إبراهيم سواحل
بقلم سمير لوبه/

في شارعنا يسكن عم إبراهيم سواحل، اسمه وحده يكفي ليبعث في القلب شيئًا لا تستطيع تحديده ، إبراهيم سواحل خمسيني، قصير القامة، ببطن مدور يسبق خطاه، أصلع، وجهه دائم الابتسام، وعيناه تشعان بمكرٍ طيبٍ، يعمل تمرجي في مستشفى البحرية برأس التين، يعود كل مساءٍ تفوح منه رائحة الديتول الممزوجة باليود، يعرفه الصغار قبل الكبار، صباح يوم الجمعة، وهو يوم الراحة الوحيد لعم إبراهيم، يتحول الشارع إلى ما يشبه العُرس الشعبي، تبدأ النساء بالتحرك كطيورٍ نشطةٍ، ينظفن بيوتهن، ويمسحن السلالم، ويشعلن البخور، الأطفال يركضون في الشوارع، يضحكون، يسألون عن الذين حان دورهم ، وعم إبراهيم بهدوئه المعتاد يجلس أمام باب بيته يشرب الشاي، يراقب تحضيرات اليوم دون استعجال.
اليوم طهور ثلاثة صبيان، اختارت لهم الأمهات أن يكونوا دفعةً واحدةً، والجمعة هو اليوم الأنسب، وقت للراحة، وللاحتفال، تصل عربات الحنطور بعد صلاة الجمعة بقليلٍ مزينةً بأشرطة الورد الورقي الملون، تفوح منها رائحة الشيح ، وفي كل عربةٍ سوف تجلس أمٌ تحمل ابنها، وقد أُعدَّ لكل طفلٍ منهم قفطانٌ أبيضُ نُقِش على ظهره كفٌ مطرزةٌ بالخيط الأزرق.
أولاد أبو الغيط، تلك الفرقة الشعبية الصغيرة يقفون في جلاليبهم البيضاء وعلى صدورهم الوشاح الأخضر، يحملون الدفوف، ويبدؤون في قرعها، تتمايل أجسادهم في رقصٍ عشوائي بهيجٍ ، يتقدمهم رجل على رأسه ريش طويل يرقص وفي يده شخاليل يهزها، تتحمس الجيران، وتشتعل الزغاريد في أفواه النساء الواقفات في الشرفات، تدخل الأم بطفلها، تحمله بين يديها، والأطفال واحدٌ يصرخ، وآخر يحدق في السماء، وثالث قد أغمي عليه من رعب اللحظة.
عم إبراهيم، وقد ارتدى معطفه الأبيض النظيف لهيبة اللحظة، يقف في منتصف الصالة التي خصصت للطهور، يستخدم أدواته بمهارة الطبيب وجسارة الجزار، يتلو تعليماته بجدية :
– شدّي عليه يا أم فهمي
وتنفجر الزغاريد من جديد، ويعلو صراخ الصبي، بينما تمسك الأم بيديه وتردد دعوات متداخلة بين الرجاء والشكر، يبدأ الحفل، ينطلق الحنطور بالمطّاهر في الشوارع، الصبي قابع في حضن أمه بين اليقظة والغيبوبة مصفر الوجه، وقد عُلقت في رقبته حلقةٌ من الشاش الأبيض معقودٌ أوسطها على حفنةٍ من الشيح، والوجه مبلل بالدموع، وسط أصوات الزغاريد والدفوف، تتحرك الحناطير، وحولها النساء والجارات، يضحكن، يتبادلن التهاني، يقدمن للأم النقوط، ولا أحد يفكر في حال الصبي، يمشي الحنطور بالصبي في موكب انتصاره المهزوم، تلوح له الجارات، في آخر اليوم يخلع عم إبراهيم سواحل المعطف، يجلس أمام بيته، يشرب الشاي، يبتسم، وفي الشارع تتناثر أوراق الورد الورقي، تبقى ملتصقة بالأرض، شاهدةً على طقوسٍ صغيرةٍ صنعتها تقاليد أهالينا الطيبين، طقوسٌ تمضي دائمًا بزفّةٍ وحنطور، وطفلٍ ملفوف، وزغاريدَ تنطلق.
كبرت العيال، وصاروا رجالًا وخلّفوا بنين وبنات، ورحل عم إبراهيم سواحل، واختفت زفة الحنطور وفرقة أولاد أبو الغيط.
