئ مؤلفا مشاركا في بناء النص، فلم يعد القارئ متلقيا سلبيا أو منتجا للدلالة، ولكن أصبحت ذاته تمتلك هي الأخرى سلطة البناء النصي، ولعل هذه الركيزة هي التي ينماز بها الأدب الرقمي عما سواه من الفضاءات التجريبية الأخرى.
إنّ ما سبق ذكره يعرفه كل من خاض غمار الأدب الرقمي نقدا وإبداعا، ولكن عندما تناولته زهور كرام في منجزها النقدي، أعطت للقراءة بعدها النظري وثقلها الأدبي، فلم تتوقف عند حدود التفاعلية/ التشاركية بين الذوات في الأدب الرقمي، ولكنها أخذت القراءة إلى أفق مغاير بعيد، لتتماس القراءة التفاعلية مع النظرية الأدبية، فالقراءة التفاعلية – وفق منظورها الجديد – تمنح الأدب أفقا مغايرا وبعدا متعاليا وفضاء جديدا، حيث تتوسع النظرية الأدبية وما يخص التلقي منها على وجه التحديد، وتتحول الإنجازية الإنتاجية من تحققها الماضوي إلى تحقق يطمح إلى استمرارية مستقبلية، فتقول: “إنما القراءة تتجاوز مفاهيمها السابقة والمألوفة، تلك التي تعتمد تصورا يجعل من الأدب خطابا قائما في ذاته ولذاته، وما القراءة إلا تجديد لهذا الوجود القبلي. قد يقول قائل، إنّ الأدب باعتباره خطابا رمزيا، فإنه يمنح للقراءة مساحة من الحرية لجعل الأدب ممتدا في مساحات جديدة، ويعطي البعد الرمزي للقراءة الحق في إعادة إنتاج الأدب، إنه لقول منطقي، لا جدال فيه، لكونه يدعم مشروعية تفعيل القراءة للأدب من مدخل الرمزي، لكن ما نقصده هنا، لا يتعلق بهذا المستوى من القراءة باعتبارها زمنا لا حقا للكتابة الأدبيّة، بقدر ما نعني بتصورنا، وضعية القراءة اليوم في علاقتها بالأدب ليس من باب التلقي، وإنما ما يمكن توصيفه بالقراءة التفاعلية الإنتاجية. أي القراءة المنتجة لنظام الأدب وشكله. ويحضر في هذا المستوى ما يسمى بالقراءة الرقمية التي تعتمد التفعيل الوظيفي الأدبي للترابطي، كما نلتقي داخل المنظومة نفسها، ما يسمى بالأدب البصري، أو القراءة البصرية للأدب.”
لم تتوقف زهور كرام في القراءة التفاعلية عند هذا الحد، لكنها وقبل الولوج في المعترك الرقمي، وقفت عند الإرهاصات التي تجلى فيها العبث بالنظام السردي، ومحاولة تنحية المؤلف بسلطته عن النظام، بحيث لا ينفرد بعملية الإنتاج وحده، لتشير من بعيد إلى أنّ فعل القراءة التشاركي في الأدب الرقمي لم يكن بدعا مستحدثا أو طفرة جينية في الجسد الأدبي، ولكنه كان جنينا في فضاءات التجريب السابقة، ولهذا اختارت زهور كرام نماذج بعينها.. سلطت عليها الضوء.. وقامت بتحليلها برؤية نقدية متعالية، فلم يقف الكتاب عند حدود التنظير، ولكنه استضاء بالتطبيق كنوع من التبئير على الغاية والهدف.
ومن هذه النماذج رواية “حمام الدار” للسنعوسي، والتي تقول عنها: ” تحول المؤلف في هذا المقطع إلى شخصية مسرودة وموصوفة. وتحولت الشخصية إلى صانعة المؤلف، واخترقت ميثاقه في الكتابة. نلتقي بتناوب سردي بين الشخصية والمؤلف، فالشخصية تتجاوز نص المؤلف أو تكتب نصا محتملا أو افتراضيا، وسلطة المؤلف تتراجع أمام الشخصية التي تصبح مؤلفا. يتم التأليف إذن، بطريقة جماعية تداخلية، لا يتم ذلك إلا بتعاقد وميثاق، إنما يحدث الأمر بشكل لا إرادي داخل الكتابة وهي تتحقق رواية. تتم الكتابة الجماعية وفق التساؤل حول موقع ووظيفة كل عنصر من عناصر الكتابة. كأننا أمام المفهوم الجديد للمؤلف في النص الترابطي التكنولوجي.”
إذن، لم تتركنا زهور كرام تتناوشنا التعاريف، ولكنها رسخت لها توغلت فيها تنظيرا وتطبيقا، وانطلقت من مرتكز الأدب الرقمي إلى فضاءات الأدب، وحاولت أن تلفت نظر القارئ إلى علاقة الجزء/ الوسيط/ الشكل بأصله الأدبي في كليته ووحدته.
تداخل الذوات وانفتاح البنية النصية:
لم تقف حدود القراءة التفاعلية عند زهور كرام عند هذا الحد – الذي أشرت إليه سابقا- ولكنها استرسلت في حديثها عن القراءة التفاعلية، وانتقلت بها إلى مسار آخر، لتستجلي غوامضها في ظلال الأدب بسمته الأيقوني. إذ تتداخل الذوات تشاركيا في بنية النص تأليفا/ إنتاجا، ليصبح القارئ مؤلفا أساسيا وخالقا للبنية السردية، سواء كان التفاعل عن طريق النص الترابطي الشبكي، حيث يمتلك القارئ القدرة على المشاركة الفاعلة في تحريك هذه الشبكيات، ويمنحها وجودها بهذا الفعل، أو مشاركا فعليا في عملية البناء النصي، كما في رواية ” على بعد مليمتر واحد فقط” لــ عبد الواحد استيتو، حيث سمح المؤلف باستدخال القارئ بوصفه مشاركا في عملية الإنتاج النصي، وعن هذه التشاركية الإنتاجية تقول كرام: ” الرواية التي تنكتب وفق شراكة ملموسة بين المؤلف الأول، صاحب مبادرة فكرة النص، وقارئ الرواية وهي تتحقق نصا، والملاحظ في هذا النوع أن الرواية باعتبارها نصا أدبيا تبدأ فكرة، ثم تنمو وتتحول، وتتكون أحداثها، بل نظامها حسب وضعيات القراءة التفاعلية.
هنا تتداخل الذوات وتتماهى، وتستدعي كل ذات آخرها ليتشارك معها في عملية البناء النصي، وهذا ما لم تعتده النظرية الأدبية من قبل، وقد اتفقنا -آنفا – أنّ فضاءات التجريب ليست ترفا ولا لعبا، فكل فضاء يشكل دلالة، ويحمل في طياته واقعه بمتغيراته الحياتية على كافة الأصعدة، ويحاول كل فضاء تجريبي جديد أن يحقق طموح الذات الإنسانية، فتقول كرام: “لم يكن التجريب لعبا عبثيا بالشكل والسرد ونظام البناء،، أو مجرد خروج عن نظام الأدب، إنما انطلق من تحولات تاريخية في وضعية الإنسان، وعلاقته بالحقيقة، وشكه في اليقين، وعدم إيمانه بالصوت الواحد والوجه الواحد والحقيقة الواحدة.
هذه العبارة – السابقة – مكثفة لأقصى درجة ممكنة، ومثل هذه العبارات الخطرة، تحتاج منا إلى نوع من التفكيك النقدي المنضبط على المرتكزات الموضوعاتية لهذا المؤلف. تطرح الفقرة السابقة سؤالا: لماذا تستدعي الذات آخرها ليشاركها في عملية البناء النصي؟ هذا السؤال تنضوي تحته إجابات لا حصر لها. فربما يكون هذا الاستدعاء سببه شعور الذات بالوحدة في هذا الواقع الإنساني الأليم الذي نعيشه الآن. وربما يكون هذا الاستدعاء نوعا من التطهير، حيث تتخلص الذات وتتطهر من أنانيتها، فتستدعي غيرها ليتقاسما سلطة الإبداع. أم الاغتراب الذي تعانيه الذات البشرية الآن، هو الذي اضطرها لتستدعي غيرها لتسأنس به في عملية البناء النصي. وربما يكون الشك المعرفي- الآني – هو الذي جعل الذات المبدعة تتنازل عن سلطتها لغيرها بغية الوصول إلى المعرفة الموثقة والتي تنتج عن طريق التشارك المعرفي حال الكتابة. ويحتمل أن يكون السنن الثقافي توسع لدرجة كبيرة، وانضافت إليه مضامين جديدة يحاول المؤلف الأول أن يستظهرها من خلال آخره، ومن هنا تنعكس عملية التأويل، فبعد أن كان القارئ يدخل على النص محاولا تأويله بغية الوصول إلى قصد الذات المبدعة؛ ليتعرف على ماهيتها، انقلبت دفة التأويل حيث تستدعي الذات الأولى آخرها بغية أن يشاركها عملية البناء النصي؛ لتتمكن من تأويل هذه الذات والوقوف على أسرارها، وتحاول أن تكتشف نسقها الثقافي من جديد. كل ما سبق يشير إلى أن طبيعة الذات الإنسانية تغيرت وتغير سننها الثقافي، ولعلنا نلمح في النهاية ملمحا إنسانيا في عملية الاستدعاء ذاتها، أن الذات بسمتها العالمي الآن مهيأة لقبول الآخر، وهذا ما يجعل من الأدب الرقمي أدبا عالميا منفتحا، كما أشارت إلى ذلك زهور كرام: حيث تقول:” إنما انطلق من تحولات تاريخية في وضعية الإنسان، وعلاقته بالحقيقة، وشكه في اليقين، وعدم إيمانه بالصوت الواحد والوجه الواحد والحقيقة الواحدة.
وبناء على ما سبق، وبعد هذه الرؤى النقدية المتأنية لزهور كرام – التي وقفت على أعتابها طويلب علم أستقي من منابعها المعرفة- نستطيع أن نعيد النظر في كل ما يتماس مع جوهر النظرية الأدبية.. وأن نتخلى عن جمودنا المعرفي، فقد فتحت كرام في منجزها النقدي نوافذ واسعة تطل على مساحات شاسعة من الفكر النقدي الأخضر الذي لم تطأه قدم بعد، وخلقت لنا بكارى لم يطمثهن إنس ولا جان.
ألم يأن لنا أن نعيد النظر في نماذج التواصل من الدائرة الكلامية عند فرديناند دو سوسير مرورا بكارل بوهلر حتى رومان جاكوبسون، بعد أن تحول المرسل إليه إلى مرسل، وأضحت المرسلة (النصية) نتاجا تشاركيا بين ذوات مختلفة، فكل هذه النماذج التواصلية لم تعد صالحة لتلقي المرسلة الأدبية الرقمية إلا إذا أعدنا النظر إليها بما يتسق مع طبيعة الوسيط الجديد.
ولزاما أن يتغير فكرنا تجاه القراءة، ويتوجب علينا النظر إليها بوسمها نسقا تفكيريا يحمل في طياته المجتمع بوعيه الثقافي، ولا نمنح المبدع – وحده – السلطة المطلقة في عملية البناء النصي، لنتعرف على النسق الثقافي من خلال ذوات متعددة، ولا نرتكز على ذات واحدة في عملية الكشف عن الأنساق المجتمعية، وفي هذا الشأن تقول كرام: “القراءة فعل التفكير. والتفكير فعل ثقافي يختصر حالة مجتمع وثقافة وسياسة واقتصاد وتنمية. وإنجاح تجربة الترابطي في ثقافة أي مجتمع، أمر مرتبط بوضعية الفرد في سيرورة تاريخ مجتمع.
